الفصل السادس، الجزء 1: المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936 وامتناع فرنسا عن تصديقها

اقرأ بالإنكليزية

استقرَّ رأي المفوض السامي ديمارتيل على أن السبيل المثلى في هذا الجو المكفهر داخليًّا وخارجيًّا لنشر الهدوء في سورية، هي مفاوضة الزعماء الذين يحترمهم الشعب ويريدهم. وأعرب عن رأيه هذا إلى حكومته فشجَّعته على السير في هذا الاتجاه والاتصال مباشرة برجال الكتلة الوطنية. باعتبارهم القوة السياسية الوحيدة في البلاد، التي تستطيع بحق التكلُّم نيابة عنها.

لكن رجال الكتلة الذين خبروا ألاعيب الفرنسيين ومناوراتهم، كانوا يريدون دليلًا على حسن النوايا الفرنسية، وعلى أنهم جادون في سعيهم إلى اتفاق مشرف.

وكبرهان يوطئ بين الطرفين أكناف الاتصالات المثمرة طلبوا إقالة حكومة الشيخ تاج، وإجراء انتخابات حرّة، تشرف عليها حكومة حيادية.

ووافق المفوض السامي على هذه المطالب، فأقال وزارة الشيخ القاضي وشكَّل وزارة حيادية برئاسة عطا الأيوبي في 23 شباط 1936. وتمَّ الاتفاق بين الكتلويين والمفوض السامي على إرسال وفد مفاوض منهم إلى باريس لمفاوضة الحكومة الفرنسية على وضع معاهدة جديدة يقبلون بها، بحيث «لا تقلُّ عن حقوق الإخوان العراقيين في معاهدتهم المعقودة مع بريطانيا».

وأعلن المفوض السامي قبوله بهذا المبدأ، وبأن فرنسا توافق على إعادة الوحدة السورية، والتخلِّي عن التجزئة[1].

وتألَّف الوفد السوري برئاسة هاشم الأتاسي وعضوية فارس الخوري وجميل مردم وسعد الله الجابري ومصطفى الشهابي وإدمون حمصي (والأخيران وزيران في وزارة عطا الأيوبي) ورافقه نعيم أنطاكي وأحمد اللحام كأمينين للسر، وصدر بذلك مرسوم جمهوري بتاريخ 14 آذار 1936.

ووصل الوفد المذكور إلى باريس يوم 25 آذار ومعه المفوض السامي نفسه، فاعتبرت هذه اللفتة تكريمًا للوفد، وإعرابًا له عن النيّة الفرنسية الحسنة.

وفيما كانت المفاوضات جارية مع وزارة الخارجية، كانت تصل إلى هذه الوزارة برقيات تأييد للوفد من المواطنين السوريين، وخاصة من سكان جبل العلويين وجبل الدروز وأهالي صيدا وجبل عامل الذين طالبوا بقوة بعودتهم إلى أمهم سورية. ومع ذلك فقد تشبَّث بعض المتعصبين من غير المسلمين بأستار الانتداب، للحيلولة دون عقد المعاهدة إذا أمكن، أو تضمينها نصوصًا تحفظ لهم «حقوقهم وأمنهم» إذا لم يوفقوا إلى منع إبرامها. كذلك لم يبتهج بعض المتعاونين مع المحتل من المسلمين بالتحوُّلات الأخيرة.

ومما سهَّل أمر المفاوضات نوعًا ما، نجاح الأحزاب اليسارية في الانتخابات الفرنسية في تلك الفترة، وخاصة الحزب الاشتراكي بقيادة ليون بلوم[2]، الذي أصبح رئيسًا للوزارة، وأنجز المفاوضات مع السوريين، وتمَّ التوقيع على معاهدة بين هاشم الأتاسي رئيس الوفد السوري، وليون بلوم عن الحكومة الفرنسية في 9 أيلول 1936.

واشترط فيها أن يصادق عليها مجلسا النواب في البلدين.

وقد ابتهجت البلاد كلها بتوقيع هذه المعاهدة، لأن الذين وقَّعوا عليها كانوا موضع ثقة المواطنين، ولم يكن يدور في خلد أحد أن يفرِّط هؤلاء القادة بذرّة من حقوق بلادهم.

