الفصل الثالث، الجزء 2: المؤتمر العربي في باريس 1913 والتتريك والإصلاح
الفرع الثاني
المؤتمر العربي في باريس عام 1913
كانت ردود أفعال المفكرين العرب ضد سياسة التتريك التي انتهجها قادة جمعية الاتحاد والترقي قوية جدًّا، لأنهم ما كانوا يقبلون أن تذوب قوميتهم الخالدة في بوتقة السياسة المشؤومة الجديدة، التي أعلن عنها الانقلابيون الطورانيون، وهي التتريك.
وأصاب القلق خاصة النواب العرب في مجلس المبعوثان العثماني فقرَّروا أن يعقدوا اجتماعًا سريًّا لهم في العاصمة إستانبول لتدارس الموقف من السياسة الجديدة. وبعد تقليب أوجه الرأي، انتهوا إلى أن الحكام الطورانيين عازمون على امتصاص القوميات العثمانية وإذابتها في القومية التركية، وإفراغها من مقوماتها الأساسية، وأنه لا بدّ من الوقوف بحزم ضد هذا الاتجاه المسموم. وقد قرَّ رأيهم على الإسراع في إنقاذ مؤسسة الخلافة بوصفها إرثًا عربيًّا مقدسًا، في انتظار تطوُّر الأحداث التي أخذوا يراقبونها في اهتمام.
وكان أهم قرار اتخذوه، هو إرسالهم برقية إلى «السند المعظم والشريف الأعظم حسين باشا أمير مكة» عرضوا بها عليه أن يعترفوا به رئيسًا دينيًّا على جميع الأقطار العربية من دون سواه، أي باستبعاد أي دمية يجلسها الاتحاديون على كرسي الخلافة «لأنك الآن خلاصة بيت الرسول ﷺ، وإجماعنا هذا هو بالنيابة عن أهل بلادنا نجهر به عند الحاجة»[1].
لكن الحسين بن علي رفض أن يطرح نفسه خليفة للمسلمين، كما طلب منه النواب العرب، لأنه كان يريد الحفاظ على وحدة المسلمين، ووجود إمام واحد لهم، هو الخليفة العثماني.
غير أنه بعد أن ألغى الأتراك منصب الخلافة يوم الاثنين 26 رجب 1343 هجرية الموافق 3 آذار 1924م وأخرجوا الخليفة الأخير من بلادهم، وافق الحسين على قبول البيعة بالخلافة التي تمَّت في عمان بتاريخ 11 آذار 1924. لكن العهد لم يطل به، فقد غزا السعوديون دياره، فغادرها منفيًّا إلى قبرص، ومنها نقل إلى عمان (الأردن) في حالة احتضار ومات فيها يوم 31 حزيران 1931.
وكانت هذه السياسة الطورانية المتشدّدة دافعًا قويًّا للمفكرين العرب، الموجودين في العاصمة إستانبول، إلى التفكير بمستقبل أوطانهم العربية على نحو ما يحسُّ به نوابهم. وقد استقرَّ رأيهم على تأسيس عدد من الجمعيات العربية والأحزاب السياسية للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وأسسوا بالفعل عدة جمعيات في العاصمة، نذكر منها لمجرّد التذكير بها وليس لحصرها أو تقويمها: الجمعية القحطانية والعلم الأخضر وجمعية العهد. أما في الولايات، فقد تشكَّلت جمعية بيروت الإصلاحية وجمعية البصرة الإصلاحية وحزب اللامركزية العثماني والجمعية العربية الفتاة، التي تألَّفت في باريس عام 1909 من مجموعة من الطلاب فيها.
وقد احتار هؤلاء المفكرون العرب في أمرهم، وهم يواجهون مأساة قوميتهم[2]. وكانت الأحكام العرفية المفروضة على السلطنة تحول دون عقد اجتماعات لهم في داخل البلاد، ولم يكن ميسورًا عليهم أن يتبادلوا الآراء فيما يجب عمله تحت أعين الرقابة المشدّدة. لذلك تداعى الموجودون منهم خارج البلاد خاصة إلى عقد مؤتمر لهم في باريس بعيدًا عن أعين رقباء الدولة العثمانية وبطشها. وتمَّ عقد هذا الاجتماع بين 18 و23 حزيران عام 1913 في القاعة الكبرى للجمعية الجغرافية بشارع سان جيرمان، وقد أراد المؤتمرون أن يؤكِّدوا «أن ثمّة أمة عربية تتميَّز عن الشعوب الأخرى المتعايشة في ظلِّ الراية العثمانية والخلافة الإسلامية، وأن هذه الأمة تنفرد عن غيرها بتاريخها وحضارتها وبمركزها، وأنها ذات ثقل دولي وإقليمي خاص، وهي تشكِّل قوة واقعة لا يجوز العبث بمقدراتها، كما تؤلف قومية كسائر القوميات، بمميزاتها الخاصة، لا فرق فيها بين المسلم والمسيحي على اختلاف الملل والفرق بينهم، لأنهم جميعًا عرب قبل أن يكونوا مسلمين أو مسيحيين، ولأن الدين لله تمارس عبادته وطقوسه في الجوامع والكنائس. أما في خارج أماكن العبادة هذه، فالوطن واحد وروح الوطنية الواحدة هي التي تميِّز العربي عن غيره من بقية القوميات ومن بينها العنصر التركي»[3].
