الفصل التاسع، الجزء 5: ردّة الفعل ضد حزب الشعب
البند الثاني: ردّة الفعل ضد الحزب
ما كاد الحزب يعلن برنامجه ويفتح سجلاته للانتساب إليه، حتى ظهر للأعين البصيرة هيئةً سياسيةً قوية متماسكة تبشِّر البلاد والعباد بكل خير مرتقب.
وأول ما كان الحزب قانعًا به، خاصة بعد أن أُقيمت إسرائيل في قلبنا وعلى حدودنا، هو أن نتلفَّت حولنا لنلمّ شتات أمتنا من أجل مقاومة خطرها الماحق، لا سيما وإنها قهرت قواتنا المسلحة في ساحات القتال، وأطبقت على حلوقنا دبلوماسيًّا في الساحة الدولية بمعونة الدول المستعمرة، وعلى رأسها أميركا وإنكلترا وفرنسا.. ورسَّخت في نفوسنا فكرة غير بعيدة عن مبادئنا، وهي الاستقواء بمَن لديه قوة ضاربة من العرب.
في تلك الفترة كان الملك عبد الله ملك الأردن الذي يعمل تحت النفوذ البريطاني يسعى إلى ما سمَّاه سورية الكبرى.. وكانت هذه الدعوة مرفوضة لخطرها على استقلالنا، وقد قاومناها بكل قوانا.
وكان على عرش العراق ملك قاصر يوشك أن يبلغ سن الرشد. وحين يبلغها فإن الوصي على العرش، وهو عبد الإله، سيصبح من دون عمل. وهو يبحث له عن عرش جديد، خارج العراق.. لكن سورية كانت راضية بنظامها الجمهوري سعيدة به.
ومن باب براءة الذمة وتفحُّص احتمالات المستقبل، تقدَّم حزب الشعب إلى رئيس الجمهورية بعد بداية ولايته الثانية بثلاثة أشهر وخمسة أيام بمذكرة مؤرخة في 23 تشرين الأول 1948 من أجل تحريك مسألة الاتحاد العربي، والمطالبة بإجراء تحقيق في الأخطاء المرتكبة أثناء حرب فلسطين خاصة.
وقد جاء فيها:
1. «إن سورية أصبحت في وضع قد يتعذَّر عليها فيه دفع الخطر الصهيوني عنها بمفردها، مهما عبَّأت من قوى مادية ومعنوية، وأن الأوان قد آن لبذل المساعي فورًا لإنشاء اتحاد عربي يضمُّ سورية وغيرها من البلاد العربية التي استكملت شروط هذا الاتحاد، وجعل هذه المساعي هدفًا من الأهداف الرئيسية للحكومة، على اعتباره خطوة أولى لتحقيق الوحدة العربية التي هي أمنية العرب في سائر أقطارهم».
2. سنّ قانون عاجل يتضمَّن إجراءات محاكمة الوزراء وتنفيذه على كل مَن ارتكب جرائم وأخطاء في حقِّ البلاد، بصرف النظر عن أي اعتبار سياسي.
3. إجراء تحقيق سريع ودقيق في الأخطاء المرتكبة وإدانة المسؤولين عنها[1].
وما كادت هذه المذكرة تُسلَّم إلى الرئيس القوتلي، حتى سُرِّبت إلى الصحافة المحلية فتلقَّفتها وتلقَّفت معها ما تُشَحِّمُ به مخالبها.. واندفعت تهاجم حزب الشعب هجومًا هستيريًّا محمومًا وغير مألوف في الكتابات السياسية. ومعلوم أن صحف تلك الأيام لم تكن تنطق باسم أحزاب منظمة أو هيئات قومية، وإنما كانت مجرّد «دكاكين» وكالات أعمال تعيش من مصادر ليست بمصادر كريمة، في الداخل والخارج.
ومن الأمانة ألَّا أعمِّم، لكن المستقيم كان في حكم النادر.
وقد فضَّلت عدم ذكر وقائع حسية، وإلا لعرضت «للعيديات» من مال الدولة العام وللأتاوة التي فُرِضت على شركة نفط العراق بعد أن توصَّلنا معها عام 1955 إلى اتفاقٍ حفظ للبلاد حقوقها.
ولقد كان لحزب الشعب جريدة أنشأناها لتنطق باسمنا. وكنا نحن نواب الحزب وأعضاءه نحرِّرها من دون مقابل ونموِّلها من مرتباتنا.. ومع ذلك فقد عجزنا عن الاستمرار في إصدارها وأغلقناها.
وأودُّ أن أُذَكِّر بموقفنا من مسألة سورية الكبرى.
فقد التفَّ من قدامى السياسيين السوريين أشخاص حول الملك عبد الله وزينوا له تعلق السوريين بعرشه.. وحتى نبدِّد أوهامه، عقد مجلس النواب السوري جلستين خاصتين لمناقشة هذا الموضوع في 27 و29 أيلول 1947.
وقد وقف المجلس على مختلف اتجاهات أعضائه ضد هذا المشروع الاستعماري، وقدَّم سبعة عشر نائبًا مستقلًّا عريضة «لاستنكار البيان الذي أذاعه الملك عبد الله بتاريخ 4 آب 1947.. وتأييد خطاب رئيس الجمهورية السورية الذي شجب هذه الدعوة التي تخفي وراءها شبح المطامع الشخصية والمطامع الصهيونية.. وتنتهك ميثاق الجامعة العربية».
وقد كلَّفني حزب الشعب بإلقاء كلمته حول هذا الموضوع ومما جاء في كلمة الحزب ما يلي:
«إني، باسم إخواني أعضاء حزب الشعب، أستنكر هذه الدعوة المشبوهة وأشجبها متضامنين في ذلك مع زملائنا أصحاب العريضة، تحقيقًا لرغبة الأمة واستمساكًا بالنظام الجمهوري الذي نعمنا به وأصبحنا في ظلِّه أحرارًا متساوين في الحقوق والواجبات. وعلى هذا نعلن على الملأ تمسُّكنا بالنظام الجمهوري ولن نحيد عنه أبدًا. وليكن شأن جماعة شرقي الأردن والنافخين في بوق سورية الكبرى المشبوهة:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل»
وتكلَّم كذلك من إخواننا دعمًا لهذه الكلمة هاني السباعي وفيضي الأتاسي. ووصف الدكتور منير العجلاني نائب دمشق المستقل هذه الدعوة «بأنها الوباء الذي يقيم في شرقي الأردن، وباء الاستعمار الذي هو أشدّ فتكًا من الكوليرا وإنه لمشروع كاذب، فما هو بسوري وما هو بكبير.. وإنه من صنع المؤامرات الأجنبية والمطامع الشخصية.. وإننا لا نريد أن نبني لملك قصرًا في دمشق حتى يحفر لاستقلالنا قبرًا ويعيد للاستعمار ذكرا».
ومن سخريات القدر أن النائب العجلاني لوحق بعد سنتين واعتقل بتهمة اشتراكه في مؤامرة على سورية «لحساب» مشروع سورية الكبرى.
وقد اتخذ مجلس النواب قرارًا بإجماع أعضائه «بشجب واستنكار مشروع سورية الكبرى الذي تتستَّر وراءه مطامع شخصية وأغراض صهيونية. والمجلس يرحِّب بوحدة ينضمُّ فيها الفرع (الأردن) إلى الأصل (سورية) سالمًا من كل قيد أو معاهدة تحت لواء الجمهورية والاستقلال».
وهكذا نزل الستار على مشروع سورية الكبرى..
الحواشي:
[1] يراجع النص كاملًا في الملحق 4.