الفصل الثامن، الجزء 4: مسألة الوحدة العربية

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الأول
مسألة الوحدة العربية

كان لفكرة الوحدة العربية في جيلنا مفهوم مقدس، بنته في نفوسنا مجموعة من القيم السامية، منها تربية الناس عامة على كره الدولة المنتدبة، كرهًا يصل إلى درجة الحقد. ومن المؤكَّد أن للعقيدة الدينية أثرًا كبيرًا في نشأة هذه الكراهية. ثم إن معلمينا في المدارس الابتدائية وحتى الثانوية كانوا ينشئون طلابهم على أن العرب أمة واحدة، وأنه من واجبنا أن نعيد لها أمجادها الدارسة.. وأنه لا حياة لعربي إلا في إطار وحدة أمته.

فليس بدعًا أن تترسَّخ في نفس رشدي الكيخيا عقيدة صوفية بوحدة العرب، خاصة وأنه بدأ عمله السياسي في جوٍّ من التسلُّط الفرنسي في سورية ولبنان، والاحتلال الإنكليزي في فلسطين والأردن والعراق ومصر.. إضافة إلى احتلال المغرب العربي من قبل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. لذلك ما كانت قيمة من القيم العامة تستطيع أن تعلو على قيمة وحدة العروبة في تفكيره.

وهي عقيدة كان كل جيلنا يعتنقها.

وتذكر محاضر المجلس النيابي أن رشدي الكيخيا انزعج فعلًا من مواقف بعض الانكماشيين اللبنانيين، فندَّد بهم قائلًا:

«إني أبدي ملاحظتي على ما جاء في برقية التهنئة اللبنانية إلى سورية. وإني أستغرب ترديد هذه العبارات في كل مناسبة. فأنا أتوجَّه بكلمة عتاب إلى الشعب اللبناني الكريم وإلى الحكومة اللبنانية على هذا التمسُّك بالاستقلال التام الناجز، كأن لبنان لا يمتُّ بصلة من الصلات إلى البلاد العربية الأخرى. وأنتم تعلمون أيها السادة النواب أن لكل عربي يعيش في البلاد العربية حصته في كل قطر من الأقطار العربية الأخرى، وأن هذه الأقطار بمجموعها مشاعة بين الناطقين بالضاد. ونحن نعيش في وقت نتطلَّع فيه إلى أبعد من الاستقلالات القطرية. نحن في وقت نتطلَّع فيه إلى الوحدة العربية الشاملة (تصفيق)»[1].

وإذا كان الكيخيا تحدَّث عن ضرورة الوحدة العربية والمناداة بالعمل لها في هذه الجلسة من عام 1943، ومن قبلها في الدورة السابقة عام 1936 التي امتدحه فيها سعد الله الجابري رئيس الوزراء، فإن زميل الكيخيا الدكتور ناظم القدسي جسَّد هذه الرغبة فقدَّم اقتراحًا إلى مجلس النواب في جلسة 26 آب 1943 أنقله هنا، للذكرى وللتاريخ:

«لما كان العرب يؤمنون بوجوب توحيد الجهود والمساعي السياسية مع سائر الأقطار العربية للوصول إلى تأسيس كيان صحيح قوي يؤمِّن للأمة العربية بلوغ أهدافها السياسية والاجتماعية».

وحيث إن تأمين مثل هذه الغاية النبيلة يتوقَّف على مقدار الجهود التي تبذلها الحكومات العربية في هذا السبيل.

فتحقيقًا لأماني البلاد السورية ومطاليبها ووفاء للأمانة النيابية المقدسة، يقرِّر المجلس النيابي السوري مطالبة الحكومة الشرعية المنبثقة عنه ويرغب إليها بذل الجهود القوية السخيّة بالتعاون مع الحكومات العربية الشقيقة للوصول إلى طريقة عملية تؤمن في الحاضر اتحاد البلاد العربية اتحادًا يكفل في المستقبل اضطراد السير نحو وحدة الأمة العربية المستمدّة من حقائق الحياة ووقائع التاريخ.

وإني أقدِّم هذا الاقتراح إلى فخامة رئيس المجلس (الأستاذ فارس الخوري) لكي يطرحه على التصويت.

وقد طرح الرئيس اقتراح القدسي على المجلس فوافق عليه النواب بالإجماع وبالتصفيق.

ويسترعي الانتباه أن رئيس الوزراء (سعد الله الجابري) طلب الكلام فأثنى على اقتراح القدسي وشكره عليه ووعد ببذل كل الجهود للوصول إلى الغاية التي يتوخَّاها[2]. ويتضح من دراسة اقتراح القدسي، المعبّر بالضرورة عن رأي زميله الكيخيا، أنه يطالب أولًا بإقامة اتحاد بين الدول العربية، يتلوه قيام الوحدة الشاملة. وهذا ما كان يريده مجلس النواب عام 1958 فيما يخصُّ إقامة اتحاد بين سورية ومصر، ووافق عليه بصورة إجماعية. لكن الضباط المسيّسين تصرَّفوا من تلقاء أنفسهم وفرضوا على البلاد تلك الوحدة التي لم يقدَّر لها أن تعيش[3].

ورجع رشدي الكيخيا إلى موضوع الوحدة العربية مرة أخرى في جلسة 30 تشرين الأول 1944 بمناسبة مناقشته بيان رئيس الوزراء الأستاذ فارس الخوري، وقد جاء في خطابه ما يلي:

«إن الجزء في البلاد العربية لا يمكن أن يكوِّن دولة مستقلة ذات سيادة.. ونحن الآن أمة ذات ستين مليونًا[4]، فلا يجوز أن نظلَّ مشتّتين على حكومات، بل يجب أن يقوم بيننا اتحاد نشترك فيه ثقافيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا لكي تستطيع البلاد أن تذود عن حياضها».

