الفصل الأول، الجزء 1: سورية في العهد العثماني وجدل الخلافة وانقلاب 1908

اقرأ بالإنكليزية

وُلد رشدي الكيخيا في مدينة حلب عام 1899 أو 1900 وانتقل إلى جوار ربِّه في قبرص في 14 آذار 1988. وعلى هذا، فإنه يكون قد عاش نحوًا من 90 سنة ميلادية.

وكانت سورية في تاريخ مولده جزءًا من الإمبراطورية العثمانية التي أقامها الفاتحون الأتراك على أنقاض الدولة السجلوقية في الأناضول، في بداية القرن الرابع عشر. وخاضوا في سبيل إنشائها عدة حروب كبرى، بدأت بالاستيلاء على القسطنطينية في 29 أيار 1453 بقيادة محمد الثاني الفاتح، ثم بحرب ضروس مع الشاه الفارسي إسماعيل الصفوي عام 1514 وتوجّت بالنصر على المماليك في معركة مرج دابق قرب حلب عام 1516. وقد فتحت لهم هذه المعركة أبواب سورية وفلسطين. ومنهما تابعوا مطاردة المماليك إلى مصر، ودخلوا القاهرة عاصمة ملكهم عام 1517.

وقد وقع طومان باي سلطان المماليك أسيرًا في أيدي العثمانيين فشنقوه يوم 21 ربيع الأول سنة 923 هجرية (عام 1517م).

وكان مقرّ الخلافة العباسية إذ ذاك في القاهرة، بعد أن انتقل إليها من بغداد غداة احتلالها من قبل هولاكو وجيشه المغولي في 17 كانون الثاني 1258 وقتل الخليفة المستعصم بالله.

فقد فرَّ إلى مصر بعض العباسيين واختار السلطان بيبرس أحدهم فسمَّاه خليفة ليضفي على حكمه بعض الشرعية. «وقد ظلَّت هذه الخلافة الوهمية قائمة في مصر حتى انقضاء حكم المماليك عقب الفتح العثماني عام 1517»[1].

وكان الخليفة أثناء الغزو العثماني، المتوكل على الله. وهو خليفة ليس له من الخلافة إلا الاسم، إذ لم يكن له حول ولا طول.

ويتفق المؤرخون على أن المتوكل على الله العباسي تنازل عن الخلافة إلى السلطان العثماني.

يقول الدكتور علي حسون ما يلي:

«ثم تنازل له الخليفة العباسي المتوكل على الله، وسلَّمه الآثار النبوية الشريفة وهي اللواء والبردة. ثم حضر ابن شريف مكة أبو نمي إلى مصر، فقدَّم الطاعة للسلطان سليم وسلَّمه مفاتيح الحرمين الشريفين. وصار منذ ذلك الوقت خليفة للمسلمين»[2].

ويقول الدكتور زين نور الدين زين ما يلي:

«وهناك حقيقة ظاهرة، وهي أن السلاطين العثمانيين أصبحوا ورثاء للخلافة. وكان السلطان منهم يدعى خادم الحرمين الشريفين، وذلك بعد أن تسلَّم السلطان سليم مفاتيح المدينتين المقدستين من شريف مكة بركات، كرمز للطاعة والولاء. وكان السلطان يُلقَّب بالغازي والمجاهد في سبيل الله، وسيف الله، وحامي المؤمنين وملاذهم وظل الله.

وسُمِّيت العاصمة إسلامبول بدلًا من إستانبول»[3].

ويذكر بروكلمان[4] أن سليمًا «أعلن نفسه خليفة على المسلمين في خطبة الجمعة في شهر آب 1517، بوصفه خليفة استلم مفاتيح الكعبة...».

ويقول المؤرخ الإنكليزي SHAU: «إن السلطان سليمًا اصطحب معه إلى إستانبول الخليفة العباسي، وهناك تنازل له عن الخلافة»[5].

وقد كتب أحد معاصري السلطان سليمان، الذي ولي الملك بعد أبيه سليم عام 1520، كتابًا سمَّاه «الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية» قال فيه: «وقد تمَّ جمع هذا الكتاب وتأليفه في ظلِّ دولة مَن خصَّه الله بالألطاف السبحانية من سلاطين الدولة القاهرة العثمانية، خلاصة أرباب الخلافة في العالمين، شرف الإسلام وملاذ المسلمين..»[6].