وقد برز في هذا المؤتمر اتجاهان متعارضان:
اتجاه يدعو إلى جامعة إسلامية في ظلِّ الخلافة العثمانية.
واتجاه يدعو إلى إقامة حكم لامركزي في الولايات العربية وتنفيذ الإصلاحات فيها وتمكين العرب من المشاركة الفعلية في الإدارة المركزية، أي الحصول على إصلاحات داخلية فقط. لكن لم يطالب أحد من المؤتمرين بالانفصال عن الدولة العثمانية.
وكان الاتجاه السائد لدى المفكرين العرب الآخرين لا يخرج عن آراء المؤتمرين. فكل الأحزاب العربية والجمعيات كانت تهدف إلى إقامة نوع من الحكم الذاتي، يحافظ على اللغة العربية والشخصية العربية من دون المساس بوحدة الخلافة العثمانية. وكان المثل القائم أمامهم الإمبراطورية النمساوية - الهنغارية. لكن حين اشتدَّ ضغط الاتحاديين على العرب، نبتت في بعض الأوساط فكرة التحوُّل نحو الانفصال عن الكيان الجديد[4]، وقد طالب رئيس المؤتمر عبد الحميد الزهراوي «بالحق في مناقشة الحكومة في المسائل السياسية والاجتماعية، خاصة بعد أن تركت المسائل السياسية فترة طويلة للترك ووصلت الحال إلى ما هي عليه.. وأن من واجب العرب مصارحة الدولة العثمانية بأن اللامركزية قاعدة حياتنا.. وأن العرب شركاء الترك في هذه المملكة في الحربية والإدارة والسياسة. وأما في داخلية بلادنا فنحن شركاء أنفسنا».
وقال الشيخ أحمد طبارة: «نحن قوم ولدتنا أمهاتنا عثمانيين ونشأنا عثمانيين ونريد أن نبقى عثمانيين. لكن واجب الحكومة أن تبادر إلى الإصلاح على قاعدة الاشتراك في الحكم وعلى الطريقة اللامركزية»[5].
وانتهى هذا المؤتمر إلى عدة قرارات من أهمها:
1. صيانة حقوق العرب السياسية، وخصوصًا تأمين حقوقهم في المشاركة الفعلية في إدارة الدولة، بما في ذلك الإدارة المركزية في العاصمة، كتبوؤ المناصب العليا.
وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة التي شكَّلها الانقلابيون الاتحاديون برئاسة محمود شوكت باشا في 23 كانون الثاني 1913 (أي قبل عدة أشهر من انعقاد المؤتمر العربي) كانت تضمُّ وزراء من جمعية الاتحاد والترقي، مثل أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا الذي سيعرف بعد ثلاث سنوات بجمال السفاح، وكانت تضمُّ ثلاثة من اليهود، ولم يكن فيها عربي واحد. واليهود الثلاثة هم: نسيم مزلياح (وزير التجارة والزراعة) وجاويد بك (وزير المالية) وبصاريا أفندي (وزير الأشغال العامة)[6].
2. اعتبار اللغة العربية لغة رسمية في مجلس النواب العثماني وفي مجالس الولايات العربية.
3. تنفيذ الإصلاحات التي اقترحتها الجمعيات العربية.
ولا بدّ من القول بأن محمود شوكت باشا عراقي الأصل. وهو أخو حكمت سليمان الذي تولَّى رئاسة الوزارة في عهد الملك غازي الأول ملك العراق، بعد الانقلاب الذي قام به الفريق بكر صدقي عام 1936. وهؤلاء الثلاثة من الأكراد[7].
