الفصل الثالث عشر، الجزء 1: آلام المخاض إلى الوحدة: الحلم والخيارات

اقرأ بالإنكليزية

عرف جيلنا حنينًا أفلاطونيًّا مثاليًّا إلى وحدة تعيد جمع شمل أمة كانت موحدة في مشاعرها وأهدافها وقناعاتها، حتى في مراحل تشرذم حكام المناطق والولايات. وكان معلمونا يعلموننا في المدرسة الابتدائية قواعد القومية العربية. وكانوا يشعروننا بالاعتزاز حين كانوا يحدِّثوننا عن فتوحات الخلفاء الراشدين ومن بعدهم فتوحات الأمويين، حيث أصبحت أعلام الإسلام والعروبة تخفق من حدود الصين إلى بحر الظلمات.

أما البيت فقد كان إسلاميًّا خالصًا، يتكلَّم العربية ويمارس الشعائر بدقة متشدِّدة.. وإذن فمن مصدرين اثنين مقدسين رضعنا كراهية خاصة للمستعمر ممزوجة بشعيرات الأوردة.. وكراهية كل مَن يتعاون معه من أهل البلد.. لذلك لا محل لأن يستغرب المرء سماع صرخات المتظاهرين: الله أكبر.. لكن المدرسة قوَّمت كثيرًا من مفاهيمنا.. وتعهَّدت بالصبر وطول الأناة، مفهومًا جديدًا فرضه التطوُّر هو مفهوم القومية العربية.

وجاء قادة الكفاح ضد المستعمر يهذِّبون هذا المفهوم، عندما أخذنا نصفق لفارس الخوري وإدمون رباط ونعيم أنطاكي من قادة الوطنية المسيحيين. وإذن فكما أن العربي يكون مسلمًا فإنه يكون مسيحيًّا أيضًا.

ومن هذا الواقع، قال الملك فيصل الأول: الدين لله والوطن للجميع.. وطالما بقيت الأقطار العربية تحت نير الأجنبي، كانت العواطف تتحرَّك تحرُّكًا مثاليًّا حيال أي حدث هام، كالانتفاضات مثلًا، يقع فيها وتصلنا أنباؤه.. وأستطيع أن أجزم أن هذه كانت مشاعر غالبية الناس المطلقة في الشام. ولم أقل: مشاعر كل الناس، لأنه كانت فيها قلة متخوفة على حقوقها الشخصية.

ولكي يقابل المستعمر هذه الموجة العاطفية، دفع بعض المستشرقين من المتعاونين مع وزارات الخارجية[1] لإنشاء سدود ذات أسس عرقية محلية.. فأنشأ في مصر الفرعونية وفي شرق المتوسط الفينيقية وفي المغرب البربرية[2].. وحين كان يتعذر عليه إيجاد أسس عرقية للتفرقة، كان يسعى إلى إيجاد سدود مذهبية.

وللذكرى أقول إن الكاتب الكبير محمد حسين هيكل زار مرة حلب عام 1951 وأقامت له البلدية حفلة كبرى، حضرتها كنائب عن المدينة. وتباسطنا في الحديث على المائدة، فكان يدافع عن فكرة الفرعونية، ولا يراها متضاربة مع الفكرة العربية.. وهو مذهب ما كنا نستسيغه. وصارحته برأي - وهو رأي غالب في سورية - بأننا لا نقبل إلا العروبة وحدها مذهبًا وتراثًا..

وحين سافرت البعثة الدراسية السورية إلى فرنسا عام 1938، صعد إلى الباخرة من الإسكندرية الدكتور طه حسين.. وجرت له محادثات مع بعض أعضاء البعثة كان فيها «فرعونيًّا» أصيلًا.. ولقد سمع من حماسهم وتوقد عروبتهم ما جعله ينتبه إلى كل كلمة يقولها، عندما يتحدَّث مع شباب سوريين.

وحين أخذت الأقطار العربية التي كانت واقعة تحت نير الاستعمار الغربي في التحرُّر وأقامت لها دولًا قلنا: ها هي الوحدة في متناول الأيدي.

ونشأت مأساة فلسطين.. وفصل عرب المغرب عن عرب المشرق بفعل عتاة المخططين، وجلس على أرائك الحكم ملوك ورؤساء، استطابوا مذاقها ونعموا بمظاهرها ومتعها. وجاء البترول يزيد في تعميق جذور الإقليمية. وبذلك حل واقع قائم على اعتبارات مادية.. محل أفلاطونية مثالية وبدأ الكفاح من أجل البقاء. وتفرَّق العرب إلى معسكرات.. صحيح أن الجامعة العربية جمعتهم.. إنما كانوا فيها كركاب السفينة، كل يخطِّط لنفسه ولوجهته.. إذا تعرَّضت لمكروه أو إذا بلغت الشاطئ الآمن.