ونظر المستشرقون إلى الدولة العثمانية في دراساتهم على أنها وريثة الخلافة الإسلامية وحامية ذمارها وسلامة أراضيها. وقد كتب الأستاذ المستشرق برنار لويس يقول:

«كانت الدولة العثمانية منذ تأسيسها حتى سقوطها دولة تكرِّس قواها في سبيل تقدُّم شوكة الإسلام وحمايته ضد كل اعتداء خارجي. وظلَّ العثمانيون طوال ستة قرون تقريبًا في حرب مستمرة ضد الغرب المسيحي.

وكان المؤرخون العثمانيون، حين يتحدَّثون عن ولايات الإمبراطورية العثمانية يشيرون إليها بقولهم: دار الإسلام، ويقولون عن جيوشها: جيوش الإسلام»[7].

وهذه الجيوش، هي التي احتلَّت أكثر أقطار أوروبا المسيحية، ودقَّت أبواب فيينا عاصمة أقوى دولها، وكادت تجتاح جميع أصقاعها، لولا أنها فشلت في دكِّ حصون هذه المدينة.

وإذن فتنازل الخليفة العباسي للسلطان العثماني أمر يكاد يكون مقطوعًا فيه. غير أن كاتبًا معاصرًا، هو الأستاذ ساطع الحصري أبو خلدون[8] طلع برأي مغاير نفى فيه تنازل الخليفة العباسي للسلطان العثماني عن الخلافة. وقد أقام هذا الرأي الشاذ على ما يلي:

أ. أن المؤرخ ابن إياس، الذي كان معاصرًا لاستيلاء العثمانيين على مصر «لم يذكر في كتابه (بدائع الزهور) شيئًا عن الخلافة».

ب. لا يوجد تاريخ تركي كتب في عهد السلطان سليم. إلا أن فريدون بك كتب آنذاك نوعًا من اليوميات «لا يوجد فيها كلمة عن قضية الخلافة».

ج. كذلك فإن كتاب «تاج التواريخ» وهو أقرب التواريخ العثمانية إلى عهد السلطان سليم «لا يذكر شيئًا عن الخلافة»[9].

ومَن يدقِّق في أقوال الأستاذ الحصري، يجد أنه يعتمد على «سكوت» الذين استشهد بهم. وليس فيهم مَن يقول بصورة صريحة إن الخليفة العباسي لم يتنازل. ولا يمكن للسكوت أن يكون حجة إلا في معرض الحاجة إليه.

والحاجة هنا قيام دليل قاطع ينفي ما قاله جمهور السلف.

والأستاذ الحصري نفسه يعرف هذه الحقيقة. فقد قال هو نفسه: «إن جميع كتب التاريخ المتداولة بين الأيدي في الشرق والغرب تقول إن آخر الخلفاء العباسيين في مصر تنازل للسلطان العثماني».

وقد ذهب مذهب الأستاذ الحصري، الدكتور أحمد طربين، في كتابه «مصر والسودان»[10].

وكتب إليّ الدكتور محمد خير فارس[11] رسالة يعتبر فيها تنازل الخليفة العباسي للسلطان العثماني «غير صحيح»، ويقول: «إن أول إشارة للخلافة وردت في معاهدة كوتشوك كينارجه في القرن التاسع عشر، حين استولى الروس على شبه جزيرة القرم ونصَّت المعاهدة على بقاء تابعية مسلمي القرم الروحية للخليفة العثماني. ونصَّ دستور عام 1876 لأول مرة على لقب الخليفة، واستعمل السلطان عبد الحميد هذا اللقب على نطاق واسع في سياسته الخاصة بإقامة الجامعة الإسلامية».

ولست أجد أية جدوى من مناقشة هذا المذهب الغريب، لأنه لا يستند إلى سند ثابت، ثم إن سلاطين بني عثمان ارْتَدَوْا بردة النبي الأعظم وحملوا لواءه الشريف من دون أن يعترض عليهم «وريث عباسي» ما طيلة ستة قرون.

وحتى لو افترضنا جدلًا أن هذا التنازل لم يحدث، فإن فقهاء الإسلام قبلوا «بإمارة الاستيلاء» ذهابًا منهم إلى أنه لا بدّ من أن يكون على رأس المسلمين خليفة يحمي ذمارهم، ويحفظ عليهم دينهم، ويسوسهم في شؤون دنياهم، من أجل سلامة دولة الإسلام واستمرارية نظامها السياسي، والديني[12]. ولو غامرت بالقول لقلت إن إمارة الاستيلاء هي الجد الأعلى للانقلابات العسكرية المعاصرة.

