الفصل الثامن، الجزء 6: نظافة الجهاز الحكومي

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الثالث
نظافة الجهاز الحكومي

فضَّلت أن أفرد هذا الفرع لموضوع نظافة الجهاز الحكومي، لأن الكيخيا أولى هذه النظافة اهتمامًا بالغًا. لذلك رأيت أنها تستحقُّ أن تستقلَّ ببحث خاص بها.

فقد كان قانعًا بأن جهاز الموظفين إذا لم يكن نظيفًا، بمعنى أن يكون الموظفون نزيهين، لا يحابون أحدًا ولا يلوون عنق القوانين لصالح الأقوياء أو الراشدين، فإن العدل لا يعدو أن يكون مجرّد لفظ لا مدلول له في الواقع. وإذا فقد المواطنون الثقة في جهازهم الحكومي الذي وجد أصلًا لحمايتهم وتأمين حقوقهم، فإنهم سوف يتصرَّفون بحسب قوانين الغاب والبحر.. الأسد يقتل الذئب، والذئب يفترس الثعلب.. والسمكة الأقوى تبتلع السمكة الصغيرة.. ومن أجل الخلاص من هذا التحكُّم أنشئ جهاز الدولة، وسنَّت له القوانين، ليقيم العدل والمساواة بين الناس.

وسوف أشير في هذا الصدد إلى قضيتين تدلاّن على حرص الكيخيا الشديد على مقاومة استغلال أصحاب النفوذ من النواب وكبار الموظفين:

الأولى: أرض الملعب البلدي في حلب، والثانية سوءات وزارة الإعاشة. وبسبب انعكاس هاتين القضيتين على مدلول الديمقراطية ونظافة المسؤولين، فإني أودُّ أن أقف قليلًا عليهما.

وليس سرًّا على أحد أن إخواننا المسيحيين شاركوا على استحياء في الحركة الوطنية السورية، لأن قسمًا كبيرًا منهم ما كان يحبُّ أن يجاهر بالعمل السياسي المكشوف ضد فرنسا، التي تقول لمَن يودُّ أن يسمع أو لا يسمع، بأنها حامية المسيحية في سورية ولبنان. وليس لأحد أن ينكر أن الدولة العثمانية ظلَّت حتى منتصف القرن التاسع عشر، تعتبر المسيحيين في بلادها مجرّد رعايا SUJETS وليس مواطنين حقيقيين CITOYENS. غير أن فحصًا متعمّقًا في واقع السلطنة لا بدّ من أن يكشف لأصحاب البصائر النفّاذة أن المسلمين العرب تعرَّضوا هم أيضًا إلى ضغوط واضطهادات حتى في ظلِّ الخلافة.. لكن الوضع أخذ شكله السيئ بالنسبة إلى الجميع، حينما استولت حركة التقدُّم والترقِّي على الحكم.

فلما فُرِضَ الانتداب الفرنسي على سورية، رفضته غالبية السكان وقاومته.. لكن الجانب المسيحي وقف في أول الأمر موقفًا متردِّدًا. غير أن عددًا من المسيحيين انضمَّ إلى الحركات القومية واندمج في صفوف الكتلة الوطنية، وكان لهم فيها موقع مرموق، مثل الرئيس فارس الخوري وشقيقه فائز الخوري في دمشق، وميخائيل ليان وليون زمريا ونعيم أنطاكي وإدمون رباط في حلب، وآل فركوح في حمص، وآل مرهج في حماة.. وهذه أسماء للتمثيل.

وقد تولَّى فارس الخوري أعلى المناصب في الدولة، منها رئاسة مجلس النواب ورئاسة الوفد السوري لدى الأمم المتحدة وتقلّد شقيقه فائز الوزارة عدة مرات، وفي مختلف العهود. وأصبح الأستاذ نعيم الأنطاكي وزيرًا للخارجية والمالية مرارًا وسافر مع الوفد السوري إلى فرنسا من أجل إبرام المعاهدة، بوصفه أمينًا للسر.

وقد انعقدت الزعامة المسيحية في حلب لميخائيل ليان، خاصة بعد انتقال نعيم الأنطاكي إلى دمشق وتجنّس إدمون رباط بالجنسية اللبنانية. فقد انضمَّ إلى الحركة الوطنية مبكرًا، وساهم على ما يقال بماله في مصروفات الكتلة الوطنية، الأمر الذي أهَّله إلى احتلال مركز مرموق فيها.. غير أن الخلاف دبَّ بينه وبين رشدي الكيخيا لأسباب لا علاقة لها بالعمل الوطني، وإنما من أجل تصرُّفات ميخائيل الملتوية.

وقضية أرض الملعب أحد هذه الأسباب.

