الفصل الثاني عشر، الجزء 3: سنوات القلق: معركة الأحكام العرفية
وبسبب عمق الخلاف في النظرة إلى فلسفة الحكم، أودُّ أن أنقل مقاطع من أقوال نواب الفريقين.
وكنت أنا الذي افتتحت مناقشة الأحكام العرفية، بخطاب هادئ ألقيته في جلسة 19 نيسان 1957 وطالبت الحكومة فيه «بالقضاء على حشرة السونة الثالثة».
وكان النواب قد تحدَّثوا في أول الجلسة عن نوعين من السونة: السونة التي تفتك بالمزروعات والسونة التي تفتك بجيوب الناس.. وتحدَّثت أنا عن «السونة التي تفتك بحريات الناس وهي الأحكام العرفية..» وقلت إن المرسوم التشريعي رقم 150 المطبق، هو قانون يخالف من دون ريب أحكام الدستور، لكنه ظلَّ نافذًا لأن مادة استثنائية في الدستور هي المادة 163 من دستور 1950 أبقته على قيد الحياة[1].
وقلت في كلمتي إنه إذا وجدت مصلحة لبقاء الطوارئ من أجل مصلحة الدولة العليا، فلتحصر في مناطق الحدود مع إسرائيل مثلًا.
لكن لا يجوز بقاؤها على جميع أرض الوطن وباستمرار. ولا يشفع للرأي المضاد أن الأحكام العرفية وضعت لمحاربة المتآمرين، لأن القوانين العادية قادرة على القيام بهذه المهمة، وهي إنما وجدت من أجل هذه المهمة.
وقلت في خطابي هذا: «إن المجرمين الذين يروعون الناس ويضعون المتفجرات في الأحياء العامة الآمنة، لترويع الرجال وإصابة النساء والأطفال بالذعر.. لا يكتشفون. والمثل هو هذه المفرقعات التي أُلقيت مؤخرًا على مقرِّ حزب الشعب».
وذكرت الحكومة بأننا «لم نستقتل على الحكم، كما يظنُّ بعض النواب، بل الأمر على العكس من ذلك. فنحن الذين سهَّلنا مهمة قيام هذه الحكومة حين استنكفنا عن التصويت في جلسة الثقة.. حتى مكَّناها من الفوز».
وهاجم رشاد برمدا استمرار الأحكام العرفية فقال:
«نحن لا نجد أنفسنا محميين في ظلها».
وقال محمد المبارك (ممثل الإخوان المسلمين).. «إن الرأي الذي اقتنع به والذي أرى أنه يمثل الشعب أو أكثريته هو ضرورة إلغاء الأحكام العرفية.. ولا ألقى في الناس إلا استغرابًا من بقائها، لأنه لم يعد لها ما يبررها».
وقد دافع عنها النائب عبد الكريم زهور، فقال: «هناك إخوان يطالبون برفع الأحكام العرفية عن حسن نية. لكن هناك آخرون يعرفون أنفسهم أنهم متآمرون، فهم يخشون الأحكام العرفية.. مع أن صاحب الضمير الوطني الصافي لا يخشى إلا الله.. أما غيره فسلوا أسود النفس سيئ النية، السائر مع التآمر والمتآمرين».
ودافع عنها أيضًا قدري المفتي قائلًا: «نحن يا سيدي لم نسمع بإساءة وقعت من موظفي الدولة استغلوا فيها الأحكام العرفية..».
ودافع عنها خالد بكداش رئيس الحزب الشيوعي[2] قائلًا: «لا يجوز أن نقول إن الأحكام العرفية في سورية كانت ضد الشعب السوري.. بل كانت مؤيدة له، وقد ازداد التحابب خلالها بين الشعب والجيش».
ودافع عنها مظهر الشربجي أيضًا. وكان موقفًا مستهجنًا من رجل قانون مثله. وقد ألقى رشدي الكيخيا في هذه الجلسة خطابًا مطولًا تناول فيه موضوع الأحكام العرفية وبسط أمام النواب كل ما كان يفكِّر فيه حول الأوضاع الداخلية غير المطمئنة.
وقد جاء في كلمته ما يلي:
«إن الأحكام العرفية تفرض عادة في الظروف الاستثنائية، كما وقع ذلك حين فرضت هذه الأحكام يوم وقوع العدوان الغاشم على الشقيقة الكبرى مصر، وقد شارك الجميع - من دون استثناء - في الموافقة على إعلانها آنذاك.
أما الآن فنحن نعتقد بأن الأسباب التي قضت بإعلان الأحكام العرفية قد زالت.. فإسرائيل التي تقوم في قلب البلاد العربية تشكّل الخطر الأكبر عليها.