وحين مدح الشاعر أحمد شوقي السلطان عبد الحميد الثاني لإعلانه الدستور (المشروطية) عام 1908 دعاه بلقبه الخليفة:

بشرى البرية قاصيها ودانيها
حاط الخلافة بالدستور حاميها

وحين انتصر على اليونان، خاطبه بأنه أمير المؤمنين:

بحمد الله رب العالمينا
وحمدك يا أمير المؤمنينا

وعلى كل حال فهذه قضية جانبية، عرضت لها استطرادًا، وهي ليست من اهتمامات هذا الكتاب.

غير أن ما أريد أن أنهي به هذا الفصل هو التأكيد على أن الذي مكن للعثمانيين في قلوب العرب، وخاصة السوريين منهم، هو أنهم دكوا معاقل الخطر الرومي باحتلال عاصمته إستانبول، وانتصروا على الصفويين الشيعة، وقضوا على حكم المماليك أيضًا، ورفعوا على وجه أخص لواء المذهب السنِّي في البلاد.. كذلك تقبَّلوهم قبولًا حسنًا باعتبارهم خلفاء رسول الله صاحب الشريعة السمحة.. ونظروا إليهم على أنهم هم الذين أنقذوا الخلافة الإسلامية من الضياع.

وقد أثلج قلوب السوريين أن السلطنة العثمانية، جعلت كتاب الفقيه الحلبي محمد إبراهيم (ملتقي الأبحر) المرجع الذي يجب اعتماد القضاة في أحكامهم عليه في جميع محاكم الدولة[13].

وتجدر الإشارة إلى أن الخلافة، في أصلها التاريخي، مؤسسة أوجدها الصحابة تحت وطأة الضرورة، لأن النبي ﷺ لم يوص بخلافته إلى أحد، فاختار «أهل الحل والعقد» ممَّن حضر من المسلمين في سقيفة بني ساعدة أبا بكر لإمارة المسلمين، وحمل الخلفاء الراشديون الأربعة لقب «خليفة».. وبعد ذلك استنَّ الأمويون طريقة «العهد» أي تسمية شخص لولاية العهد حتى إذا مات الخليفة، أصبح ولي العهد خليفته.. وسلك العباسيون هذا المسلك.

وقد ألغى أتاتورك منصب الخلافة عام 1924. ومن هذا المنطلق، ذهب بعض المعاصرين، مثل عبد الرحمن الكواكبي[14] ومصطفى عبد الرازق[15] وعبد الحميد بن باديس[16] إلى جواز الفصل بين منصبي الملك والخلافة، بوصفها «مرجعية دينية» خلافًا للرأي الذي يطالب بأن يكون «الإسلام دينًا ودولة».

وكان الكواكبي رحمه الله يرى إعادة الخلافة إلى العرب، وجعل مركزها في مكة بوصفها مؤسسة دينية، من دون حاجة لأن تقترن بالملك الذي هو سلطة الحكم.

وبسبب قرب أمارة العثمانيين من العدو البيزنطي وتعرُّضها لخطره، أصبحت المتنفس الوحيد للحماسة الدينية في الإسلام، فجاءها كل راغب في الجهاد المقدس[17].

ومن خلال تمكُّن العرب من لغتهم التي نزل بها القرآن الكريم واحتوت أحاديث الرسول المصطفى، وألّفت بها المراجع الفقهية الأساسية، أصبح لهم حظوة كبرى في مجال الوظائف الدينية من قضاء وإفتاء وإمامة وتدريس، في جميع أنحاء السلطنة.

ويروى أن السلطان سليمان أراد، بعد فتح الشام ومصر، أن يجعل اللغة العربية اللغة الرسمية للسلطنة بدلًا من اللغة التركية، لكن المنيّة عاجلته، وماتت هذه الفكرة بموته. ويعلِّق الأستاذ محمد كرد علي على هذه الرواية بقوله:

«لو وفق السلطان سليم إلى إنفاذ هذه الأمنية لخلصت الدولة العثمانية في القرون التالية من مشاكل عظيمة ودخلت في جملة العرب عناصر كثيرة مهمة، ولزاد انتشار اللغة العربية فأصبحت إسطنبول موطنًا لها، كما كانت بغداد ودمشق والقاهرة وقرطاجة وغرناطة»[18].