وعبَّر لهم الشعب عن الشكر والامتنان بإقامة احتفالات كبيرة لهم حين عادوا ليعملوا على تصديقها.

وقد وصف فارس الخوري المعاهدة المذكورة بأنها «معجزة القرن العشرين»، وقال عنها جميل مردم «إنها عروسة الشرق»، وقال سعد الله الجابري مشيدًا بكرم فرنسا: «لم يبقَ على فرنسا إلا أن تعطينا مرسيليا».

وجاء في البيان الذي أذاعه هاشم الأتاسي في 22 أيلول 1936 على الشعب السوري: «لقد جاهدتم أقدس جهاد وناضلتم أشرف نضال، وحملتم لواء الحرية والاستقلال، فأراد الله أن يتمَّ نعمته عليكم، فأدركتم هذا اليوم وهو من أيامكم الغر، بل من أيام العرب المشهورة».

ووصف فرنسا بأنها «حليفتنا الحرّة وصديقتنا الكريمة».

وتمتاز هذه المعاهدة بأنها تلغي الانتداب، وتعترف باستقلال سورية. غير أنها تعطي لفرنسا حقوقًا وردت في عدة ملاحق. وقد قال فارس الخوري عن هذه الملاحق بأنها «محدّدة الأجل وقابلة للتعديل بموجب قوانين خاصة».

استقبال الوفد السوري العائد من باريس بعد عقد معاهدة 1936 مع الحكومة الفرنسية، سيرًا على الأقدام من محطة بغداد إلى فندق بارون. رشدي الكيخيا وميخائيل ليان، منظما الاحتفال والموكب. قادة البلاد يستقبلون الوفد السوري، بعد إبرام المعاهدة مع فرنسا عام 1936. في الصورة رشدي الكيخيا خلف الرئيس الأتاسي. في الصف الثاني: الأمير مصطفى الشهابي (محافظ حلب)، جميل مردم، هاشم الأتاسي، فارس الخوري، سعد الله جابري، إدمون حمصي (الوزير ونائب حلب). ويظهر في الصف الثالث: الدكتور حسن إبراهيم باشا، رشدي الكيخيا، جميل إبراهيم باشا وعبد الوهاب ميسر.
استقبال الوفد السوري العائد من باريس بعد عقد معاهدة 1936 مع الحكومة الفرنسية، سيرًا على الأقدام من محطة بغداد إلى فندق بارون. رشدي الكيخيا وميخائيل ليان، منظما الاحتفال والموكب. قادة البلاد يستقبلون الوفد السوري، بعد إبرام المعاهدة مع فرنسا عام 1936. في الصورة رشدي الكيخيا خلف الرئيس الأتاسي. في الصف الثاني: الأمير مصطفى الشهابي (محافظ حلب)، جميل مردم، هاشم الأتاسي، فارس الخوري، سعد الله جابري، إدمون حمصي (الوزير ونائب حلب). ويظهر في الصف الثالث: الدكتور حسن إبراهيم باشا، رشدي الكيخيا، جميل إبراهيم باشا وعبد الوهاب ميسر.

ومن أجل التصديق على هذه المعاهدة، حدّد المفوض السامي موعد الانتخابات النيابية يوم 30 تشرين الثاني 1936. وقد جرت الانتخابات على درجتين بحسب التشريع النافذ، ونزل رجال الكتلة الوطنية بكل ثقلهم إليها لانتخاب 104 نواب. وكان رشدي الكيخيا واحدًا من المرشحين باعتباره عضوًا في مجلس الكتلة الوطنية.

وقد كرَّمهم الشعب ففازت قائمة الوطنيين وأنصارهم بما يشبه الإجماع في طول البلاد وعرضها.

وهكذا دخل رشدي لأول مرة قاعة مجلس النواب ليسير في الطريق الكريم الذي وضعه القدر عليه.

ولم يبقَ أمام رئيس الجمهورية محمد علي العابد ورئيس الوزراء عطا الأيوبي إلا أن يستقيلا، لأن أصحاب التفويض الشعبي أصبحوا في الوضع القانوني السليم.

واجتمع المجلس الجديد في 21 كانون الأول 1936 وانتخب فارس الخوري رئيسًا له، كما انتخب في اليوم نفسه هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية[3].