وقد انتقد في خطابه هذا رئيس الوزراء الذي دعا إلى قيام «تعاون» بين الدول العربية. والتعاون لا يعجب الكيخيا، لذلك فهو يرفضه لأنه يلحُّ على «أن تعلم الحكومة أن جميع البلاد العربية تنظر إلى وحدة كبرى تشمل جميع نواحي الحياة. أما التعاون فإنه يتمُّ بين أجنبي وأجنبي، لكنه لا يمكن أن يتمَّ بين عربي صميم وعربي».

وقد قاد رشدي الكيخيا المعارضة منذ أن انسحب من الكتلة الوطنية عام 1939 ومارسها عمليًّا منذ انعقاد المجلس النيابي الجديد عام 1943. غير أنه لم يعلن رسميًّا عن قيامها إلا في هذه الجلسة التاريخية. وكان من أعضائها في المجلس عدد من النواب المثقفين من جملتهم صبري العسلي وأحمد الشرباتي وغالب العظم وهاني السباعي وناظم القدسي وأكرم الحوراني ورئيف الملقي.

وأودُّ أن أستطرد قليلًا، لأذكر أن هذه المعارضة رشَّحت رشدي الكيخيا إلى رئاسة مجلس النواب ضد سعد الله الجابري. وكانت نتيجة التصويت مذهلة، فقد نال الجابري 67 صوتًا ونال الكيخيا 42 صوتًا.

وحين أنشئت الجامعة العربية، انتقد رشدي الكيخيا ضعف ميثاقها[5].

وقد أثبتت الأيام التالية بعد نظره، لأن الجامعة ظلَّت أشلاء تشكو الهزال إلى يومنا هذا ولم تقدِّم للعرب خدمة تُذكر، لأن التصويت فيها يجب أن يتمَّ بالإجماع لكي يُنفَّذ القرار. وهذا واقع لا يتحقَّق إلا في القضايا الصغيرة فقط. وقد أجريت دراسات عديدة لإصلاح هذا الميثاق، لكن لم يتوصَّل الأعضاء إلى نتيجة ما، وبقي كل عضو يغنِّي على ليلاه[6].

ولو كان للجامعة وزن في نفوس أعضائها لما تعرَّضت الأمة العربية إلى العديد من النكبات والانتكاسات. وللذود عن حياض العروبة أيَّد الكيخيا بحماس اقتراح النائب أكرم الحوراني بشأن تخصيص مبالغ كافية من الأموال لمنع تسرُّب الأراضي العربية في فلسطين إلى ملكية اليهود[7]. كما هاجم، من أجل الغاية نفسها، «الشعوبيين» أعداء العروبة والخطرين جدًّا على القومية العربية[8].

ولعلّ خطابه الطويل في موضوع القومية العربية الذي ألقاه في جلسة 26 أيار 1945 هو أفضل ما قاله في شرح رأيه في موضوع هذه القومية[9].

وأول لبنة في بناء هذه القومية، هو أن يقوم بناؤها على قواعد ثابتة من الاستقلالات الإقليمية. وليس من المقبول أن نطالب بوحدة عربية يكون استقلالنا فيها استقلالًا اسميًّا. لذلك انتقد الكيخيا الاستقلال الذي قدَّمه الفرنسيون للسوريين لأنه يرفض «أن نبقي على أسماء لا مسميات لها وأن الاستقلال الذي عرضه الجنرال كاترو وورد على لسان ممثلي الحلفاء ليس كافيًا.. فإما أن نبقي على النهج الصحيح وإما أن نعود إلى صفوف الشعب ثانية»[10].

وكان رحمه الله واثقًا من تأييد الشعب له سعيدًا بهذا التأييد:

«لقد وضعت الأمة الكريمة ثقتها في شخصي العاجز من دون أن أعمد إلى أية وسيلة من وسائل الإغراء والدعاية.. ولا يسعني إلا أن أنحني احترامًا لإرادتهم (المواطنين) الجبارة، وأسجِّل لهم من على هذا المنبر كلمة شكر ووفاء».

الحواشي:

[1] جلسة 21 آب 1943، ص28.

[2] محضر الجلسة المنعقدة في 26 آب 1943.

[3] وهذا موضوع سوف نعود إليه في الفصل الثاني عشر من هذا الكتاب.

[4] يقال إننا نناهز المئتي مليون عربي في هذا العام 2000، ويقال أيضًا إن سورية - مثلًا - التي يبلغ تعدادها هذه السنة سبعة عشر مليونًا، ستتضاعف كل 22 سنة، في حين أن بلدًا كالسويد أو إنكلترا يحتاج إلى قرنين لكي يتضاعف عدد سكانه. ولست أدري ماذا سينجم عن هذا الانفجار السكاني من نتائج!

[5] جلسة 9 نيسان 1945، ص92.

[6] درس الدكتور عزيز شكري وضع الجامعة العربية في كتاب وضعه لإصلاحها، تميَّز بالموضوعية. وكذلك وضع الدكتور جورج جبور كتابًا عن «خواطر مجدّدة حول مستقبل الوحدة العربية»، دمشق 1984. قال في نهايته: «إن الوحدة العربية.. لا بدّ من أن تأتي بجهدنا وإرادتنا»، ص10.
والدكتور جبور معروف بقوميته المتشدِّدة ووحدويته.

[7] جلسة 16 كانون الثاني 1945، ص37.

[8] جلسة 28 نيسان 1945، ص14.

[9] المحضر، ص268.

[10] نفس الجلسة.