وكان نظام الحكم في السلطنة يقوم على أساس إرادة السلطان المطلقة، إذ لم تكن هناك نصوص دستورية أو قانونية تحدُّ من سلطته في الحكم، إلا ما كان يجابه به من نصوص دينية في كتاب الله أو سنة نبيِّه.

وكان السلطان هو الذي يعيِّن الوزراء والولاة ويعزلهم ويوجِّه سياسة الدولة وينفِّذها مستعينًا في ذلك بأشخاص مقرّبين إليه يثق في رجاحة عقولهم.

وكانت سورية مقسمة إداريًّا إلى ثلاث ولايات ومتصرفيتين:

أ. ولاية سورية

ومركزها دمشق - وكانت تشمل حماة وحمص وحوران والبلقاء (الكرك) والأقضية الأربعة التي ألحقت فيما بعد بلبنان وهي البقاع وبعلبك وراشيا وحاصبيا.

ب. ولاية حلب

وكانت تشمل محافظة حلب وإدلب وأنطاكية وإسكندورن ومرعش وعينتاب وكلس.

ج. ولاية بيروت

وكانت تتبعها محافظة اللاذقية ومناطق لبنان الحالية (ما عدا الأقضية الأربعة).

د. متصرفية دير الزور

وكانت تضمُّ محافظات الجزيرة والفرات والرقة.

هـ. متصرفية القدس المستقلة..

وتمتاز الولايات الثلاث ومتصرفية القدس بارتباطها مباشرة بالعاصمة إسطنبول. وكانت تلك ميزة تضفي عليها أهمية إدارية عظمى. «غير أنه كانت في سورية مقاطعات ذات امتياز إداري حصلت عليه بحكم الواقع، وذلك حين قدم إليها بعد الفتح الإسلامي أمراء عرب يمانيون وقيسيون وتنوخيون ومعنيون وشهابيون وأرسلانيون..»[19].

وقد أصبح للسلطنة، بحكم الجوار والضرورة، علاقات ديبلوماسية وتجارية مع العالم الأوروبي خاصة، ورأى موفدوها وتجارها ما حصل عليه ذلك العالم من تقدُّم فكري وصناعي. وكان لا بدّ لهذا الاحتكاك السلمي المباشر من أن يؤثِّر في نفوس قادة الدولة العثمانية، وتطلَّعت أبصارهم إلى تحديث دولتهم التي أخذت أوصالها بالتجمُّد بفعل قانون عدم التحرُّك.

وقد نضجت فكرة التطوير في رأس السلطان عبد المجيد بن محمود الثاني، فأخذ برأي وزير خارجيته المتنور فؤاد باشا وأصدر دستورًا عام 1839 ضمنه ما كان يجول في خاطره من إصلاحات أساسية من بينها المساواة المطلقة بين رعايا السلطنة من دون تفريق بين دين ودين، أو عرق وعرق، ومنع تنفيذ أحكام الإعدام إلا بعد عرضها عليه، والحصول على موافقته.

وتابع هذا السلطان إصلاحاته، فأصدر عام 1858 قانون الجزاء الذي أخذه عن قانون الجزاء الفرنسي لعام 1810، بعد تعديله تعديلًا يتناسب وطبيعة الحكم المطلق في السلطنة، كما أصدر ابنه السلطان عبد العزيز قانون التجارة البحرية عام 1863 ومجلة الأحكام العدلية (القانون المدني الإسلامي) عام 1868 والنظام الإداري للولايات.

وتابع السلطان عبد الحميد الثاني حركة الإصلاح التشريعية فأصدر عام 1879 قانون أصول المحاكمات الجزائية، ممهدًا به طريق الإصلاحات الدستورية والقضائية اللاحقة.

وقد احتفظت الولايات العربية، سورية وحلب وبيروت والقدس بحق التقاضي والمرافعة باللغة العربية، على الرغم من أن اللغة الرسمية للبلاد هي اللغة التركية وظلَّت الأحكام القضائية تصدر فيها باللغة العربية «فلا يترجم منها إلى التركية إلا ما يجب رفعه إلى محكمة التمييز في العاصمة إسطنبول»[20].

وتجدر الإشارة إلى أن السلطان عبد الحميد الثاني هذا تولَّى الملك بعد حادثتين أليمتين:

الأولى: خلع والده السلطان عبد العزيز عام 1876 وانتحاره أو قتله من قبل خالعيه.