وأصدر الرئيس الجديد مرسومًا بتشكيل وزارة جديدة برئاسة جميل مردم وأسندت وزارة الخارجية المحدثة إلى سعد الله الجابري بالإضافة إلى وزارة الداخلية، كما أسندت وزارة الدفاع الوطني المحدثة إلى شكري القوتلي وتولَّى الدكتور عبد الرحمن الكيالي وزارتي العدلية والمعارف.

وهؤلاء هم كبار قادة الكتلة الوطنية، وموضع ثقة الشعب. وحتى لا يقع توان من جانب فرنسا، تقدَّمت الحكومة السورية الجديدة إلى مجلس النواب بمشروع المعاهدة طالبة موافقته عليها، في اليوم الثاني لتشكيلها. وقد وافق المجلس عليها بعد مناقشة عادية، وأصدرها رئيس الجمهورية بقانون في 27/12/1936.

ولم تعدم المعاهدة خصومًا في سورية أخذوا عليها ما منحته لفرنسا من ميزات. وكان على رأس منتقديها جماعة «الهيئة الشعبية» التي تشكَّلت بقيادة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر. وكان من بين رجالها الذين انشقُّوا عن الكتلة الوطنية زكي الخطيب والدكتور منير العجلاني. وقد اعتبر هؤلاء المعارضون المعاهدة بأنها أسوأ من الانتداب.

ومع ذلك بقي رجال الكتلة صامدين في مواقفهم، لقناعتهم الراسخة بأن ما حقَّقوه من ظفر بحصولهم على هذه المعاهدة، هو أقصى ما قدروا عليه في المفاوضات.

لكن مع الأسف أخذت الحكومة الفرنسية تماطل وتسوف في التصديق على المعاهدة التي وقّعت عليها، وراحت تتعلَّل بقيام عثرات كأداء في وجهها.

وتحرَّكت الحكومة السورية من جانبها، فأرسلت عدة وفود إلى باريس من أجل إقناع الحكومة الفرنسية وحثّها على مباشرة إجراءات التصديق. إلا أن التسويف والمطل كانا كل ما كانت تحصل عليه الوفود السورية. وقد أغضب مسلك الحكومة الفرنسية شعب سورية فنزل إلى الشوارع يهتف ضد السلطة الفرنسية، ويهاجم سياستها.

وزاد في حنق السوريين أيضًا أن المفوض السامي الفرنسي قام بخطوات عملية لكي تنفِّذ الحكومة السورية نظام الطوائف الذي كان أصدره في 13 آذار 1936 (المعروف بالمرسوم التشريعي رقم 60). وكان هذا النظام متمشيًا في الظاهر مع المساواة بين المواطنين ومع حرية الضمير، إذ إنه كان يبيح للمواطن تغيير دينه أو مذهبه والانتقال من طائفة دينية إلى طائفة أخرى. إلا أنه في واقع البلاد، كان يصدم مشاعر المسلمين وهم أكثرية البلاد، لأن الدين الإسلامي يحرِّم على المسلم الخروج من دينه، ويسمِّيه المرتد وعقوبة الردة القتل في الإسلام[4].

وقد انضمَّ إلى المظاهرات التي يقودها المعارضون السياسيون، رجال الدين من أجل معارضة تنفيذ نظام الطوائف الذي يطالب به المفوض السامي لإحراج الحكومة، وإيقاظ الفتنة في البلاد بين طوائفها الكثيرة.

وأسفرت السياسة الفرنسية عن وجهها الاستعماري، فقرَّرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب رفض التصديق على المعاهدة.

وأذكر وأنا طالب في جامعة باريس، أن مقرر لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي هنري هاي أصدر تصريحًا في كانون الأول 1938، ندَّد فيه بالمعاهدة وقال عن سورية «إنها فسيفساء شعوب»، وانتقد المعاهدة بقوة، وقال إن فرنسا ستوفد لجنة إلى سورية لتعيد دراسة الأوضاع محليًّا.

وقد تداعينا نحن الطلاب إلى دعوته إلى اجتماع في مقهى في الشانزليزيه من أجل مناقشته، فلبَّى هذه الدعوة، وشرح وجهة النظر الفرنسية. وردَّ عليه بعض الطلاب غير أن الفرق بين شخصيته الطاغية وشخصية محاوريه لم يكن يخفى على أحد.