فقد استملكت البلدية أرضًا في غرب مدينة حلب لتنشئ عليها ملعبًا رياضيًّا، وكانت هذه الأرض ملكًا للسيد ميخائيل ليان وغيره. وقد قدَّرت اللجنة البلدية سعر المتر المربع بست ليرات. وقبل المالكون الآخرون وقبضوا نصيبهم. لكن السيد ليان تقدَّم باعتراض على هذا التقدير وتوسَّط لدى المجلس البلدي لإعادة النظر في السعر، فأُجيب إلى طلبه، وشكّلت لجنة جديدة قدَّرت سعر المتر المربع بعشرين ليرة. وهذا السعر الجديد يعني حصول السيد ليان على 210 آلاف ليرة سورية (من ليرات تلك الأيام التي كان ثمن الشقة المتوسطة فيها في حدود عشرين ألفًا).

وكان هذا التصرُّف سببًا من أسباب اندلاع الخلاف بين نائب يريد استغلال نفوذ منصبه وبين نائب نذر نفسه للدفاع عن مصالح الدولة.

وحين استقالت حكومة فارس الخوري وأعاد تشكيلها مجدّدًا في 26/8/1945 دخل فيها ميخائيل ليان وزيرًا للخارجية[1]. ولا أحد يعرف سببًا معقولًا لهذا الاختيار. فالسيد ليان لا يتمتَّع بأية ثقافة علمية، أو تجارب دبلوماسية. وكان الظرف لا يسمح لمثل هذه المجاملات. فقد كانت البلاد في نضال مرير مع السلطة الفرنسية، التي تطالب بعقد معاهدة معها، وكانت سورية مصرّة على رفض أية معاهدات، لأنها كانت تريد استقلالًا تامًّا ناجزًا غير مقيّد بقيود.

وقد بادر عدد من السفراء السوريين في الخارج إلى إرسال برقيات بتقديم استقالاتهم من مناصبهم، كالدكتور عدنان الأتاسي والدكتور ناظم القدسي (الذي كان سفيرًا في واشنطن) احتجاجًا على تعيين السيد ليان في هذا المنصب الحساس، ولأنهم يفوقونه خبرة وثقافة.

وحين ناقش الكيخيا بيان الحكومة الخورية الجديدة في جلسة 28 آب 1945 ندَّد بالخطأ الذي وقعت فيه الحكومة بإسناد وزارة الخارجية إلى ليان، وكان شديد القسوة في خطابه، ومما قاله لرئيس الوزراء:

«تمشيًا مع الصراحة أقول لرئيس الوزراء إن الذي ينقصك هو الحزم والإقدام بجرأة على الأعمال، والذي يسعى إلى إرضاء الناس جميعًا لا يستطيع أن يرضي أحدًا..

لقد أقصيت يا سيدي الرئيس ثلاثة وزراء عملوا معك وجئت بغيرهم، فهل هؤلاء الذين جئت بهم أفضل من السابقين؟ أبعدت نعيم الأنطاكي الذي هو من ألمع شبابنا وأكثرهم تضحية ووطنية وأقصيت سعيد الغزي الذي هو شخصية فذّة وكان له من جهاده ما نذكره بالفخر، وأبعدت جميل مردم، الذي قد أختلف معه بالرأي أحيانًا، لكنه في مقدّمة الذين ساهموا في الحقل الوطني..

ولقد اشترطنا عليك يا سيدي الرئيس حين فاوضت النواب ثلاثة شروط يجب أن تتوفَّر في الوزراء المرشحين: أن يتمتَّع الوزير بالنزاهة، وأن يكون مثقفًا ثقافة عالية وأن يكون أمينًا مستقيمًا. فهل الذين انتقيتهم تحقَّقت فيهم هذه الشروط؟ لقد انتقيت إلى وزارة الخارجية (ميخائيل ليان) نائبًا من نواب هذا المجلس، فهل كنت موفقًا في اختيارك؟ هذه وزارة تحتاج إلى علم ومران ولباقة في السياسة، ونحن لا نرضى لك هذا الاختيار ولا نرضاه لأنفسنا ولا لبلادنا»[2].

وقد أدَّت هذه الحملة إلى استقالة الحكومة في 30 أيلول في نفس العام أي بعد شهر واحد وخمسة أيام، وشكَّلت حكومة جديدة برئاسة سعد الله الجابري أخرج منها ميخائيل ليان.

واستمرَّت العداوة مريرة بين الرجلين، حتى لوحق ميخائيل ليان فيما بعد بتهمة الخيانة، وحُكم عليه غيابيًّا بالإعدام وهو هارب خارج البلاد. وقد انتقلت هذه «العداوة» إلينا بالعدوى، من دون أن يقع بيننا وبينه توترات شخصية تستوجبها.

أما القضية الثانية فهي قضية وزارة الإعاشة..

فقد أنشئت وزارة الإعاشة أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل تأمين المواد الغذائية للبلاد. وكان إنشاؤها ضروريًّا ومفيدًا. غير أنها ما كادت تقف على قدميها وتمارس أعمالها، ويبدأ المواطنون بجني ثمارها، حتى أخذ بعض موظفيها يتلاعبون بأقوات الناس التي كانت إدارتها موكولة إليهم. فقد كان الحلفاء، وخاصة الإنكليز الذين احتلوا البلاد، يخصِّصون لسورية كميات وافية من المواد الغذائية والمحروقات وسائر السلع التموينية، ويسلِّمونها إلى الإدارة السورية (وكانت تدعى الكوتا). وكان الموظفون السوريون يتسلَّمون هذه المواد، وينقلونها إلى مستودعات وضعت تحت إشرافهم، ثم يأخذون بتوزيعها على المحافظات، ويحدِّدون طريقة توزيعها على الموطنين.