والثانية: خلع أخيه مراد أيضًا بعد ثلاثة أشهر فقط من اعتلائه العرش.

لذلك خشي كثيرًا على نفسه، وراح يضرب بمنتهى القسوة كل مَن يستشم منه خطرًا على حياته أو على ملكه.

ومع ذلك، فإنه استهلَّ عهده بالاستجابة إلى طلبات رئيس وزرائه مدحت باشا، وأعلن عن حياة دستورية تماثل ما هو مطبق في البلاد الأوروبية، فأجرى انتخابات عامة انبثق عنها مجلسان تمثيليان:

مجلس أعيان ومجلس نواب (مجلس مبعوثان).

غير أنه ما لبث أن ضاق ذرعًا بالانتقادات التي وُجِّهت إلى حكمه بعد هجوم روسيا على جبهتيّ الروملي والأناضول، فقرَّر حلَّ مجلس المبعوثان في 13 شباط 1878 حلًّا مؤقتًا وعاد إلى أسلوب الحكم الفردي المطلق، لكنه أبقى على مجلس الأعيان لأنه هو الذي انتقاه فظلَّ وفيًّا محقِّقًا لسيده لأمله فيه.

وفي ظلِّ هذه الردة، كانت تعيش سورية حين وُلد رشدي الكيخيا.

فليس بدعًا أن تكون نظرة الدول الأوروبية إلى السلطنة العثمانية التي بدأت بالتقهقر في جميع الميادين، نظرتها إلى «رجل مريض» - كما كانت تسمِّيها - وتترقَّب موتها الذي كانت تراه وشيكًا.

وربما كان سبب طول حشرجة السلطنة، اختلاف الدول الغربية فيما بينها على اقتسام التركة وطريقة الموت. وتلك آفة الحكم الفردي: يحتاج إلى دعم شعبه لكنه يخاف يقظته على نظامه.. لذلك فهو يعمل على تخديره بالتزييف واختلاق انتصارات وهمية لإلهائه.. وكان الشعب من جهته يترقَّب أحداثًا مثيرة تغيِّر واقعه الصعب. ولم يكن أمامه من سبيل للخلاص إلا قيام الجيش بانقلاب يطيح بالسلطان وبحكمه. وهذا ما حدث عام 1908. وكان على رأس «نظارة الضبطية» (وزارة الأمن) التي كانت تتبعها إدارة الأمن العام والشرطة، شفيق باشا الكوراني من أهالي حلب. وبسبب سمعته الطيِّبة ونزاهته ونظافته، لم يتعرَّض له الانقلابيون بسوء[21]. وقد استجاب السلطان عبد الحميد بادئ الأمر لرغبة العصاة الذين زحفوا على العاصمة من مقرِّهم في مدينة سالونيك، فأعلن الدستور الذي يتضمَّن مبادئ تقدمية بأمر صادر عنه (الخط الهمايوني) في 18 تموز 1908.

ومن أبرز مبادئ هذا الدستور:

1. كل فرد من العثمانيين، مهما يكن مذهبه وجنسه، يتمتَّع بحريته الشخصية، ويتساوى مع غيره في الحقوق والواجبات.

2. لا يجوز التحقيق مع أي شخص وتوقيفه وسجنه ومعاقبته بصورة من الصور إلا وفق أحكام القانون.

3. لا يجوز إنشاء محاكم ومجالس قضائية استثنائية بوجه من الوجوه وتحت أي اسم من الأسماء.

4. منازل الناس مصونة من التعرُّض لها، ولا يجوز الدخول إليها إلا بالطرق التي يعيِّنها القانون.

5. لا يتوقَّف طبع المطبوعات على موافقة الحكومة.

وأعقب إعلان الدستور تنازل السلطان عن أملاكه الخاصة للدولة. غير أن قواته ما لبثت أن عادت فطوَّقت مجلس النواب في 31 آذار 1909 وتحرَّكت القلاقل في طول البلاد وعرضها. لكن قوات جمعية الاتحاد والترقي التي قادها المشير محمود شوكت، تقدَّمت من مقدونيا وطوَّقت بدورها قصر السلطان وأجبرته على التنازل عن العرش.

وقد اختلف المؤرخون كثيرًا في نظرتهم إلى السلطنة العثمانية وإلى عهد السلطان عبد الحميد الثاني على وجه أخص.