وبقي المثقفون الخياليون يحلمون بوحدة عربية ما، كما يحلم الشاعر سحرًا في هيكل الأوهام. ولو أن المرء قرأ برامج الأحزاب في سورية، لوجدها كلها تعتبر نفسها «عربية»، وتلتزم بالعمل على إقامة وحدة عربية.. أو اتحاد عربي على الأقل.. بل إن الدساتير العربية الحديثة أخذت تنصُّ على مسألة القومية العربية والوحدة العربية.

فدستور 1950 ومقدمته، ودستور أديب الشيشكلي ومقدمته ودستور مصر الصادر بتاريخ 17/1/1956.. ودستور 1973 السوري.. على سبيل المثال تضمَّنت نصًّا صريحًا بأن سورية.. وكذلك مصر.. «جزء من الأمة العربية».. وعمت الموجة بعض الدساتير الأخرى.

وأودُّ أن أخصَّ الرئيس عبد الناصر وإخوانه الثوار بكلمة ثناء خاص، لأنهم أزالوا عن وجه مصر الكنانة غبار الفرعونية، حين وضعوا في دستور 1956 ما يلي:

«نحن الشعب المصري:

الذي يشعر بوجوده متفاعلًا في الكيان العربي الكبير ويقدِّر مسؤولياته والتزاماته حيال التضامن العربي المشترك لعزّة الأمة العربية ومجدها..

المادة الأولى: مصر دولة عربية.

والشعب المصري جزء من الأمة العربية».

وهذا هو نفس نصنا الرائد في المادة الأولى من دستور 1950. وإذن فكل سعي نحو اتحاد عربي أو وحدة عربية هو سعي في إطار البرامج الحزبية السورية، وتنفيذ لأحكام دساتير الدولة.. وكان أمام الساسة السوريين ثلاثة خيارات:

الأول: بقاء الأوضاع الراهنة على ما هي عليه.. لأن الفرقة التي باعدت قرونًا عديدة بين أقطار العرب، جعلت لكل قطر مصالحه الخاصة وتقاليده.. ومن العسير عليه أن يتخلَّى عن خصائصه باندماجه في قطر أكبر منه وأرفع ثقافة. وهذه نظرية الإقليميين الذين يريدون بقاء ما كان على ما كان. لذلك فإنها لم تلقَ قبولًا واسعًا، وظلَّ دعاتها في مواقف دفاعية.. خاصة بعد أن أقيمت إسرائيل وأخذت تقضم بنهم لا يشبع من أراضي جيرانها ومن سيادتهم.

الثاني: إقامة وحدة اندماجية فورية إذا أمكن ذلك، باعتبار أن الاعتبارات القطرية والمصالح الاقتصادية لا يجوز لها أن تكون عائقًا في سبيل تحقيق مثل أعلى.

وأنصار هذا الخيار يقولون: منذ أواسط القرن التاسع عشر أخذت نيران القوميات تندلع في العالم.. الوحدة الألمانية والوحدة الإيطالية.. وكلها تحققت بالكفاح الدائب والترفع عن المصالح الصغيرة.

فلماذا لا تنسج الأمة العربية الممزقة على غرار الوحدات الأخرى؟ وهم حين يتحدَّثون هذه اللغة العاطفية تكون أبصارهم متجهة إلى رجال من طينة بسمارك الألماني وغاريبالدي الإيطالي.

الثالث: إقامة وشائج تقارب بين الدول العربية، من دون أن تقضي على كياناتها الراهنة.. فتتعاون اقتصاديًّا تعاونًا تفضيليًّا وتوحد أفكارها وعقولها ثقافيًّا، وتنظم نفسها لتقف في وجه الأخطار التي تتهددها عسكريًّا..

وكلما زاد الالتحام في ناحية، اتخذت تدابير جديدة لتقارب أكثر، إلى أن تتوحد العقليات والمصالح.. وعندها تتم الخطوة الحاسمة بإقامة اتحاد مقبول من الجميع.. وليس مفروضًا بأي إكراه مادي أو معنوي.

وكنا - وربما جميع أبناء جيلي - سواء في عهد الانتداب الفرنسي على سورية أو خلال وجودنا في الجامعات الفرنسية (أو الأجنبية ومن باب أولى المعاهد السورية) نفكر في الوحدة العربية تفكيرًا مثاليًّا صوفيًّا. لذلك لم نسأل أنفسنا أبدًا: أي نوع هذه الوحدة التي نريد. أهي وحدة قائمة على أساس الدين؟ أم وحدة قائمة على أساس علماني، لا تريد للدين أن يتصدَّر العمل السياسي؟ أم وحدة اشتراكية تنمحي فيها الطبقات ولو نظريًّا!.. والحقيقة أننا كنا نريدها وحدة اندماجية (بالدرجة الأولى) تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، من دون أن تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الراهنة التي رسخت جذورها خلال قرون التجزئة، ومن دون أن تتأثَّر بآراء الاجتماعيين ونظرياتهم وتفريعاتها.

