الفصل التاسع، الجزء 4: تشكيل حزب الشعب عام 1948
الفرع الثالث
تشكيل حزب الشعب
كان تشكيل حزب جديد في البلاد يقوم على برنامج واضح الأهداف اجتماعي الاتجاه، أمنية غالية على قلب رشدي الكيخيا. وقد تجسَّدت هذه الأمنية في أقوال عديدة له مسجّلة في محاضر جلسات النواب، أشرت إليها قبلًا.. وزادت هذه الأمنية تجسدًا في نفسه، بعد أن نجحنا في انتخابات عام 1947، وأصبحنا قوة سياسية ذات وزن.
وأشير إلى أنه لم يكن في البلاد، في تلك الأيام أحزاب سليمة التكوين وذات جذور شعبية.
فالحزب الشيوعي كان فعلًا غير مجهول في الوسط السياسي، غير أنه لم يكن مقبولًا بصورة عامة من الجمهور، لأن كلمة «شيوعي» تعني عنده الإلحاد، وشعبنا شعب متمسّك بعرى العقيدة، ولا مكان للأفكار الإلحادية في ثقافته.. وكان القوميون العرب يناصبونه العداء، لأنه ذو نزعة أممية ويحارب فكرة القومية العربية.. ولهذا السبب ظلَّ خالد بكداش في دمشق وأحمد محفل في حلب فارسين يخبان في بيداء السياسة العامة.. وقد سُجن الشيوعيون وعُذِّبوا في أوقات معروفة وأذاعوا المناشير السرية. لكن أصواتهم ظلَّت حبيسة وسط جمع صغير من الناس.. بل أذكر أننا حين كنا طلابًا في جامعة باريس وشكَّلنا الجمعية العربية من طلاب الأقطار العربية الذين كانوا يدرسون فيها، استبعدنا الشيوعيين منها لأنهم لم يكونوا قوميين، بحسب مفاهيمنا[1].
وكان هناك أيضًا الحزب السوري القومي، الذي أصبح الحزب السوري الاجتماعي. وقد أسَّسه اللبناني أنطون سعادة في أوائل الثلاثينيات لإقامة «الأمة السورية» على أراضي الهلال الخصيب، العراق وسورية ولبنان وفلسطين، تضاف إليها قبرص لتكون له نجمة.. ولم يقدَّر لهذا الحزب أيضًا أن يستقطب الجمهور العربي الذي كان مؤمنًا إيمانًا لا يتزعزع بوحدة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.. وكانت فكرة «أمة سورية» مرفوضة رفضًا قاطعًا في الأوساط السياسية الواسعة، خاصة وأن الحزب كان ذا نظام فاشستي صارم. وقد زاملنا واحد من أبرز قيادييه في مجلس النواب، هو الأستاذ عصام المحايري الذي ظفر بكرسي نيابي في دمشق.. وقد أصبح رئيسًا لهذا الحزب الذي لا يزال يعمل حتى اليوم في لبنان خاصة، وقد أبلت ميليشياته المسلحة في الحرب اللبنانية الأهلية بلاءً حسنًا في كفاحها ضد الكتائب المتعصبة.
وقد خفَّف هذا الحزب من «سوريته» المتشدِّدة، فأدلى رئيسه عبد الله سعادة بحديث إلى جريدة القبس الكويتية[2] أكَّد فيه حدوث تطوُّر في تفكير هذا الحزب نحو «إنشاء جبهة عربية تكون سدًّا منيعًا في وجه أطماع الاستعمار والإمبريالية.. وقد ساعدت مؤامرات العدو الصهيوني وتحدِّياته على تمتين التضامن بين الأقطار العربية.. لذلك شاركنا مشاركة فعّالة في مؤتمر الشعب العربي.. كما دعمنا جبهة الصمود والتصدِّي العربية التي هي النواة المركزية لتحقيق وحدة النضال ضد العدو والتكامل المؤدِّي مستقبلًا إلى وحدة العرب..».
ومن الذين عرفوا بانتمائهم إلى هذا الحزب في أوائل بداياته أكرم الحوراني وأديب الشيكشلي.
وكان حزب البعث العربي في أواخر الأربعينيات حديث التكوين، وقد تأسَّس على مبدأ الوحدة العربية والفلسفة الاشتراكية والحرية الديمقراطية.
وكان أبرز زعمائه آنذاك ميشيل عفلق، الذي كان فيلسوفه ومنظره، وصلاح البيطار وجلال السيد.
