مقالات وأحاديث إذاعية ومقابلات سجلتها وقتها في أوراقي - الجزء 2: خطابه الإذاعي عام 1951 في تعريف الديمقراطية في ظل الدستور السوري الجديد

اقرأ بالإنكليزية

أيها المواطنون الأعزّاء

من تعريف الديمقراطيّة إنها حكم الشعب لنفسه وبنفسه، وهذا المفهوم للحكم، كان عالياً بصورة خاصّة في بعض مراحل الحياة اليونانية الرومانية ولكنّه بلغ مستوى عالياً في الفترة التي حكم فيها الخلفاء الراشدون في الإسلام.

فليست الديمقراطية إذن غريبة عن الإسلام، ولكنّهما جزء لا يتجزأ من فلسفته، ودعامة كبرى من الدعائم التي أقام عليها تنظيم شؤون الحكم.

والديمقراطية، أن أحسن فهمها وتطبيقها، أفضل نوع من أنواع الحكم إطلاقاً، لأنها النظام السياسي والاجتماعي الذي تتحقق فيه مرامي الحياة المجتمعة، وغاياتها.

فلو كان كل إنسان يعيش منفرداً في جزيرة منقطعة عن العالم الخارجي، لما كان هناك من حاجة إلى التفكير بوضع قواعد للحكم، لأنه كل إنسان في مثل هذه الحال، يتصرّف بنفسه، وبميوله على الشكل الذي يرضي غرائزه ونزوات قلبه.

ولكن الإنسان الذي كان يعيش مع أخيه الإنسان، في نظام أسروي، يدير شؤونه الأب، بوصفه أباً وحاكماً ورجل دين صار يعيش مع أخيه الإنسان بشكل أدق وأرفع، حين تطوّرت قواعد الحياة، فانتقلت الحياة المجتمعة إلى نظام قائم على وحدة العشيرة، ثمّ القبيلة، ثمّ المدينة، وفي هذه الأنظمة التي سادت البشريّة في سبيل الوصول إليها آلافاً من السنين كان رئيس المجتمع، حاكماً سياسياً، ورئيساً دينياً فذا وكان تصرّفه على رعيّته مستقى من حاجاتها ورغباتها ولكنّه كان إذا ما حاد عن طريق الأعراف المرسومة، أطاح به الشعب، وأقرّ عليه رئيساً آخر، أكثر إدراكاً للمصالح العامّة.

وانتهى المطاف بالتطوّر الجماعي، إلى تشكّل الدولة، فاتّسعت رقعة الأرض، وازداد عدد السكان، وتشابكت المصالح، فلم تعد قواعد الحكم في الأسروية أو القبلية أو البلدية مقبولة، وراح الفلاسفة والمفكرون يبحثون عن النظام الأفضل للحم وانتهوا إلى نظريات شتّى، قامت على أسسها أنماط وأنماط من الحكم، انتهت بها التصفية إلى نوعين اثنين، هما الديمقراطية والديكتاتورية.

ولست هنا في صدد تبيان محاسن الديمقراطيّة، فمحاسنها كثيرة، كما أنني لست في صدد الحملة على الدكتاتورية فمساوئها كثيرة أيضاً، ولكن التجارب المريرة التي مرّ بها شعبنا في السنوات الخمس الأخيرة أقنعت كل منصف بفشل حكم الفرد، وخرج كلّ منّا بهاتين الحقيقتين:

الأولى - أنّ كل حكم فردى يباعد ما بين الشعوب وأحكامه، لأنه نظام قائم على الإعنات والإرهاق، ولذلك يجد الحكّام في البلاد الضعيفة دوليّاً أنفسهم مضطرين إلى الارتماء في الأحضان الأجنبية ليجدوا سنداً لهم وعوناً يعينهم على الاستمرار في الحكم رغم إرادة الشعب. وهذا ما كان يحدث عندنا بالذات.

فهو إذن نظام خطر على سمعة الوطن وكيانه، من حيث أنّه منظمّة دوليّة تريد الاحتفاظ بمقوّمات حياتها.