غير أن بعض المؤرخين المدققين يشكِّكون في نوايا بعض هؤلاء المؤتمرين وفي سلامة اتجاهاتهم. والواقع أن الوثائق تثبت أن هذا البعض كان على اتصال ببعض الدول الأجنبية ذات المطامع الخفيّة، وخاصة بالقنصلية الفرنسية في بيروت.
ويستحق منا التأمُّل والتدبُّر ما كتبه القنصل الفرنسي في بيروت COULONDRE، إلى وزارة الخارجية الفرنسية في شهر تشرين الثاني عام 1912، فقد جاء في إحدى رسائله ما يلي:
«إن العرب يطالبون بحقهم في مزيد من المساهمة في حكم بلادهم، وقد سبَّب اتجاه الاتحاديين إلى المركزية سخطًا أسفر عن حركة انفصالية زادتها الأزمة الراهنة (يقصد تخلِّي الدولة العثمانية لإيطاليا عن طرابلس الغرب حدة)».
وطالما أن الأتراك يهملون رعيتهم ولم يعودوا أقوياء بما فيه الكفاية للذود عن راية النبي، فإن العرب يتساءلون لماذا يجب إبقاء الراية هذه في عهدتهم.
وهكذا فإن خلافة عربية قد بدأت تتبلور يومًا بعد يوم.
وسورية ثمرة ناضجة في متناول الذي يرغب في قطفها. وإذا لم ننتبه إليها فإنها سوف تنفصل عن الأصل العثماني في مستقبل قد يكون قريبًا، لتسقط على أرض الجيران، (يقصد الإنكليز الذين كانوا آنذاك يحتلون مصر)[8].
وكانت تأسَّست «حركة إصلاحية في بيروت» لمطالبة السلطنة بتحسين الأوضاع في المنطقة السورية، فيها المسلمون وهم قلة، وفيها المسيحيون وهم كثرة وتظهر الوثائق الدبلوماسية التي تبادلها القنصل الفرنسي المسيو GOUGET مع وزير الخارجية الفرنسي JONNARD، أن المسيحيين الذين وافقوا على التعاون مع المسلمين في صياغة مشروع الإصلاحات التي طلبت الحكومات الغربية من السلطان إدخالها في إمبراطوريته فوافق مكرهًا عليها، كانوا مدفوعين «بعامل تضمين الإصلاحات المذكورة مبدأ الرقابة الأوروبية على كافة الفروع الإدارية».
ويضيف القنصل المذكور في مذكرته:
«إن هؤلاء المسيحيين مرتبطون نهائيًّا بفرنسا»، وأن «أمنيتهم الكبرى هي بسط الحماية الفرنسية على سورية». أما المسلمون فقد كانوا متردِّدين في الاندفاع ضد السلطنة المسلمة لأنهم كانوا يعتبرونها دولتهم، والمؤكَّد أن هدفهم لم يكن الانفصال عنها وإنما الحصول على إصلاح الأوضاع الداخلية فقط.
وقد بقي عدد كبير من الأحرار المسيحيين على ولائهم للسلطنة، وظلّوا يؤيِّدون البقاء في كنفها وتحت رايتها، شريطة إصلاح الأوضاع العامة، يؤيِّد ذلك ما كتبه إسكندر عمون أحد أعضاء المؤتمر:
«توهَّم بعض أنصار النظام المركزي من إخواننا الأتراك أن الغرض من النهضة العربية الانفصال عن الدولة. وهو أمر بعيد عن الصحة فإن الأمة العربية لا تريد إلا تغيير شكل الحكم الفاسد الذي يكاد يودي بالدولة، وأن الحكم الذي يرجى الصلاح منه، هو الحكم القائم على قاعدة اللامركزية»[9].
وليس هذا المذهب بداع إلى الاستغراب. ذلك أن المسلمين والمسيحيين واليهود أنفسهم عاشوا في كنف الإسلام طيلة أربعة عشر قرنًا وأكثر، كأحسن ما يكون الإخاء والتواصل، بل إن عددًا كبيرًا من «أهل الذمة» احتلُّوا أعلى المناصب في دولة الإسلام. والدين الإسلامي شديد جدًّا على مَن «يؤذي ذميًّا» والفقهاء متفقون على أن الحرية الشخصية للذمي مصونة وحرمة منزله محترمة، ومن حقِّه أن يمارس شعائر عقيدته كما يشاء. وقد جاء في رسالة النبي ﷺ إلى مسيحيي نجران ما يلي: «ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمّة محمد النبي رسول الله ﷺ على أموالهم وملّتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير»[10].