وقد كان في حلب في الأربعينيات عدد من المثقفين أسسوا حزبًا سمّوه «الحزب العربي القومي»، وكان أبرز رجاله المحامون ظافر الرفاعي ومنير غنام ورشاد برمدا وعبد السلام الترمانيني ومصطفى العطار والمهندس رمزي الألجاتي والطبيب مصطفى عيسى والأستاذ سعيد البصمه جي.. كان من بينهم مَن تلقَّى تعليمه الجامعي في ألمانيا أثناء حكم النازيين.. فلما اندلعت الحرب التي أعلنها رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني على بريطانيا لإجلائها عن وطنه بمساعدة من دول المحور، اتصلت البعثة الألمانية التي كانت في سورية بعد هزيمة فرنسا والتحاق القوات الفرنسية الموجودة في بلادنا بنظام فيشي تحت رئاسة المارشال بيتان، بعدد من هؤلاء الساسة وعرضت عليهم أن يتعاونوا مع دول المحور مقابل وعود قدَّمتها لهم بشأن استقلال البلاد العربية.. لكن حين هرب رشيد عالي إلى ألمانيا، واحتلَّت إنكلترا سورية ولبنان، وكان تحت قيادتها «القوات الفرنسية الحرة»، وجّهت إلى مؤسسي الحزب العربي القومي تهمة التعاون مع النازيين وألقت القبض عليهم.. وتمكَّن بعضهم من الفرار خارج البلاد. وبعد ذلك أُفرج عنهم وعادوا إلى نشاطهم السياسي.
وحين فكَّر رشدي الكيخيا بإنشاء حزب جديد، اتصل بهم، ثقة منه بأهليّتهم وسلامة اتجاهاتهم.. وعلم منهم أنهم كانوا على اتصال بميشيل عفلق وصلاح البيطار.. وقد زار المذكوران حلب من أجل التوسُّع في المباحثات مع جماعة الحزب القومي العربي، فانتهز رشدي الكيخيا الفرصة واجتمع إليهما وتباحثوا في موضوع تشكيل حزب منهم جميعًا. وقد دامت المباحثات أكثر من سنة.
وفي هذا الوقت كان أكرم الحوراني يظهر على الساحة السياسية أيضًا. وكان مركز ثقله في مدينته حماة. فاتصل به الكيخيا استكمالًا لاتصالاته بكل مَن يأنس منه خيرًا في موضوع تشكيل حزب قوي جديد.
واتصل الكيخيا كذلك بالدكتور سامي كبارة ومنير العجلاني في دمشق.
لكن كل هذه المشاورات لم تسفر عن نتيجة إيجابية:
فقد أسَّس أكرم الحوراني حزبه «حركة الشباب الوطني» التي تحوَّلت فيما بعد إلى (الحزب العربي الاشتراكي)، وانتهى الأساتذة عفلق والبيطار والسيد إلى تأسيس «حزب البعث» عام 1947. ولم ينضم منير العجلاني إلى أي حزب. واكتفى الدكتور كبارة في مقارعة العهد بجريدته «النضال» التي كانت افتتاحياتها تستقطب اهتمام الشباب الناقم على وضع الحكم وتخلف البلاد اجتماعيًّا وثقافيًّا.
ولم يفت توزيع المعارضة على عدة هيئات سياسية في عضد الكيخيا، الذي ظلَّ صامدًا يخطِّط لمشروعه. وقد صادف عودة شباب من دراستهم في فرنسا عام 1945 وهم مزوّدون بالثقافة التي تلقّوها في الجامعة، وبالثقافة السياسية التي حصلوا عليها من الأحزاب الفرنسية ومآسي الحرب العالمية الثانية، وهم معروف الدواليبي وأنور إبراهيم باشا ومؤلف هذا الكتاب.. وقد دعاهم رشدي الكيخيا إلى التشاور معه حول تشكيل حزب سياسي يسدُّ الفراغ في الحياة العامة.
وكان أحمد قنبر صديقًا قديمًا لرشدي الكيخيا، وكانا يتعاونان سياسيًّا، هذا على مستوى العمل النيابي وذاك خلف أعمدة جريدته «النذير».
وهكذا أصبحت الإمكانات متوفّرة للشروع في السير على طريق إنشاء الحزب خاصة بعد أن انضمَّ إلى هذه الكتلة الصاعدة، البارزون من الحزب القومي العربي المحامي رشاد برمدا والدكتور مصطفى عيسى والمحامي مصطفى العطار.