والثانية - أنّه نظام لا يهدف إلى مصلحة الشعب وإنّما يخدم مصلحة فئة من البزاة، يحومون في الجو بصورة مستمرّة، حتّى إذا لاحت لهم القنيصة، انقضّوا عليها دون رحمة ولا شفقة. وفي هؤلاء البزاة نجد ساسة وموظفين وتجّاراً ومزارعين. ومن الإنصاف أن نشير إلى فئة من المنتفعين من العهد المنهار عن حسن نيّة، بعضهم رغبة في إصلاح موهوم، وبعضهم اندفاعاً وراء فكرة تخفيف الشر، ولكن هؤلاء ظلّوا يتقلّصون بعد أن أصيبوا بخيبة من اليأس حتى لم يبقَ منهم أحد مع الدكتاتور المنهزم في الأيام الأخيرة من عهده الأسود الذي لم تتقدم فيه البلاد خطوة واحدة إلى الأمام بل تراجعت إلى الوراء خطوات واسعة، في عالم يسير كل شيء فيه إلى الأمام بخطى المارد الجبّار

ولكن إذا كانت الدكتاتورية انتهاكاً للكرامة الإنسانية، وطعنة في صميم الحريّة، وتعريضاً لمصالح الوطن إلى الخطر، وتسخيراً لجهاز الدولة في خدمة الدكتاتورية وزبانيتها فإن الديمقراطية يجب أن تكون سليمة واضحة الأهداف، لكي تتحقق في ظلّها مثل الحرية العليا.

إن في الديمقراطية خيراً عميماً، وفيها احتراماً لكرامة الفرد، وتقديساً لإرادة الجماعة، وأن فيها إعراباً عن دستور الحكم السليم، توجيهاً لجهاز الدولة في خدمة الصالح العام، وتقوية للشخصية الإنسانية، التي تنضم ملايينها في باقة واحدة، تتكون منها شخصية الوطن كله.

ولكن هذه الأهداف لا تتحقق إلا إذا وجدت شروطها المقوّمة لها. وهذه الشروط هي الحرية من جهة والوعي الفردي والعام من جهة ثانية، والقانون الذي يرعى النظام من جهة ثالثة..

فالحرية، هي الحياة في أنبل وأسمى معانيها، وليس، في نظري أية قيمة لحياة لا تسبح كل سائحة وبارحة منها، في نهر الحريّة الجيّاش. ولا يكون للحرية معنى، إذا لم يمكّن لكل إنسان من الإعراب عن رأيه، كما يشاء، وإذا لم يمكّن الشعب في مجموعه، من أن يختار ممثليه بحُرّيّة، ويوجّه الحكم في الوجهة التي يراها تتفق ومصلحته وأهدافه.

لذلك كانت الديمقراطية حكم الأكثرية، في نطاق الدستور الذي يرعى القلية ويحميها والوعي الشعبي، هو إدراك المواطنين إدراكاً صحيحاً، أنهم عناصر فاعلة في الحياة العامّة، وكل واحد منهم مسؤول شخصياً عن حسن سير الحكم وتوجيهه، هو إدراكهم أن الشعب ليس قطيعاً يسوقه الراعي ولا سلفة يتصرّف بها الحكم، وفق ميولهم وأهوائهم ونزواتهم، لذلك كان على كل مواطن أن يعرف خطر تصرّفه وأهميته، فإذا لم يكن عارفاً لماذا يتصرّف هذا التصرّف، وإذا لم يكن قانعاً قناعة مطلقة أنّ في هذا التّصرّف خيراً لمصلحة الفرد الذي هو مسؤول عنه شخصيّاً، فإنّه يرتكب جُرماً خطيراً ضد الديمقراطية وضد نفسه كمواطن.

إن الوعي الشعبي، وهو الذي يملي مبدأ المعارضة النزيهة الشريفة في نطاق الحريّة المجدية، وإنه هو الذي يقف في وجه الفوضى والميوعة. فإذا كان الشعب يتخاذل حيث يجب الاندفاع، ويندفع حيث تجب الأناة والروية، بل حيث يجب الوقوف في وجه بعض التيارات التهديمية فإنّه هو المسؤول عمّا يحلّ به من نكبات وكوارث.