ودارت الأيام، وأفقنا من أحلامنا، فأدركنا أن صخرة الواقع أصلب وأقوى مراسًا من سحب الأحلام[3].

وقد ساد بين العرب الخيار الثالث اعتبارًا من منتصف الخمسينيات.. فعقدت مصر وسورية اتفاقًا عسكريًّا عام 1955 للدفاع المشترك.. ودخل هذا الاتفاق مرحلة التطبيق حين أرسلت مصر قوات إلى سورية للدفاع عن حدودها الشمالية التي كان يتهدَّدها الحشد العسكري التركي.

أما على المستوى القومي فقد عقدت بين دول الجامعة العربية معاهدة الدفاع المشترك والمعاهدة الاقتصادية.. التي وقعت في 11 نيسان 1950.

وقد جاء في مادتها الثانية ما يلي:

«يتعهَّد المتعاقدون بأن يبادروا لنجدة الدولة أو الدول ضحية العدوان، ويتخذوا مباشرةً، إما فرديًّا وإما جماعيًّا كل الإجراءات، وأن يستعملوا جميع الوسائل بما في ذلك استعمال القوة المسلحة».

ونصَّت المادة 5 على تشكيل لجنة عسكرية دائمة مقرها القاهرة، ومجلس دفاع مشترك مؤلف من وزراء الخارجية والدفاع.

كما تضمَّنت هذه المعاهدة إنشاء مجلس اقتصادي لتنسيق سبل التعاون الاقتصادي بين الدول العربية.

غير أن الوضع في سورية كان مختلفًا عن أوضاع الدول العربية الأخرى، من حيث اندفاع ساستها إلى إقامة اتحاد عربي موسع إذا أمكن، أو ضَيِّق على الأقل.. مع الإخوة العرب الأقرب حدودًا.

وكانت الأعين مركزة على قطرين، الأردن باعتباره جزأ من بلاد الشام والعراق بسبب جواره ومساهمته الفعالة في حروب فلسطين.. وحماسة مفكريه الوحدويين.

غير أن الأردن كان مرتبطًا بمعاهدة مع بريطانيا كانت تجعل من استقلاله نكتة.. وبسبب هذه المعاهدة، ووجود نظام ملكي وراثي، قبرت قصة سورية الكبرى.

أما بالنسبة إلى العراق، فالمشكلة كانت كذلك في المعاهدة الإنكليزية والنظام الملكي.. وقد ذكرت فيما سبق من القول، أن عقبات كبرى كانت تحول دون هذا الاتحاد وأصررت على القول بأن حزب الشعب لم يتبن أبدًا هذا الموضوع لا في برنامجه ولا في مجلسه الحزبي القيادي ولا في بياناته، ولا في صحافته، لكنه لم يستبعده إذا تحققت شروط اتحاد سليم.

الحواشي:

[1] أودُّ أن أعترف أن لي في المستشرقين رأيًا خاصًّا، أجملته في خطابي الذي ألقيته في حفل استقبالي عضوًا في مجمع اللغة العربية، في الجلسة التي عقدت في 16 تشرين الأول 1991. وقد قلت في هذا الخطاب: «إن المستشرقين الجواسيس قلة. أما هؤلاء الذين أحبُّوا الحضارة العربية وساعدوا في نشر كنوزها وألَّفوا عنها المؤلفات العميقة والرائدة، وعلمونا طرق البحث في تاريخنا وآدابنا، فإنهم الكثرة الغالبة».

[2] ويسمُّونها الآن الأمازيغية.

[3] منذ الأربعينيات من هذا القرن صدرت دراسات عديدة عن مفهوم القومية، أشير إلى بعضها فيما يلي:
الأستاذ ساطع الحصري، وله عدة مؤلفات أهمها:
دفاع عن العروبة وما هي القومية ومحاضرات في نشوء الفكرة القومية والعروبة أولًا والعروبة بين دعاتها ومعارضيها، والبلاد العربية والدولة العثمانية ويوم ميسلون.
والأستاذ ميشيل عفلق، في سبيل البعث.
والدكتور أديب نصور، الفكر العربي في ألف سنة.
وعبد الله عبد الدايم، الوطن العربي والثورة.
والدكتور جورج جبور، خواطر حول مستقبل الوحدة العربية.
والدكتور محمد عابد الجابري (مغربي)، الخطاب العربي المعاصر.
والدكتور برهان غليون، الدولة والدين.