وقد ظهر رشدي الكيخيا كزعيم كبير في حلب بعد أن تحقَّق له ثلاثة انتصارات كبيرة:
الأول: الاستقبال الضخم الذي تمَّ بمسعاه للدكتور ناظم القدسي العائد من واشنطن حيث أوفد إليها كوزير مفوض لسورية، فور انتهاء الحرب العالمية. وقد بهرت روعة الاستقبال أنصار رجال الحكم، وشعروا بأن شيئًا هامًا يرتسم على جنبات الأفق القريب. لا يرتاحون إليه.
والثاني: نجاح النائب ديكران جرجيان مرشح المعارضة التي يقودها رشدي الكيخيا، في الانتخابات التكميلية التي جرت في ذلك الوقت في حلب، على أثر موت النائب ميشيل رفيع.. وقد سقط مرشّح الحكومة الذي يدعمه بكل قواه رئيس مجلس الوزراء سعد الله الجابري.
وكان نجاح ديكران ضربة أليمة لمعسكر اليمين.. الممثِّل في الحكومة القائمة، لا سيما وإن الانتخابات كانت لا تزال تجري على درجتين.
والثالث: انتزاعه وإخوانه نصرًا مؤزرًا ساحقًا في انتخابات عام 1947، عندما أصبحت الانتخابات تجري على درجة واحدة وفي غرفة سرية. وقد فتحت بقايا الكتلة الوطنية عيونها واسعة على ما يجري حولها من أحداث وخشيت إن هي ظلَّت حبيسة أوهام أمجادها القديمة أن يفوتها القطار، فبادرت إلى تنظيم نفسها حزبيًّا.
وكان الأسرع من بينهم جميل مردم الذي أصبح رئيسًا للوزراء. فقد شكَّل حزبًا سمَّاه «الحزب الجمهوري» من زملائه السياسيين القدامى. لكنا لم نكد نسمع بتشكيله حتى سمعنا بموته بالسكتة القلبية لأن مؤسسه أُبعد عن الحكم فماتت أسباب حياة حزبه.
ومع ذلك لم ييأس رجال الكتلة من إنشاء حزب «عصري» لهم، فقرَّروا جمع أنفسهم في حزب سمُّوه الحزب الوطني، وأسندوا رئاسته إلى المجاهد نبيه العظمة.. واستفاد هذا الحزب من سمعة رئيسه العطرة. فلما تخلَّى عنه ذات يوم.. تهاوت قوائمه وراح يترنَّح في فراغ لا يحسد عليه[3].
وإلى هذا الحزب المتداعي، كان ينتسب صبري العسلي وفاخر الكيالي.. وظلَّا يحملان على مفرقيهما علامته الباهتة لكنهما أدركا سريعًا بأنهما لا يستطيعان لعب أي دور سياسي بهذه العلاقة وحدها، فركبا موجة التقدمية المهيمنة على الساحة السياسية، ورفعا شعار اتجاه يساري مشكوك في سلامة إيمانهما به.
أما في مدينة حمص فقد ترشَّح بعض المؤمنين بمذهب التطوُّر على قائمة هاني السباعي المعارضة، الذي كان قد وضع يده في يد رشدي الكيخيا منذ النيابة السابقة وتزعَّم الاثنان حركة معارضة بنّاءة.. ومن هذا المنطلق أقبل شعب حمص على دعم الاتجاه الجديد، فأنجح قائمة المعارضين وأسقط قائمة الحزب الوطني بكاملها، تمامًا كما فعل شعب حلب. وهكذا كبر حجم المعارضة بانضمام نواب حمص إليها وفي مقدّمتهم فيضي الأتاسي والدكتور فرحان الجندلي وعيسى السرياني، كما انضمَّ إليها نائب جبلة عثمان حسن إسبر ومحمد الشواف نائب اللاذقية والدكتور محمد السراج نائب حماة الذي نجح مستقلًّا فيها، وعبد الله التامر نائب السلمية وشاكر العاص نائب الجولان وعبد الحميد دويدري نائب إدلب وعدد من النواب: من الرقّة رشيد العويد ومن جبل الدروز وحوران (هايل السرور). ومن مجموع هؤلاء النواب تشكَّلت «الكتلة الدستورية» النيابية المعارضة. وقد أنضج تطوُّر الأحداث وتلاحقها في المنطقة فكرة المبادرة إلى إنشاء الحزب العتيد في أفهام نواب هذه الكتلة الدستورية، فاتخذ مجلس المكتب قرارًا بالدعوة إلى مؤتمر يعقد في فالوغا في لبنان بتاريخ 8 آب 1948 ووُجِّهت الدعوة إلى النواب وإلى مجموعة مختارة من غيرهم إلى حضور المؤتمر. وكان عدد الحضور كبيرًا. وقد جرت المناقشة في المبدأ وفي المضمون عدة أيام. واتفق المجتمعون على أن إنشاء حزب منظم عصري أصبح أمرًا حيويًّا للبلاد، وبذلك تقرَّر إنشاء حزب سُمِّي «حزب الشعب».