إنّ الديمقراطية حكم الشعب، كما أسلفت، ومعنى ذلك هو أنّه الحاكم، المسيّر لمقدراته ولكن حين أسمع مثلاً أن تلامذة روضة من رياض الأطفال، قد حملوا على الأحذاب احتجاجاً على أمر خارجي، لا يفقهون له معنى. فإني أعتبر أن مفهوم الديمقراطية لم يرسخ بعد في الأذهان، وإن الديمقراطية يعطون سلاحاً ماضياً للنّازيّة والغاشية تضربان به المفاهيم الحرّة في صميمها، وأعتبر أن شعور الدافعين لمثل هؤلاء على عمل كهذا، دليلاً على نقص في الثقافة السياسية، وعلى ضعف في الشعور بالمسؤولية العامّة.

وأمّا القانون فهو حارس الديمقراطية، وترسها، ودرعها، ولا يمكن للديمقراطية أن تسود بدونه. والقانون يظلّ قابعاً لا يتدخل، ليصون حقوق الناس وحرّياتهم، فإذا تجرّأ العابث المستخف، على الإساءة إلى الحياة الحرة، بتصرفاته المنافية لصالح الفرد والجماعة، فإن حد السيف المسلط على رأسه يقتص منه ليوقظ فيه روح الشعور بالمسؤولية وليجعله عبرة لمن تحدّثه نفسه بالاستخفاف بحقوق المجتمع عليه.

لذلك كان دور القضاء عظيماً وخطراً في الحياة الديمقراطية، وكان من واجب الساسة نحو وطنهم، أن يقوّموا حصانته، ويحسّنوا اختيار أشخاصه، من المتينين المكينين، الفهيمين المستقيمين، وكان من حق الوطن على القضاة، أن يكونوا حياديين نزيهين، لا ترقى إليهم الشكوك، ليكونوا بحقّ حماة الحق والديمقراطية.

ومتى كان القانون واقفاً ينتظر، ومتى تدخّل بصورة صارمة حين يختلّ التوازن الاجتماعي، فإنّ الديمقراطية في صحّة وخير.

مواطني الأعزاء،

إنّ الديمقراطية أن يحكم الفرد الوطن، ويحكم الوطن الفرد، فعلي كل منّا أن يتصرّف في الشؤون العامّة، كما يتصرّف في شؤونه الخاصة، يسعى إلى خيرهما معاً، لأنهما لا تتضاربان إطلاقاً، ويعمل جاهداً على نشر الوعي واحترام القانون ما أمكنه ذلك. لا ريب في أن نشر الوعي يقتضي الشروط المواتية له، من إكثار للمدارس، وتحديد للملكية الواسعة، وإرساء القواعد الاشتراكية التطوّريّة السليمة، وتعويد الجيل الجامعي والجيل الثانوي على الشعور بالمسؤولية وتحمّلها وإقناعهما على أن واجباتهما الأولى، هي اغتراف الحلم والتزوّد بزاد الثقافة، ألا حين يدهم الخطر الوطن ومهما قيل في إساءة استعمال الحريّة فإن هذا القول قد يكون صحيحاً في فترة معيّنة ولكن المواطنين منتهون حتماً إلى تقديسها، والاستماتة في سبيلها.

فليست الديمقراطية إذن مريضة كما يقول خصومها، ولا تصلح للشعب من الملائكة كما قال عنها مونتسكيو ولكنّها تصلح لكلّ شعب واعٍ، يحبّ الحياة الكريمة الحرّة وإن الشعب السوري وسائر الشعوب العربية أحوج ما تكون إلى قسط أوفر وأوفى من الحريّة ويقيني أن هذا التخبّط الذي يقيم عالم الشرق الأوسط ويقعده ليس إلا نضالاً شعبياً عميقاً للظفر بالحريّة والتخلّص من ربقة المتسلّطين في الداخل، والمستعمرين في الخارج، هؤلاء المستعمرين الذين وجدوا لهم سنداً وعوناً في الأنظمة الدكتاتورية الفاشية، التي طويت صفحتها من سوريا إلى غير رجعة إن شاء الله. [1]

"حديث حول التأميم"

---

الحواشي:

[1] قدمت سلسلة أحاديث إذاعية لتعريف الشعب السوري ببنود الدستور الذي تشرفت بالمشاركة في إعداده كمقرر للجنة إعداد الدستور في مجلس النواب وتم اعتماده كدستور دائم للجمهورية العربية السورية.