الفصل الثاني عشر، الجزء 2: سنوات القلق: المجلس النيابي تحت الضغط

اقرأ بالإنكليزية

ولا بدّ من الإشارة إلى أن الجيش ليس كله ضباطًا مسيسين.. ففيه أخيار لا يعرفون سوى الجندية مذهبًا والبعد عن السياسة سياسة.

وأذكر من هؤلاء اللواء الطيار راشد كيلاني. فقد كتب في مذكراته عن تلك الفترة ما يلي:

«عاد الضباط المسيسون مرة أخرى إلى التدخل في الحياة السياسية بشكل فاضح بحيث أصبحت حفنة من الضباط الشباب المسيطرين على السلاح، يعملون للوصول إلى القيادات التي يريدونها ويعلنون عن مواقفهم السياسية بشكل سافر، ويسعون إلى التأثير على الحكومات..

وفي نفس الوقت كان السياسيون يستغلون بعض هؤلاء الضباط لتقوية مواقفهم. وبقيت الأمور على هذا الشكل حتى قيام الوحدة مع مصر»[1].

ولقد أصاب الأستاذ هيكل كبد الحقيقة حين كتب عن حالة الجيش السوري ما يلي:

«والحقيقة أن الجيش السوري في تلك الفترة أصبح بوتقة لكل الصراعات السياسية. وقد ارتهنت قيمة الأحزاب (والصواب بعضها) بقدرتها على التأثير على الجيش، كما تعلق نفوذ أي سياسي سوري (والصواب بعض الساسة) بمدى صلاته بضباط القوات المسلحة. وكان من شأن هذا الوضع أن يحدث مفارقات غريبة ومخاطر في نفس الوقت يصعب حساب نتائجها. فقد كان بروز دور الضباط على هذا النحو معناه أن اختلاف الآراء يمكن أن يتحوَّل في أي وقت إلى تحرُّكات ألوية وكتائب ومدافع ودبابات..»[2].

ولم يكن القلق معشعشًا في قيادات الجيش وحدها، وإنما كان ينتشر في أروقة المجلس النيابي وفي أوساط الشعب.

ففي المجلس النيابي، كان نواب «الدولة» يتطاولون بسفاهة غير معهودة.. حتى إن أحدهم ردَّ على النواب الذين طالبوا برفع الأحكام العرفية لصيانة الحريات الفردية، بقوله «في هذا البلد كل الحريات ممنوعة إلا حرية الخيانة».

وفي هذا الجو المحموم تقدَّم النائب رياض المالكي، الذي انتخب عن دمشق في انتخابات فرعية كان خصمه فيها الأستاذ مصطفى السباعي بتاريخ 17 أيار 1957، واتهمت فيها حكومة التجمُّع القومي بتدخُّل لا حدود له من أجل صد «التيار اليميني»[3]، باقتراح قانون يتضمَّن إسقاط النيابة عن النواب الغائبين عن البلاد من دون إجازة. وحين عرض الاقتراح على لجنة الدستور اختارتني مقرّرًا من أجل هذا الموضوع. وقد أيَّد الاقتراح عدد من النواب لم يكن من المنتظر منهم أن يؤيِّدوه كالأستاذ سعيد الغزي والدكتور مظهر الشربجي والدكتور لطفي الحاج حسين.

وكانت وجهة نظري أن هذا الاقتراح غير دستوري من حيث الموضوع، وله هدف سياسي لأنه موجه ضد نواب غائبين، يراد إسقاط نيابتهم لاعتبارات سياسية.

وقد اتجهت أكثرية اللجنة في الاتجاه الذي شرحته ودعمته بدراسة مطولة.

كذلك أيَّدت وزارة العدل رأي اللجنة المذكورة.

وكان مرتكز رأيي أن النائب جاء إلى مجلس النواب بتصويت شعبي، واختاره ناخبوه لثقتهم به.. فهو إذن سيقوم بوكالة دستورية عقدية، ولا يصح فسخها من قبل إحدى الهيئات العامة، لأن ذلك يعتبر افتئاتًا وتطاولًا على الإرادة الشعبية. وقد استشهدت بحادثتين من الفقه الدستوري المقارن:

الأولى: أن الناخبين في إحدى المناطق الفرنسية انتخبوا عنهم شخصًا مجنونًا كان متحفظًا عليه في مستشفى الأمراض العقلية.. وقد يكون هذا الاختيار نوعًا من الاحتجاج الصامت على وضع عام غير مرضي عنه.

وقد جرت محاولات عديدة لإسقاط هذه النيابة. غير أن مجلس النواب رفض كل محاولة من هذا القبيل، حرمة للإرادة الشعبية.. وثبت النيابة للنائب ولو لم يمارسها عمليًّا.

الثانية: أسقط الجنرال فرانكو، بعد أن استولى على الحكم في إسبانيا عام 1936، نيابة النواب الجمهوريين الذين فروا إلى البلاد الأجنبية. غير أن الاتحاد البرلماني الدولي ظلَّ يعتبرهم نوابًا ويتعامل معهم على هذه الصفة.

لكني اقترحت معاقبة النائب الغائب بغير عذر بحسم مرتبه عن مدة الغياب.. وقد دافع عن رأي اللجنة الأستاذ رشاد برمدا فقال: «لقد أجمع علماء الدستور على أن الوكالة التي يعطيها الشعب للنائب، هي وكالة مطلقة لا يمكن أن تسترد ولا يمكن أن تسلب ولا يمكن أن تعاد، إلا إذا نص الدستور على ذلك. وهناك بلاد أجازت دساتيرها إسقاط نيابة النائب، وهي البلاد الدكتاتورية. وطالما أن دستورنا خال من نص يجيز سحب نيابة النائب، فإن القواعد الدستورية لا يمكن أن تسمح لنا بأن نعتبر أن التغيب هو الاستقالة»[4].

وأيَّد الاقتراح بعض النواب منهم الدكتور وهيب الغانم الذي نعت النواب الموجودين خارج البلاد «بأنهم خونة وقحون»[5].

وحين طرح تقرير لجنة الدستور على التصويت في الجلسة العامة أيَّده 51 نائبًا، وصوَّت ضده 13 فقط واستنكف نائبان عن التصويت.

وبذلك سقط اقتراح المالكي. وتحقق كسب كبير للشرعية على الازدواجية! لكن الصراع الحقيقي الذي قام في المجلس، تحت اسم الدفاع عن الحريات العامة والفردية، هو الصراع الذي احتدم بين النواب الذين يطالبون برفع الأحكام العرفية التي كانت مفروضة على البلاد منذ مدة طويلة، وبين النواب الذين ارتاحوا لوجودها فاعتبروها نعمة وطنية وأصرُّوا على بقائها.

الحواشي:

[1] المذكرات، ص159 (الطبعة الأولى).

[2] هيكل، المرجع السابق، ص237.

[3] للاستئناس، يراجع كتاب العماد مصطفى طلاس، مرآة حياتي، الطبعة الثانية 1991، ص622.

[4] محضر جلسة 16 كانون الأول 1957، ص818.

[5] نفس الجلسة، ص846.