أما منهجه، فيجب أن يقوم على مبادئ يقبلها الشعب وتعبِّر عن طموحاته واتجاهاته في ميادين القومية والاجتماع والاقتصاد والحكم الديمقراطي.. وكلّفت لجنة لوضع منهاج الحزب ونظامه الداخلي وتمَّ ذلك بكل كفاءة من قبل مختصين بارزين في ميادين اختصاصهم. وقد أقرَّ المجتمعون المنهاج والنظام الداخلي بالتصويت، فأصبح الحزب حقيقة واقعة.. وكان مفترضًا أن يصبح رشدي الكيخيا رئيسًا له إلا أنه اعتذر، ورشّح المجاهد نسيب البكري المعروف بالمشاركة الفعلية في الثورة السورية الكبرى عام 1926 والمناضل العنيد ضد الاحتلال الفرنسي، نائب دمشق، فانتخب رئيسًا لحزب الشعب، كما انتخب المؤتمر السيد علي بوظو، نائب دمشق أيضًا، أمينًا عامًا للحزب.
وفيما يلي عرض موجز لبرنامج الحزب (بند أول)، ثم ما كان له من أثر في نفوس رجال الحكم وأنصارهم (بند ثان).
البند الأول: نظرة في منهاج حزب الشعب
تضمَّن هذا المنهاج المبادئ التي دان بها مؤسسو الحزب واتفقوا على اتخاذها شرعة لهم من أجل رفعة البلاد وإنقاذها مما كانت تعانيه، ورسم طريق المستقبل أمامها، ونشر لواء العدل بين الناس ومساواتهم في الحقوق والواجبات، وإقامة نظام اجتماعي تظلِّله العدالة الاجتماعية.
وفيما يلي أبرز هذه المبادئ موزّعة على فقرات[4]:
أ. العرب في مختلف ديارهم أمة واحدة.
وإلى أن تتحقَّق وحدتها الاندماجية يرى الحزب أن يسير نحوها بسلوك إحدى طريقتين:
الأولى: إقامة اتحاد فدرالي بين سورية والأقطار العربية المستوفية شروط هذا الاتحاد من حيث سلامة وضعها السياسي.
والثانية: الاعتماد على منظمة الجامعة العربية (القائمة فعلًا) من أجل تحقيق الأهداف التالية:
1. توحيد السياسة الخارجية وتوحيد التمثيل الخارجي.
2. توحيد قوى الدفاع العربي.
3. توحيد التشريع.
4. اعتبار البلاد العربية وحدة جمركية.
5. اعتبارها وحدة اقتصادية متكاملة.
6. إلغاء جوازات السفر بين جميع بلاد الجامعة.
7. توحيد النقد العربي وتأسيس مصرف مركزي مشترك.
ب. التوازن بين سلطات الدولة شرط أساسي في توطيد النظام الجمهوري والحكم الشعبي وتأمين السلام الداخلي والرفاه العام (الفصل الرابع).
ج. دعم استقلال القضاء وتقويته خلقيًّا وعلميًّا ومقاومة كل محاولة لانتقاص استقلاله والمساس بحصانته ورفع مستواه، لكي يبقى القاضي مرتبطًا بضميره وبالقانون من دون سواهما.
وواضح أن هذا التعبير يجب أن يعني إبعاد القاضي عن مفهوم ازدواجية الولاء، أي عدم انتسابه إلى حزب سياسي، حتى لا يكون موضع شبهة في حياده، لأن وجود الشبهة في القاضي ينزع عنه خير صفاته وهي الحياد والعدالة.
د. إصلاح الجهاز الحكومي على وجه يضمن له الاختصاص والكفاءة والنزاهة وهنا أودُّ أن أردَّ على مَن قال إن حزب الشعب كان يجبر الموظفين على الانتساب إليه، وهذا افتراء ظالم، فلم يحدث أن عيّن حزب الشعب موظفين حزبيين، إلا محافظًا واحدًا هو الأمير جعفر الجزائري، وأمينًا عامًا للصحة هو الدكتور منير السادات. وقد قدَّما استقالتهما مع استقالة الحكومة الشعبية عام 1951. أما سائر درجات الموظفين، فلم يكن مسموحًا لها بالانتساب إلى الحزب. وقد عملنا حقًّا وصدقًا، على حماية جهاز الدولة من انتشار وباء الحزبية فيه.