فاعتبر بعضهم هذه الدولة مسؤولة عن تخلُّف المسلمين بعدم تقبُّلها التقدُّم العلمي العالمي وظلَّت غارقة في الجهل والضعف والنظرة الدائمة إلى التراث الماضي وحده. واعتبرها بعضهم دولة الإسلام التي حافظت عليه من عدوان أعدائه الكثيرين، وينسب أسباب التأخر إلى عوامل استعمارية خارجية، وإلى جمود الفكر في الداخل من جرّاء عدم تقبُّل الناس لأي إصلاح.

وعلى سبيل المثال، فقد كتب الصحافي المعروف الأستاذ نصوح بابيل ما يلي:

«إن زوال الإمبراطورية العثمانية كان نتيجة مؤامرة عميقة الجذور، واسعة النطاق، دقيقة الإحكام، حاكتها أم الخبائث الصهيونية العالمية. وكان عدد من النواب العرب في مجلس المبعوثان انتبهوا إلى المخطط الصهيوني فراحوا يخطبون في المجلس، ويكتبون في الصحف يحذِّرون من خطره، وينتقدون موقف الحاكمين (الجدد) منه. إن هؤلاء كانوا يصمُّون آذانهم عن سماع ناقوس الخطر، ويندفعون في اضطهاد كل مَن ينبِّه ويحذِّر ويدعو إلى مجابهة هذا المخطط الرهيب. ومن هنا، فإن ما فعله جمال باشا لا يمكن أن يجرِّده من العمالة الصهيونية، لا سيما بعد أن ثبت أنه وزملاءه أنور باشا وطلعت باشا وجاويد وغيرهم من «الدونمه» أي من بقايا اليهود الذين لجأوا إلى إزمير في أعقاب مذابح الأندلس بعد أفول الحكم العربي عنها، فقد كانوا من مؤسسي جمعية الاتحاد والترقي التي غذَّاها الصهاينة بأموالهم للفتك بالخلافة الإسلامية وإضعاف القدرة العثمانية وتمزيق الدولة»[22]. وينسب إلى قادة هذه الجمعية اتصالهم بالأوساط الماسونية. ويسترعي الانتباه ما كتبه الدكتور زين نور الدين نقلًا عن المؤرخ البريطاني SETOM-WTSON[23] وهو أن:

أنور باشا هو ابن رجل بولندي ارتدَّ عن الإسلام، وطلعت باشا، هو بلغاري من أصل مجري اعتنق الإسلام، وأحمد رضا رجل نصفه شركسي والنصف الآخر مجري».

ولا يجهل أحد أن الصهيونيين عقدوا مؤتمرًا لهم في مدينة بال السويسرية عام 1897 أقرُّوا فيه أول برنامج لإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين عن طريق هجرة اليهود إليها واستيلائهم على أراضيها. وقد اتخذ هذا المؤتمر أربعة قرارات اعتبرت أساسًا لإنشاء الوطن القومي اليهودي، هذا موجزها:

1. السعي إلى إنشاء مستعمرات زراعية في فلسطين COLONIES AGRICOLES وتشجيع الهجرة إليها.

2. التوسُّع في تنظيم اليهود في مختلف أماكن وجودهم في العالم عن طريق إنشاء منظمات يهودية محلية.

3. تنمية الروح القومية لدى اليهود وعرقلة اندماجهم مع القوميات التي يعيشون معها حتى لا يذوبوا فيها ويبقوا يهودًا صهيونيين مستعدّين للهجرة.

4. السعي إلى الحصول على موافقة الدول الكبرى لمؤازرة الحركة الصهيونية في سبيل سعيها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

ومن أسف أن الصهيونية العالمية حقَّقت كل ما خططت له، فأقامت دولة إسرائيل بمساعدة الدول الكبرى عام 1948. ولا تزال أعداد متزايدة من اليهود تتدفَّق على فلسطين. وآخر موجاتها وأخطرها هجرات اليهود الكثيفة من دول المعسكر الاشتراكي الذي تفكَّكت وحدته وبخاصة من الاتحاد السوفياتي الذي سنَّ قانونًا عام 1991، يزيل كل العراقيل من طريق مَن يرغب في الهجرة منه. وهذه نعمة سقطت على اليهود بمسعى وتشجيع من الولايات المتحدة الأميركية!