وقد أفسد الطمع ضمائر كثيرين منهم، فراحوا يستغلُّون نفوذهم الوظيفي ويحصلون لأنفسهم على مبالغ كبيرة لا يحقُّ لهم أن يحصلوا عليها.. وبذلك فسد جهاز هذه الوزارة ولحق ضرر جسيم بتموين المواطنين.

وقد تدخَّل رشدي الكيخيا بقوة لوضع حدٍّ لفساد هذه الوزارة. ويذكر الدكتور القدسي «إن وزير الإعاشة كان السيد مظهر رسلان، وهو رجل لا يفقه شيئًا، كما يقول عنه (وقد يكون قصده أنه لا يفقه أمور ومشاكل هذه الوزارة التي كانت تعجُّ بالموظفين المفسدين الفاسدين). أما الشخص الذي كان يهيمن على الوزارة فعلًا، فقد كان فريد زين الدين. ومن أجل كشف التلاعب الذي أخذت روائحه تزكم الأنوف، طالبنا أنا ورشدي بإجراء التحقيق»[3].

وقد هاجم رشدي الكيخيا أولًا الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتَّع بها وزير الإعاشة ولا يمارسها فعليًّا، وطالب بتقليصها[4].

وحين استقال من الإعاشة الأستاذ عارف النكدي، وهو موظف حازم ونزيه، بسبب الحالة الرديئة التي أصبحت عليها هذه الوزارة، وجَّه رشدي سؤالًا خطيًّا يسأل فيه عن الأسباب التي دفعت هذا الموظف الكفء إلى تقديم استقالته، من أجل الكشف عن الفضائح الشائنة[5].

كذلك كشف الكيخيا النقاب عن الصفقات المشبوهة التي كان يعقدها التجار مع الموظفين، بحيث أصبحوا يشكِّلون شبكة خطيرة، عادت عليهم بالثراء الفاحش الحرام[6]. ولم يكلّ المرحوم ولم يملّ عن ملاحقة هؤلاء الفاسدين، فقدَّم دفعة واحدة إلى الحكومة عن طريق رئاسة مجلس النواب، ستة أسئلة بتاريخ 13/12/1944 وتمَّت تلاوتها العلنية في جلسة 15/1/1945. وقد جاء في أحدها ما يلي:

«يشاع بأن مصلحة الإعاشة في حلب باعت من دون مناقصة كمية كبيرة من إطارات المطاط العتيق بسعر الكيلو الواحد نصف ليرة، مع أنه يباع في السوق بثلاثة أضعاف هذا السعر؟ فمَن هو الشخص الذي بيعت له هذه الصفقة الظالمة؟».

وللذكرى أقول، إن جهود النائب الكيخيا أثمرت في ملاحقة مفسدي الإعاشة فتشكَّلت لجنة تحقيق من أجل فضح التلاعب والغش. وقد قامت بواجبها ووضعت تقريرًا أدان عددًا من الموظفين والمتواطئين معهم من التجار، لا أجد مبرّرًا للوقوف عنده الآن[7].

لكن ما سنشهده أو نسمع به في أنظمة قادمة عاشت في ظلها البلاد، سوف يجعلنا نقرأ الفاتحة وسورة التوبة على أرواح موظفي إعاشة الأربعينيات، لأنهم لم يكونوا أكثر من روّاد صغار لفظائع لا يستطيع أن يصفها قلم كاتب، لكنها ليست من مواضيع هذا الكتاب.

الحواشي:

[1] وكان من وزرائها خالد العظم (للمالية والدفاع) وصبري العسلي (للعدلية) وأحمد الشراباتي (للمعارف والاقتصاد الوطني) ولطفي الحفار (للداخلية). وتعتبر هذه الوزارة أضعف من وزارة الأستاذ الخوري المستقيلة. ولكني أودُّ أن أذكر بالخير الدكتور حكمت الحكيم وزير الإعاشة فيها (نائب إدلب) الذي كان قليل الخبرة في شؤون الدولة، ولكنه كان معروفًا باستقامته ونزاهته. وقد زاملته نائبًا في دورة 1947 فكان مثالًا للخلق الرفيع.

[2] محضر الجلسة 28 آب 1945، الجلسة الرابعة من الدورة الاستثنائية السادسة، ص60 و61.

[3] من مذكراته على الشريط الثاني.

[4] جلسة 13/5/1944، ص148.

[5] جلسة 31 كانون الأول 1944، ص531.

[6] للتوسُّع انظر: محاضر الجلسات التالية على سبيل المثال جلسة 16/1/1945، ص28، وجلسة 15/2/1945، ص3، وجلسة 21 أيار 1946، ص126.

[7] التقرير مؤلف من 25 صفحة ومنشور في محضر الجلسة 19 تاريخ 21/12/1944.