هـ. توسيع صلاحيات الموظفين وإقرار مسؤولياتهم وتقوية اللامركزية في المناطق تجاه المحافظات، وفي المحافظات تجاه المركز (العاصمة).
وقد اتهم الحزب بالإقليمية، لأنه طالب باللامركزية. ولقد كان الوضع غير مقبول بالمرة: فقد كان على المواطنين، من ذوي الحاجات أن يسافروا ويأتوا إلى العاصمة لملاحقة قضية صغيرة.. تكلّفهم ماديًّا فوق طاقاتهم واحتمالهم.. وكثيرًا ما كانوا يسمعون: ارجع بعد يومين، ليسمع نفس النغمة حين يعود.. وقد تطول إقامتهم في الفنادق والتردُّد على المطاعم مدة لا تعود تطيقها ميزانيتهم المتواضعة.. إضافة إلى تعطيل أعمالهم في بلدهم.
و. العناية بالجيش وبقوى الأمن ورفع مستواها وتسليحها وتدريبها وإبعادها عن السياسة.
وفي هذا المقطع تكمن كل مشاكل حزب الشعب في سياسته الداخلية. فقد اقتنع بأن مهمة القوات المسلحة هي الدفاع عن الوطن من الأخطار المحدقة به من جهة الصهاينة. وكان يوافق بكل اندفاع على كل ما كان يطلب منه لتحقيق قوة البلاد العسكرية. غير أن بعض الضباط لهم ميول أخرى وعلاقات حزبية.. لم يوافقهم عليها ضباط آخرون.. فوقع الصراع في داخل الجيش.. ووقع نزاع مرير بين المسيطرين على الجيش من الحزبيين أو المشايعين لبعض العقائد الدولية وبين ساسة حزب الشعب خاصة.. حتى أنهت الوحدة مع مصر هذا الصراع.. ومن أجل إنشاء جيش متماسك، يضمُّ كل عناصر الأمة وفئاتها، قاوم رشدي الكيخيا «مبدأ البدل النقدي» أي إعفاء المواطن من الجندية مقابل تسديده رسمًا لخزينة الدولة.. واعتبر هذا الرسم، رشوة لأبناء الأغنياء، حتى لا يقوموا بواجبهم المقدس نحو وطنهم.
وله كلمة مطوّلة وعميقة ألقاها في جلسة 4 كانون الأول 1947. وقد بلغ من حرص بعض أعضاء حزب الشعب على تقوية الجيش أنهم أخذوا يرفضون بعض الإصلاحات الاجتماعية، لأنها تكلِّف مالًا.. رغبةً منهم في تخصيص أكبر مبلغ للجيش.
فقد تقدَّمت في هذه الفترة باقتراح طالبت فيه بتخصيص أموال في الميزانية من أجل إنفاقها على الشيوخ والعجزة الذين لا معيل لهم. وجاءني الدكتور الدواليبي يعاتبني على هذا الاقتراح، وقال لي: هذا ضار بالوطن ومن شأنه أن يخدم مصالح الاستعمار.. واستغربت قوله لكنه تابع قائلًا: أجِّل مشروعك سوف يكلِّف الدولة أموالًا طائلة وجيشنا أحق بها، لأنه يقف في وجه خطر ماحق ونحن في غمار حرب تخوضها قواتنا بكل بسالة.
وقلت في نفسي: ربما يكون الأستاذ على حق. وكففت عن متابعة الموضوع.
ز. وفي مجال التعليم أقرَّ حزب الشعب «جعل التعليم مجانيًّا في جميع مراحله والابتدائي منه إلزاميًّا».
وكان رشدي الكيخيا يعلِّق أهمية عظمى على نشر التعليم وتعميم الثقافة في البلاد من أجل وطن متحضِّر.. فقد هاجم الحكومة عام 1939، لأنها اعتدت على طلاب كانوا يسيرون في مظاهرة إعرابًا عن عواطفهم ودعمًا لمطالبهم، وطالب بمحاكمة المعتدين، وامتدح الطلاب لتجرُّدهم القومي واتجاهاتهم السليمة التي لم تكن حزبية على كل حال[5].
