الفصل السادس، الجزء 2: ضياع لواء الإسكندرون 1937-1939

اقرأ بالإنكليزية

وكانت لتركيا مطامع في لواء الإسكندرون السوري، وظلَّت تسعى إلى اقتطاعه وضمِّه إليها.

وللوصول إلى هذا الهدف، تمسَّكت بالاتفاقية التي كانت عقدتها مع فرنسا في 20 تشرين الأول 1921 (التي سبقت الإشارة إليها)، والتي منحت مادتها السابعة سكان هذا اللواء ميزات خاصة. فقد جاء فيها:

«سيقام نظام إداري خاص لمنطقة الإسكندرون ويتمتَّع أبناء الجنس التركي في هذه المنطقة بجميع التسهيلات اللازمة لترقية ثقافتهم، ويكون للغة التركية فيها صفة رسمية».

وبموجب قرار أصدره المفوض السامي الفرنسي ساراي في كانون الثاني 1925 أصبح للواء الإسكندرون نظام خاص تكون فيه اللغتان العربية والتركية متساويتين في المعاملات الرسمية. لكن تركيا ظلَّت تتحيَّن الفرص وتعرب عن رغباتها في سحب مقدرات اللواء من أيدي العرب إلى أيديها، حتى سنحت لها، حين أخذت إنكلترا وفرنسا بمغازلتها على أمل ضمِّها إلى صفهما. ومن أجل ذلك تنكَّرت فرنسا لعهودها وشرف مسؤوليتها، وعقدت اتفاقًا شكليًّا مع تركيا يتضمَّن رفع مسألة الإسكندرون إلى مجلس عصبة الأم. وكانت فرنسا هي التي تمثِّل المصالح السورية وهي التي تتآمر في الوقت نفسه مع تركيا. وهكذا أقرَّت عصبة الأمم وضع نظام خاص للواء وسن قانون أساسي يدخلان حيز التنفيذ ابتداء من 29 تشرين الثاني 1937. وفي الوقت نفسه شكَّلت عصبة الأمم لجنة دولية للإشراف على انتخابات عامة في اللواء، مؤلفة من ممثل عن كل من بلجيكا وإنكلترا وفرنسا والسويد وتركيا لمراقبة إجراء الانتخابات.

ولا بدّ من لفت الانتباه إلى أن القانون الأساسي الذي وضعته عصبة الأمم يتضمَّن النص على بقاء لواء الإسكندرون جزءًا من سورية، إلا أنه يتمتَّع باستقلال داخلي فقط، كما أن هذا القانون الأساسي ينصُّ على انتخاب مجلس تمثيلي من أربعين عضوًا يكون نصفهم من الأتراك ونصفهم من العرب، وحدّد حدًّا أدنى لكل فئة كما يلي:

8 من الأتراك و6 من العلويين و2 من العرب وأرمنيين اثنين ويوناني واحد. وموضع الخبث لا يخفى على عين: فالأتراك لا يبلغون أبدًا نصف عدد السكان. ثم إن النظام اعتبر العلويين كأنّهم من غير العرب، إمعانًا في تفتيت الطابع العربي للبلاد.

وأبقى هذا الاتفاق تمثيل اللواء خارجيًّا في اختصاص الحكومة السورية، كما نصَّ على أن يحمل مواطنوه جوازات سفر سورية، وعلى أن يشكِّل مع سورية وحدة جمركية، وتظلُّ الليرة السورية عملته المتداولة. وحين بدأ الإعداد للانتخابات المذكورة، بدأت التدخلات الفرنسية والتركية في مسارها لإفساد نتائجها الشرعية. وقد احتجَّ على هذا التدخل الممثلون البلجيكي والسويدي والإنكليزي وأعلنوا استقالتهم من لجنة المراقبة الدولية، وغادروا اللواء في 28 حزيران 1938. وقد قدَّموا إلى عصبة الأمم تقريرًا مشتركًا مفصلًا، أظهروا فيه مدى التلاعب الواضح في إعداد الجداول الانتخابية، وركَّزوا بصورة خاصة على أساليب الضغط والإكراه التي تعرَّض لها الناخبون العرب.