وإذا ما وضعنا مثل هذا الأمر في موازيننا كان معنى ذلك أن الأحكام العرفية يجب أن تبقى إلى أن يزول الاستعمار من العالم وإلى أن تزول إسرائيل من الوجود.
لكن هل نستطيع أن نقدر لهذه الأمنية الغالية زمنًا قصيرًا كان أو طويلًا؟ إن التاريخ القريب في هذه البلاد، أي منذ انسحاب الدولة العثمانية منها واحتلالها من قبل الجيوش الأجنبية، يحدثنا ويدلنا من هم الذين دافعوا عن حرية البلاد وكرامتها ومن هم الذين ماشوا الاستعمار وساروا في ركابه.. وكانوا حربًا عوانًا على هذه الأمة. نحن نعرفهم ونستطيع أن نشير إليهم.. وخير لنا ولمصلحتنا القومية أن نطوي هذا البحث، حتى لا نكشف الماضي بمآسيه ومخازيه.. وإننا إذا طالبنا بإلغاء الأحكام العرفية، فإننا نفعل ذلك مخلصين لا لغرض شخصي ولا لكسب حزبي.
ويقول الزميل خالد بكداش، بأن صدورنا تضيق إذا ابتعدنا عن الحكم، وهو يعرف أن رئاسة الوزارة وما هو أكبر من رئاسة الوزارة كانت بين أيدينا، بل عرضت علينا مثنى وثلاث ورباع، فلم نتهافت عليها ولم نتكالب للوصول إليها، بل عزفنا عنها.. وإن الأحكام العرفية لا يمكن مطلقًا أن تقضي على الدسائس والمؤامرات، فقد علمنا التاريخ أن الحديد والنار لا يستطيعان أن يخنقا صوت الشعوب، أو يقضيا على الدسائس التي يحيكها الاستعمار. بل إن وعي الشعب هو الضامن الوحيد والكفيل بالقضاء على المؤامرات والدسائس مهما يكن نوعها. وإن تعلق الشعب بمجلسه وحكومته ونظامه وثقته بأن الحكومة تفرض القانون سواسية على الجميع كفيلان بالقضاء على المؤامرات وعلى الدسائس الصهيونية وآثامها..».
وتكلَّم رئيس مجلس الوزراء صبري العسلي، فقال: «.. إن الحالة التي كانت سببًا في فرض الأحكام العرفية لا تزال قائمة، ونرجو خالصين مخلصين أن تذهب هذه الغمة وأن تنفرج الأمور.. وأنا بوصفي واحدًا من المواطنين لا بوصفي رئيسًا لمجلس الوزراء أقول إن ثقل وطأة الأحكام العرفية في هذه البلاد لم تكن إلا للسلامة العامة، ولم تقر لخدمة الحكم أو من أجل حزب.. وأرجو من صميم قلبي أن تنفرج الغمة ونحن وأنتم إن شاء الله أنصار للحرية والسلامة واستقلال البلاد..».
ولم يكن هذا القول مستغربًا من صبري العسلي وهو جالس على أريكة رئاسة الوزارة، التي كانت تتأرجح تحته، تحت شبح الاتهامات التي كانت تتهدَّده!
وقد ردَّ عليه الأستاذ أحمد قنبر، فقال:
«إني أريد أن أتكلَّم بوصفي نائبًا انتخبتني الأمة لأتكلَّم باسمها، لا بوصفي عضوًا في حزب الشعب، فإني أعلن أمامكم بأني استقلت من المكتب التنفيذي لحزب الشعب واستقلت من حزب الشعب.. لأنني أريد أن أعالج موضوع الأحكام العرفية متحرِّرًا من كل رباط حزبي، وأن تكون مسؤولية كلامي ملقاة على عاتقي الشخصي.. وبسبب طول الموضوع فإني أرجو من مقام الرئاسة تخصيص جلسة أو جلستين.. (فقد بلغت الساعة الثانية والنصف صباحًا)..».
وفي الجلسة التالية (تاريخ 9 نيسان 1957)، تكلَّم أحمد قنبر متابعًا: لقد أعلنت الأحكام العرفية في ظرف كانت سورية فيه متأهبة لنصرة الشقيقة الكبرى مصر إثر العدوان الغاشم عليها، وكان ممكنًا أن ندخل في حرب ضد المعتدين عليها. والمعلوم أن الأحكام العرفية لا تفرض إلا إذا كان حبل الأمن مضطربًا في البلاد والقوانين العادية والمحاكم العادية لا تستطيع أن تفصل الدعاوى المقامة في أيام قلائل، عندها تعلن الأحكام العرفية، لتكون الأحكام القضائية في ظلها محققة للغاية التي يراد منها القمع واستقرار الأمن وإعادته إلى نصابه.