وحدث أن كان أستاذنا الدكتور محسن البرازي حاضرًا الجلسة، فانبرى للمحاضر الفرنسي بما يشبه الند للند.. وتنفَّسنا الصعداء بحضوره. لكن الفرنسيين أصرُّوا على رفض المعاهدة، وأرسلت فرنسا المسيو بيو مفوضًا ساميًّا جديدًا إلى سورية في أوائل كانون الثاني 1939 ولم يتأخَّر اصطدامه بالوزارة السورية. واتخذ نظام الطوارئ ذريعة لإحراجها إذ إنه أصرَّ على تنفيذه. «فردَّ عليه رئيس الوزراء (جميل مردم بك) بالقبول. غير أنه اشترط أن يوافق مجلس النواب عليه»[5]. عندها أرسل المفوض السامي إنذارًا للحكومة، فقرَّرت الاستقالة في 18 شباط 1939.

والذي نراه أن فرنسا بدأت بعرقلة تصديق المعاهدة، تحت ضغط الحكومة التركية وحلفائها. فقد كانت نذر الحرب العالمية الثانية تذر بقرونها على العالم بسبب تزايد شبح النظام النازي في ألمانيا والنظام الفاشيستي في إيطاليا. وكانت إنكلترا وفرنسا تسعيان إلى كسب ود تركيا بزعم أنهما في حاجة إليها.

ولست أفهم حقيقة هذه الحاجة من الناحية العسكرية والاستراتيجية.

الحواشي:

[1] يراجع في هذا الموضوع، الدكتور ذوقان قرقوط، المشرق العربي في مواجهة الاستعمار، ص396.

[2] ليون بلوم زعيم اشتراكي يهودي، أُحيل مع رفقائه إلى محكمة استثنائية، في أعقاب هزيمة فرنسا عام 1940 أمام القوات الألمانية. ووُجِّهت إليهم تهمة «عدم إعداد الأمة الفرنسية للحرب». وكان مقرُّ هذه المحكمة مدينة ريوم Riom في وسط فرنسا. ولم يصدر عنها أي أحكام.

[3] قرأت في جريدة القبس عدد (31) كانون الأول 1936، ص3 ما يلي:
«وافق مجلس النواب المنتخب على أن تكون مخصصات النواب على الشكل التالي:
100 ليرة سورية شهريًّا و300 ليرة كتعويض سنوي. وطالب بعض المواطنين بإنزال الراتب إلى 50 ليرة شهريًّا فقط. وقد علَّق كاتب في الجريدة على هذا الاقتراح بقوله: إن النائب إذا كان يقبل هذا الراتب فعليه أن ينزل في الخان وأن يأكل في مطاعم سوق علي باشا. أما إن كنتم تريدونه ممثلًا للأمة ينزل في فندق أمية أو الأوريان بالاس ويركب السيارة ويلبس البونجور والسموكن، ثم لا تعطونه إلا خمسين ورقة، فمعنى ذلك أنكم تريدون نائبًا مجانًا..».

[4] يشترط الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك وابن حنبل استتابة المرتد خلال ثلاثة أيام. ولكن أبا حنيفة يعتبر الاستتابة جوازية. وهو لا يقبل استتابة المرأة، لأنها عنده يجب أن تعود إلى الإسلام بالإكراه.
ونشير إلى أن المواثيق الدولية تجيز لكل إنسان أن يغيِّر دينه كما يشاء. فالمادة 18 من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي أقرَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 كانون الأول 1948 تنصُّ على أنه «لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه..» والمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقرَّته الأمم المتحدة بتاريخ 16 كانون الأول 1966 تؤيِّد هذه الحرية. وكذلك البند الخامس من إعلان طهران الذي أصدره المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان المنعقد في طهران بتاريخ 30 أيار 1968.. وقد وقَّعت جميع الدول العربية على هذه المواثيق. ولم تتحفَّظ على حرية المعتقد غير المملكة السعودية. (فيما أعلم).

[5] وليد المعلم، المرجع المذكور، ص290.