وكان يمقت حرية المدارس الأجنبية، لذلك طالب بمراقبتها[6]. وأكَّد على نشر التعليم الابتدائي ليعمّ كل قرية، وطالب بمساهمة القرى نفسها في نفقات إنشاء المدارس[7].
وكانت مجانية التعليم الثانوي خاصة، أثيرة إلى نفسي، محبّبة إلى قلبي. وأذكر أنني فور دخولي مجلس النواب في أول انتخابات عامة فزت فيها وهي انتخابات 1947، طالبت بمجانية التعليم الثانوي وجوبهت من قبل أنصار الحكومة ورئيس الحكومة نفسه بكل مظاهر الاستهجان، حتى تردَّدت في القاعة كلمة: هذه شيوعية.. شيوعية.
لذلك استأذنت الحزب في تقديم اقتراح بقانون إلى مجلس النواب بتاريخ 11/12/1947. هذا نصه:
«يصبح التعليم الثانوي مجانيًّا لكل أبناء الأمة»[8].
وقد قلت في الأسباب الموجبة «إن المبلغ الذي يدخل إلى خزينة الدولة من الأقساط الثانوية هو في حدود 400 ألف ليرة فقط، يأتي ثلثاه من رسوم الفحوص.. لذلك فإن تقرير مجانية التعليم الثانوي، لا يشكِّل عبئًا على هذه الخزينة، لأن المبلغ الحقيقي هو 100 ألف فقط».
وأعدت السؤال عن هذا الاقتراح بتاريخ 25 أيار 1948.. إلا أنه بقي يلفظ أنفاسه في درج لجنتي الشؤون المالية والمعارف، إلى أن تمَّ وضع دستور 1950، وتقرَّرت مجانية التعليم بنص المادة 28 منه، وبذلك أسقطنا إحدى العقبات الكبرى من طريق الفقراء من أبناء الشعب.. وكان رشدي الكيخيا أقوى نصير لكل مبدأ متحرِّر ورد في الدستور.
ح. وكان أكبر مبادئ الحزب الاقتصادية «توزيع الأراضي الزراعية توزيعًا عادلًا» وحل مشكلتها، وفق المبادئ التالية:
1. حصر توزيع الأراضي التي يتمُّ إحياؤها مجدّدًا، بالمزارعين الحقيقيين.
2. تعيين حد أعلى لحيازة الأراضي في المستقبل سواء بطريقة التملُّك أو التصرُّف أو الاستئجار.
3. تعديل القوانين الزراعية النافذة تعديلًا يحمي الفلاح ويكفل تمتعه بثمرات جهده (المادة 38).
ط. إخضاع التجارة الخارجية إلى رقابة الدولة المباشرة صيانة للثروة القومية وسعيًا وراء تعادل الميزان التجاري بين الصادر والوارد واقتصار الاستيراد على الضروريات والاستغناء عن الكماليات.
ظ. «يرى الحزب أن الضرائب ليست واسطة لتغطية نفقات الدولة فحسب، بل هي وسيلة لتأمين العدالة الاجتماعية..» (المادة 44).
ولقد كان أعضاء الحزب صادقين في قناعاتهم، أسوياء في سلوكهم، وقد عملوا مجتمعين ومنفردين على تحقيق هذه الأهداف.. التي انتقلت بكل أمانة إلى دستور عام 1950، الذي كان لهم ولزعيمهم الفضل الأكبر في إقراره.
الحواشي:
[1] من المضحكات أن أحد هؤلاء «الشيوعيين» أصبح في أيام الانفصال وزيرًا يمينيًّا متطرفًا للاقتصاد.
[2] بتاريخ 3/2/1979.
[3] نذكر بأن الحزب الوطني عدَّل برنامجه عام 1949 وأصبح حزبًا ملكيًّا حين كان الحديث يجري حول اتحاد محتمل مع العراق. فلما أفلست مساعي هذا الاتحاد عاد فأصبح جمهوريًّا.. الأمر الذي أفقده كثيرًا من الاحترام.
[4] يراجع منهاج الحزب في الملحق رقم /1/ ونظامه الداخلي في الملحق رقم /2/ وأسماء المؤسسين في الملحق رقم /3/.
[5] جلسة 14 كانون الثاني 1939، ص138.
[6] جلسة 30 تشرين الأول 1944، ص311.
[7] جلسة 27 كانون الثاني 1945، ص211.
[8] الجلسة 11 من الدورة العادية الأولى بتاريخ 18 كانون الأول 1947، ص381.