ويذهب الأستاذ بابيل إلى أن سبب الانقلاب العسكري على السلطان عبد الحميد هو رفضه قبول العرض الذي عرضه عليه زعيم اليهود في سالونيك وعميد الدونمه فيها (عمانويل قره صول) أو قره صو)، وهو يهودي من أصل أسباني، جاء إلى سالونيك واستقرَّ فيها. والدونمه (أي المرتدون) - يهود سالونيك - كانوا الممولين الأساسيين لحركة الاتحاد والترقي. وقد تظاهروا باعتناق الديانة الإسلامية، لكنهم ظلّوا يهودًا توراتيين[24].

ويتضمَّن هذا العرض دفع مبلغ خمسة ملايين ليرة ذهبية هدية إلى خزينة السلطان الخاصة، وإقراض الخزينة العامة مبلغ عشرين مليون ليرة ذهبية من دون فائدة إلى أجل غير محدّد، مقابل حصول اليهود على مثلث يافا - غزة - البحر الأحمر.

وقد طرد السلطان هذا اليهودي وأهانه، فأعدَّت الصهيونية العدة لقلب نظامه وأنشأت خلايا في الجيش بدءًا من عام 1896. قوامها اليهود الدونمه، واستمالت إليها بعض الضباط الأتراك فجنَّدتهم في صفوفها تحت شعار الدعوة إلى إصلاح الدولة.

وكان هذا الزعيم اليهودي، أحد أعضاء الوفد الذي انتخبه الاتحاديون للدخول على السلطان، إثر الانقلاب عليه وتسليمه فتوى خلعه عن العرش ليوقِّعها، فوقَّعها وهو في أحطِّ درجات المهانة.

أما بقية أعضاء الوفد فهم الفريق عارف حكمت، والأرمني آرام أفندي والأرناؤوطي أسعد طوباي[25].

ووضع جماعة الاتحاد والترقي يدهم على السلطة، وجاؤوا بالسلطان رشاد الضعيف الشخصية ووضعوه سلطانًا تحت إمرتهم وراحوا يحكمون البلاد على هواهم. وكان على رأس برنامجهم تتريك الشعوب الخاضعة لدولتهم، وفي مقدّمتها الشعوب العربية. وقد أخاف هذا البرنامج المثقفين العرب على لغتهم وهويتهم القومية.. فراحوا يجمعون شملهم للدفاع عن كيان أمتهم.

ولست أذهب مذهب الأستاذ بابيل في تعليله الانقلاب على السلطان العثماني بالنفوذ الصهيوني وحده، لكني لا أستبعده كعامل من جملة العوامل الأخرى، التي منها رغبة الصادقين في إحداث تغيير في الحكم وتطوير النظام السياسي.

وقد سمعت في حداثتي، وحتى في شبابي، الكثير من تعلق الناس من أهل بلدي حلب بالسلطان العثماني. بل إن بعضهم كانوا يعتبرونه من أولياء الله الصالحين ولا يقبلون أي نقد يوجَّه إليه.

ومردُّ هذه العاطفة من دون ريب النظرة إلى عبد الحميد بأنه خليفة المسلمين وحامي ذمارهم، ورأس الدولة الإسلامية.

وبسبب هذا التخلف الثقافي المنتشر في أرجاء السلطنة، لم يكن الناس يعرفون مدى تخلفها عن ركب الحضارة العالمي الذي أخذ يشقُّ طريقه إلى الأعلى، بعزيمة وجد وفكر متحرِّر.

الحواشي:

[1] بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية ترجمة نبيه فارس ومنير البعلبكي الطبعة الحادية عشرة، بيروت 198، ص390.

[2] في كتابه: الدولة العثمانية وعلاقاتها الخارجية، دمشق 1980، ص49 وما يليها.

[3] في كتابه، نشوء القومية العربية، دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، بيروت 1986، ص25.

[4] المرجع السابق، ص448.

[5] في كتابه: HISTORY OF THE OTTOMAN EMPIRE، طبع عام 1978، ج1، ص58.

[6] طاشكبري زاده، دار الكتاب العربي، بيروت 1975، ص6.

[7] نقلًا عن الدكتور زين نور الدين، المرجع السابق، ص28.