يا سيادة الرئيس:
تعلن الأحكام العرفية حين يكون في البلاد ثورة في منطقة من المناطق.. تعلن عندما يكون في البلاد فتنة جامحة.. لأنها قاسية ولها نتائج تضيق على المواطنين وتخنق أنفاسهم وتحدُّ من حرياتهم وتعطِّل الكثير من أحكام الدستور.
وقد أعلنت الأحكام العرفية عندنا خلال العدوان على مصر واستمرَّت إلى أن انتهى العدوان. وحين طولب رئيس مجلس الوزراء برفعها قال إنه لا يستطيع أن يرفعها ما لم تجل الجيوش الأجنبية عن مصر والإسرائيلية عن سيناء.. وقد جلت كل هذه الجيوش بالفعل، لكن الأحكام لم تلغ عندنا.. وحدّدت مواعيد لإلغائها، ثم لم تنفذ، مما يجعلنا نعتقد أن هناك مصلحة جدِّية في استمرارها وبقائها. فهل بقاؤها من مصلحة الدولة؟ أو من مصلحة الأمن؟ أو من مصلحة سمعة البلاد؟ وجوابي، النفي، لأن وجود الأحكام العرفية يعطي مفهومًا واضحًا في الداخل والخارج أن الأمور فيها تجري بصورة غير طبيعية.. كل بلد في العالم معرض لنشاط الجواسيس. وكل بلد في العالم معرض للمؤامرات والمتآمرين. وإذا أريد أن يكون ذلك سببًا لإعلان الأحكام العرفية، واحتاجت البلاد إلى إعادة فرضها، فإن ذلك لا يستغرق أكثر من نصف ساعة.. لأن مجلس الوزراء يستطيع في أي لحظة أن يجتمع ويصدر مرسومًا بالإعلان.. أو الإلغاء.
لكن لو كانت معالجة الأمر تقتصر على الناحية القانونية فقط لكان من الأمور التي لا تستوجب كل هذه الضجة وهذا الخصام واللجاج. لكن للموضوع صفحة أخرى غير قانونية، يعرفها جميع النواب وجميع الوزراء.. إن الأحكام العرفية تحصر السلطات في الحاكم العسكري وفي الهيئات التي ينشئها مجلس الوزراء باقتراح الحاكم العسكري.
وبالأمس سمعت في هذا المجلس صيحات الخيانة.. والمؤامرة.. وكان واضحًا أن هذا الكلام يوجه إلى بعض نواب هذا المجلس، ومن أجل هذه الغاية يقال إن الأحكام العرفية يجب أن تبقى.
إن الاتهام بالتآمر والخيانة والتعامل مع الأجنبي ليس شيئًا جديدًا في هذا المجلس، فقد سبق وقيل ما قيل، قبل أن يخرج للوجود مشروع أيزنهاور.. أو ميثاق بغداد.. أو العدوان الإنكليزي الفرنسي على مصر.. إنها قديمة.. إنها ألفاظ ترد على ألسنة بعض النواب كماركة مسجلة لهم يطلقونها في مناسبة وفي غير مناسبة. مع أن الإنسان الشريف يفضل أن يقطع لسان نفسه على أن يوجّه تهمة قبيحة كهذه من دون أساس، لأنه ليس من السهل تجريد إنسان من أنبل مقدساته.
إني أقول لكم إن الذي يطالب باحترام الحريات العامة والفردية، إنما يطالب بتطبيق أحكام الدستور.. وكل دساتير العالم وضعت لصيانة هذه الحريات.
وإذا كان رئيس الوزراء والنواب الذين يؤيِّدونه يرون أن الأحكام العرفية يجب أن تستمر، فذلك لأنهم يعرفون الظروف التي جاءت بهم إلى الحكم.. لعلّ رئيس الوزراء يذكر قوله مرة، بأنه يهدِّد بالانتحار إذا بقيت الأحكام العرفية. فلماذا يطالب اليوم باستمرارها؟ إننا نعرف بأن قانون العقوبات يعاقب التعذيب الجسدي عقوبة شديدة. وفي ظلِّ الأحكام العرفية الآن يعذب كثيرون في مختلف مناطق البلاد.