وقد تشعَّبت آراء الفقهاء المسلمين فيما يخصُّ إنشاء الكنائس والمعابد وإظهار المسيحيين شعائرهم علنيًّا. لكن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه الزيدية وابن القاسم المالكي من أنه «يجوز لأهل الأمة إحداث الكنائس والمعابد الأخرى في أمصار المسلمين وفيما فتحوه عنوة، إذا أذن لهم الإمام بذلك»[11].
والذي يجري عليه العمل الآن في جميع بلاد المسلمين، هو المساواة الدستورية بين جميع المواطنين، من دون فرق بين أهل دين ودين أو عرق وعرق. وجميع دساتير البلاد الإسلامية الحديثة تضمن هذه الحقوق لأهل الذمة.
وقد استجابت الحكومة العثمانية جزئيًّا إلى مطالب الإصلاحيين العرب، فأصدرت قرارًا في شهر آب 1913 ينصُّ على أن تتمَّ خدمة المجند العسكرية أيام السلم في منطقته، ويكون التدريس في المدارس باللغة العربية وباللغة التركية معًا، وأن تتمتَّع البلاد العربية بنوع من الاستقلال الإداري.
وأصدرت بتاريخ 4 كانون الثاني 1914 إرادة سنية بتعيين عدد من العرب أعضاء في مجلس الأعيان العثماني وهم عبد الرحمن اليوسف (من دمشق) ومحمد بيهم ويوسف سرسق (من لبنان) ومحي الدين النقيب (العراق) وأحمد الكيخيا (حلب).
غير أن هذا التعيين لم يلقَ قبولًا من زملائهم أعضاء المؤتمر، كما أن هذه الإصلاحات في مجملها لم تحظَ بقبول غلاة الاتحادين فقرَّروا نسفها والتنكيل بأحرار العرب وإرغامهم على القبول بالسياسات الطورانية الجديدة.
وقد كتب صحفي تركي ذو نفوذ ما يلي:
«إن العرب يلهجون بلغتهم وهم يجهلون اللغة التركية جهلًا تامًّا كأنهم ليسوا تحت حكم الأتراك. إن من واجب الباب العالي في هذه الحال أن ينسيهم لغتهم ويجبرهم على تعلُّم لغة الأمة التي تحكمهم»[12].
الحواشي:
[1] عن الدكتور عبد الكريم غرايبة، الثورة العربية الكبرى، بحث منشور في كتاب بحوث ودراسات في التاريخ الإسلامي، دمشق 1992، وهي دراسات مهداة إلى الدكتور نور الدين حاطوم من طلابه الأساتذة، بمناسبة بلوغه السبعين عامًا.
[2] يذكر الشيخ رشيد رضا، الذي أيَّد انقلاب 1908 «حرصًا على وحدة المسلمين» كما يقول، كيف أخذ الكتّاب الأتراك يتطاولون على العرب، وينقل عن أحد هؤلاء الكتّاب قوله: «ليس للعرب ولا لغيرهم أن يطمعوا في مساواتهم في مناصب الدولة وأعمالها.. وعليهم أن يكونوا من الترك، كأهل الجزائر بالنسبة إلى فرنسا». ويأخذ الشيخ رشيد على الحكومة الجديدة إسرافها في عزل أبناء العرب من وظائفهم. المنار، المجلد 12، ص916.
[3] العماد مصطفى طلاس، الثورة العربية الكبرى، ص80.
[4] الدكتور عبد الكريم غرايبة، المرجع المشار إليه، ص246.
[5] عن وثائق المؤتمر العربي الأول 1913، نقلًا عن مقال الدكتور وليد قزيها، دراسات في القومية العربية والوحدة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1984، ص224.
[6] انظر الدكتورة خيرية قاسمية، النشاط الصهيوني في المشرق العربي وصداه 1908- 1918، مركز الأبحاث الفلسطينية، بيروت 1973، ص155. وقد استقته المؤلفة من الأستاذ محمد رشيد رضا، المنار، ج2، شباط 1913، ص145.
[7] راجع كتاب المستشرق الألماني كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب العربية، ترجمه إلى العربية الأستاذان نبيه فارس ومنير بعلبكي، الطبعة الحادية عشرة، بيروت 1988، ص788.
[8] الدكتور وجيه كوثراني، المرجع السابق، ص50.
[9] راجع وثائق المؤتمر المذكور.
[10] د. عبد الكريم زيدان، أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، الطبعة 2، بيروت 1988، ص81.
[11] المرجع السابق، ص84.
[12] وليد المعلم، سورية 1916-1946، ص30.