[8] وُلد في صنعاء عام 1880 من أسرة حلبية، وكان والده يعمل قاضيًا في اليمن. درس في المدرسة الملكية الشاهانية في إستانبول، وتخرَّج منها عام 1900 بدرجة امتياز، وقام بتدريس العلوم الطبيعية في المدارس الثانوية، ثم عُيِّن قائم مقام بفلورينا التابعة لولاية موناستير (البلقان)، وهناك اتصل بقيادة حركة الإصلاح والترقي التي عمل كل ما في وسعه لتأييدها.
وبعد انفصال البلاد العربية عن الدولة العثمانية، دخل وزيرًا في أول وزارة شكلها فيصل بن الحسين عام 1920 برئاسة رضا باشا الركابي ثم في وزارة هاشم الأتاسي في العام نفسه. والأستاذ الحصري من أوائل المنادين بالقومية العربية في هذا الجيل. وله في دراسة أسسها وفلسفتها عدة مؤلفات، من أبرزها دفاع عن العروبة (بيروت 1957) وأبحاث القومية العربية (1974). وهو متأثر في نظريته بالنظرية القومية الألمانية، التي تعتمد بصورة خاصة على اللغة والأرض.
وقد درست حياته وأعماله المستشرقة الروسية تيخونوفا في كتابها: «ساطع الحصري رائد المنحى العلماني في الفكر القومي العربي».
وصدرت ترجمته العربية في موسكو عام 1987 (دار التقدم)، وعمل الأستاذ الحصري مستشارًا في وزارة المعارف السورية بين عامي 1944-1947 ثم غادرها إثر مظاهرات ضده، وتوفي في بغداد في 24 كانون الأول 1968 وهو الذي عمل على إنشاء «الثانوية الموحدة» في سورية التي أنقص فيها سنوات الدراسة الثانوية سنة واحدة، فهبط مستوى التعليم عندنا كثيرًا، لذلك عمدت إلى تصحيح هذا الخطأ عام 1951 حين أصبحت وزيرًا للمعارف.

[9] ساطع الحصري، البلاد العربية والدولة العثمانية، محاضرات ألقيت على طلاب معهد الدراسات العربية، القاهرة 1957، ص33 وما يليها.

[10] ص43.

[11] رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة دمشق.

[12] انظر في ذلك، الفقيه الشافعي الماوردي المتوفي عام 450 هجرية في كتابه: الأحكام السلطانية، ص8. وكذلك الفقيه الحنبلي، الفراء، في كتابه الذي سمَّاه أيضًا الأحكام السلطانية، وهو معاصر للماوردي، توفي عام 458 هجرية.

[13] جاء عنه في دائرة المعارف للمعلم بطرس البستاني، ج1، ص244 ما يلي:
وُلد في حلب في أواخر القرن الخامس عشر للميلاد، وذهب إلى الآستانة العلية وتوفي بها عام 956هـ (1549م) وله من العمر تسعون عامًا.
وهو أشهر الفقهاء العثمانيين. له كتاب مشهور اسمه ملتقي الأبحر، وقد تُرجم بعضه إلى الفرنسية، طُبع في بيروت لدى دار إحياء التراث العربي.

[14] في كتابه: طبائع الاستبداد.

[15] في كتابه: الإسلام وأصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام، بيروت.

[16] مختارات محمد عمارة، في الإسلام والعروبة والعلمانية، بيروت 1981، ص128.

[17] الدكتور عبد الكريم غرايبة، العرب والأتراك، دراسة لتطوُّر العلاقات بين الأمتين خلال ألف سنة، جامعة دمشق 1961، ص272.

[18] خطط الشام، ج1، بيروت، ص221.

[19] يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني، ج1، دار النهار، (الطبعة الثانية)، بيروت 1980، ص17 و52.

[20] يوسف الحكيم، المرجع السابق، ج1، ص33.
ومحكمة التمييز هي محكمة النقض الآن. وقد كانت تسمَّى عندنا محكمة التمييز أيضًا إلى أن تمَّت الوحدة بين سورية ومصر، فأخذنا عن المصريين التسمية الجديدة (النقض).

[21] يوسف الحكيم، المرجع السابق، ج1، ص8.

[22] صحافة وسياسة، سورية في القرن العشرين، طبع دار رياض الريس للنشر، لندن 1987، ص14.

[23] في كتابه: نشوء القومية العربية المشار إليه، ص86.

[24] الدكتور زين نور الدين زين، المرجع السابق، ص88.

[25] الدكتور علي حسون، الدولة العثمانية وعلاقاتها الخارجية المكتب الإسلامي، دمشق 1980، ص210.