وقد ردَّ على خالد بكداش، الذي تساءل: ما هذا التعذيب، بقوله له: «يا أستاذ بكداش إنك أكثر النواب معرفة بالتعذيب والمعذبين، وإنك أكثر الناس معرفة بطرق التعذيب، ومن أين استقيت وكيف تنفذ ولمصلحة من تنفذ. إن عددًا من إخوانكم النواب لا يستطيعون المجيء إلى دمشق ولا يستطيعون الحضور إلى جلسات مجلس النواب.. لأنهم لا يجرؤون على ذلك..
إن مجلس الوزراء يجتمع ليعدل بعض القوانين، فتصدر صرخات وصيحات بأنه لا يجوز أن يفعل ذلك، ويهدِّد مجلس الوزراء بأنواع التهديد.. قد يكون هذا الكلام مضحكًا لكنه ضحك كالبكاء.. إنني لا أخاف من ذكر الأشياء، وإن كنت أعرف نتائج هذا الذكر. فقد وجهت تهديدات كثيرة إليَّ وإلى غيري.. ومن الضروري كشف هذه الملابسات من أجل مصلحة البلاد..».
ويجب أن يقال الحق: فهذه الحكومة لا تريد رفع الأحكام العرفية لأن الأكثرية التي منحتها الثقة، إنما جمعت جمعًا بواسطة الأحكام العرفية.. وإذا كان لا بدّ من توضيح التهديد الواقع، فحسبي أن أقول إن دولة رئيس مجلس الوزراء نفسه كان ضحية التهديد بالذات.
وليس لدى أحد شك في أن الأحكام العرفية قد استغلت ضد مصلحة الشعب وضد حرياته وضد سمعته في الداخل والخارج.. إن في البلاد طائفة من المواطنين تريد في ظلِّ هذا الحكم أن تفرض نوعًا من الإرهاب على المواطنين في سبيل استغلالات شخصية أو مكاسب حزبية.. وهذا مشاهد في كثير من المناطق السورية..».
وعلق وهيب الغانم على موضوع الأحكام العرفية، فقال: «لا يخاف الأحكام العرفية إلا المجرمون والخونة والعابثون بمصلحة هذه البلاد. ولو لم يلمسوا بأنفسهم أنهم ضالعون في الخيانات لما ظلوا بعيدين. فكان من الخير لهم أن يموتوا في أعماق السجون أبرياء شرفاء من أن يهربوا إلى وطن آخر..».
وليس من كلام أدعى إلى الاستغراب من هذا الكلام، الذي يصدر عن نائب ومناضل عرف بتوجهاته السياسية النظيفة والمعتدلة أيضًا.
وقد عاود أحمد قنبر الكلام قائلًا:
«إن السياسة الخارجية والعربية ليست موضوع خلاف بيننا.. إن أنصار الحكومة يقولون إنهم يحاربون حلف بغداد، فمن الذي دعا في هذه البلاد إلى حلف بغداد؟ من الذي يخالف في مكافحة الخطر الإسرائيلي؟ إن الذي يسبب الخلاف، هو هذه الأصوات التي ترتفع في المجلس لأغراض حزبية تريد أن تستعدي الجيش على أحزاب أخرى.. إنه الوضع الداخلي السيئ.. والذي يعرف سوءه كل مواطن».
ولقد كانت جلسة من الجلسات العاصفة، التي كشفت عن الذين يريدون حرية المواطن وكرامته، والذين يريدون الاستعانة بكل قوة خفية، لكي يبقوا في الساحة السياسية.. لفقدان قواعد صلبة يقفون عليها في مواجهة الشعب. ومن أسف أن المناقشات في مجلس النواب وفي الصحافة، اتخذت اتجاهًا كريهًا لأنها لم تعد لخدمة الدستور والقانون، وإنما لإيذاء أشخاص بذاتهم، وضرب حزبهم من وراء ضربهم.
الحواشي:
[1] ألغي هذا المرسوم التشريعي في أيام الوحدة وحل محله قانون الطوارئ رقم 162 الصادر بتاريخ 27/9/1958، ثم ألغي هذا القانون بالمرسوم التشريعي رقم 51 تاريخ 22/12/1962 الذي عدل بالمرسوم التشريعي رقم 1 تاريخ 9/2/1963.
[2] وهو النائب الشيوعي الوحيد في مجلس النواب. ولم يحدث أن كان للشيوعيين نائب غيره.
ومع ذلك فقد كان صاحب نفوذ استمده من علاقته بالاتحاد السوفياتي وببعض الضباط الموالين. وهذا واضح مما كتبه خالد العظم عن اجتماعات «القادة» في بيته لتقرير ما هو في خدمة «الصالح العام» - حسب تعبيره التعيس -.