وجاء جواب الدولتين الفرنسية والتركية على احتجاجات السوريين وأعضاء اللجنة الدولية على تقرير الانتخابات سريعًا جدًّا، مما يؤكِّد أن الأمور كانت مدبّرة في السر ومعدّة من قبل. فقد عقدت الدولتان اتفاقًا سريًّا بينهما في 4 تموز 1938، قام بتمثيل فرنسا بعقده سفيرها في أنقرة المسيو بونسو (الذي كان مفوضها السامي في سورية) وبتمثيل تركيا وزير خارجيتها رشدي أراس.

وقد تضمَّن هذا الاتفاق اعتراف فرنسا باستقلال اللواء وتفوَّق العنصر التركي فيه. وهذا مخالف للواقع، وغدر من فرنسا بالتزاماتها الدولية التي التزمت بها تجاه عصبة الأمم وتجاه سورية، بأنها ملزمة بالحفاظ على سلامة ووحدة الأراضي السورية. وتغطية لهذه الطعنة المميتة، أجرت فرنسا انتخابات صورية في اللواء في 23 تموز 1938 تحت إشراف هيئة فرنسية تركية.. أعلن في نتيجتها فوز «المجلس الوطني» المشكل من 22 نائبًا تركيًّا و18 نائبًا عربيًّا.. وهكذا تحوَّلت الأكثرية العربية إلى أقلية![1].

وبقبول من فرنسا اخترق الجيش التركي الحدود في 25 تموز 1938 واحتلَّ مواقع هامة في اللواء. وفي ظلِّ هذا الاحتلال المزدوج، اجتمع المجلس التمثيلي وانتخب رئيسًا للواء، وأعلن قيام «دولة هاتاي». لكن هذا الوضع لم يستمر طويلًا، إذ إن فرنسا عادت واتفقت مع تركيا على أن تضمَّ هذه إليها نهائيًّا لواء الإسكندرون بموجب معاهدة 13 تموز 1939، وبذلك أصبح جزءًا من الدولة التركية.

ولم تعترف سورية أبدًا بهذا السلخ. وأذكر أنني حينما كنت وزيرًا للمعارف عامي 1951 و1955 أوفدت عددًا كبيرًا من الطلاب للدراسة في الجامعات الأجنبية على أساس المحافظات. وكان من بين هذه المحافظات محافظة الإسكندرون. وحين أعلنت النتائج على هذا الشكل جاءني السفير التركي محتجًا على هذه التسمية، لأنها تدخل في شؤون بلاده.. لكنه سمع ما لا يحب، وصرف غير مشيع بالاحترام اللائق بمقام السفير.

وأضربت البلاد السورية طويلًا احتجاجًا على ضياع الإسكندرون. ومما زاد في أوضاع البلاد سوءًا، أن المساعي المبذولة لإقناع فرنسا بالتصديق على المعاهدة التي عقدتها مع سورية لم تنجح.

كذلك فإن انشقاقًا وقع بين قادة الكتلة الوطنية فاستقالت حكومة جميل مردم في 18 شباط 1939، وكلَّف رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي لطفي الحفار بتشكيل الحكومة. لكن عهدها لم يدم أكثر من 42 يومًا.. فتسلَّمت السلطة الفرنسية الحكم المباشر على سورية، وقرَّرت إحالة المخلِّين بالأمن إلى المحاكم الأجنبية المختلطة اعتبارًا من 20 آذار 1939. وقد حاول الرئيس الأتاسي أن يبقي على الشكل المدني للحكم تخفيفًا عن الشعب، فكلّف نصوح البخاري بتشكيل حكومة جديدة، لكن المفوض السامي عطَّل أعمال مجلس النواب اعتبارًا من 20 نيسان 1939، فاستقالت حكومة البخاري في 4 تموز 1939 ولم يرَ رئيس الجمهورية مبررًا لبقائه في سدّة الرئاسة فاستقال هو أيضًا في 7 تموز 1939. وفي 8 تموز استلم المفوض السامي الحكم المباشر وعطَّل الدستور وحلَّ مجلس النواب وشكَّل حكومة المديرين برئاسة بهيج الخطيب.

الحواشي:

[1] تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد سكان لواء الإسكندرون عام 1936 يبلغ 220 ألف نسمة، موزّعين كما يلي:
85000 أتراك.
62000 عرب علويين.
22500 عرب سنيين.
24000 عرب مسيحيين.
25000 أرمن.
5000 يهود.
900 جنسيات مختلفة.
وواضح أن عدد العرب هو 108500 في مقابل 85000 تركي، وأن ولاء الأقليات العرقية يذهب إلى العرب وليس إلى الأتراك.