الفصل الثاني عشر، الجزء 4: سنوات القلق: استقالة الكيخيا
وكان حزب الشعب هو المستهدف وحده.. لأنه كان يكافح الازدواجية في الحكم.
على سبيل المثال:
انتقد الأستاذ أحمد قنبر بعض بنود في الميزانية المقدمة إلى المجلس لمناقشتها وإقرارها.. وهذا أول واجبات النائب.. وإذا بالسيد خالد بكداش يتبرَّع بشنِّ هجوم على حزب الشعب من دون أي سبب.. ومما قاله:
«ستسير سورية إلى الأمام في هذا الطريق، ولن يثنيها عنه قوة. وهي تعتمد في الداخل وقبل كل شيء على اتحاد الشعب، وعلى هذا الإخاء العظيم بين الجيش والشعب، وفي المجال العربي على هذا الإخاء العظيم بين سورية ومصر»... لكنه بعد سنة حين تمَّت الوحدة بين مصر وسورية غادر البلاد ورفض أن يسير مع الوحدة.. وقد تمزق حزبه فيما بعد.. وتمرد أنصاره على مسلكه![1].
ومن أجل تهدئة جو المناقشات تكلَّم رئيس الوزراء صبري العسلي فقال:
«نحن لا ننظر إلى نقد النقادين لهذه الميزانية نقدًا سياسيًّا. فالموافق والمخالف ينظر إليها نظرته إلى ميزانية سابقة تعرض على المجلس، ومن الخير أن يكون الرد بأسلوب غير المتبع.
ونحن في المنحى السياسي سواء في هذا المجلس بعد أن أبرمنا ميثاقًا بملء إرادتنا وباتفاق آرائنا فيه على الناحية السياسية، فليس من فاضل ولا مفضول».
وأودُّ أن أستطرد هنا قليلًا، فأذكر أن حزب الشعب وقد رأى تسلط القلة على الحكم، باستخدامهم كل الوسائل المتاحة، وأنه لم يكن راغبًا في استمرار الازدواجية في الحكم، اتخذ قرارًا في جلسة عقدها في بيتي في صيف عام 1957 بوقف نشاطه السياسي والاكتفاء بمراقبة الأوضاع فقط، وكلفني أن أبلغ رئيس الأركان اللواء عفيف البزري بهذا القرار.
وقد استقبلني كصديق أكثر مني عضوًا في مجلس النواب، وأبلغته بالقرار، فقال إنه مؤامرة الغاية منه أن تتلقَّفه الإذاعات الأجنبية و«تزعم» أنه لا توجد في سورية حريات.. واقترح علي اقتراحات ليس من شأنها أن ترفع من كرامتي في عين نفسي.
وأعود إلى الحدث الأضخم في تلك الجلسة.
فقد وقف رشدي الكيخيا بعد طول صمت، وفي جو كريه من النفاق والزلفى، وألقى آخر خطاب له في حياته السياسية الحافلة بالمواقف الكريمة فقال:
«لقد آن لنا يا سيدي الرئيس (أكرم الحوراني رئيس مجلس النواب) أن نتصارح. فقد قلت لرئيس مجلس الوزراء بأننا حريصون على إغلاق الباب على المهاترات التي تكهرب الجو، في الوقت الذي نحن فيه في أشد الحاجة إلى التماسك والتعاضد والتآلف، نظرًا لما يحيط بالبلاد من أخطار. لكن رئيس الوزراء أجاب إجابة مقتضبة وغير كافية.. لذلك رأيت أن أتكلَّم أنا..
أنتم تعلمون أنه ما من ميزانية عرضت على المجلس إلا وتعرضت للنقد الشديد، ماليًّا وسياسيًّا. ولم يكن يخطر على بال أحد منا أن يفسر تلك الأقوال التي توجه إلى أبواب الميزانية وانعكاساتها المالية والسياسية بأنها تخدم الاستعمار أو تزرع الفزع وتنشر الرعب بين الناس. وكان كل مَن يتكلَّم، كان زملاؤه يحملون قوله على محمل النية الحسنة والرغبة في الإصلاح، ويقابل بكل ترحاب من قبل الحكومة ومؤيديها.. ولو عدنا إلى الكلمة التي ألقاها خالد بكداش في نقد الميزانية السابقة لرأيناه لم يقصر في نقدها من حيث أبوابها وفصولها ومن حيث سياسة الحكومة التي ترتكز على الموازنة.
لذلك فأنا أرجو من دولة رئيس المجلس ألا يفسح المجال لمثل هذه الاتهامات التي تقال جزافًا في مناسبة ومن دون مناسبة.. فهل المقصود منها إشاعة القلق والفوضى بين الناس، أم المقصود أن تنتقل سورية من حالها الطبيعية التي تعيش فيها الآن إلى حالة أخرى من الفوضى والاضطراب؟ ولو بحثنا عن الأسباب التي أدَّت إلى انفراط عقد الدول العربية المتحدة التي عقدت بينها اتفاقات، لوجدنا أن العقد انفرط من جرّاء الأسلوب الذي يتبعه خالد بكداش وأمثاله..
ونحن عملنا كثيرًا من أجل استقلال هذا الوطن، وما من أحد إلا وله نصيب وافر من بناء هذا الصرح الشامخ. أما هذا الأسلوب المتبع الآن، فإنه سوف يؤدِّي إلى زعزعة هذا البناء.. وإن الخطر كل الخطر على وطننا أن تتفكك جبهته الداخلية. فهذا الأسلوب المتبع في إثارة الشعب وتفرقته وفي التعليق على كل كلمة أو نقد بأنه يخدم الاستعمار، إنما هو التهديم الأكيد لكيان الشعب..
لقد أصبحت معتقدًا اعتقادًا جازمًا بأنه إذا دامت الحال على هذا المنوال فلا يبعد أن تكون سورية مسرحًا لاضطرابات وفوضى كما يحدث الآن في بعض الأقطار العربية.
وأقول لكم بصراحة إنني أصبحت أعتقد بأنه ليس بإمكاني أن أقوم بواجباتي النيابية تجاه الشعب في مثل هذا الجو الذي نعيش فيه ولا أن أتحمل المسؤولية تجاه الذين وضعوا ثقتهم في شخصي.. وأقول للزميل بكداش بأنه يعلم من قارع الأجنبي ومن دخل السجون.. والظاهر أنه يريد الآن أن تعم الفوضى ويسود الاضطراب في كل البلاد العربية.
لهذه الأسباب أستقيل من النيابة».
وقد انبرى أحمد قنبر للذين لا يجدون عملًا بناء يقدِّمونه للبلاد، فانكفأوا على تهديم الآخرين، واتباع أسلوب الإثارة.. وأعلن «من على هذا المنبر أنني أخالف هذه الحكومة في سياستها الخارجية والعربية والداخلية والاقتصادية، وسأسعى كنائب في هذا المجلس وضمن القانون والدستور، إلى مقاومة لا هوادة فيها، لأنني أعتقد أن كل يوم تستمر فيه إنما هو ضرر وخراب على البلاد..».
وقد ألقيت خطابًا قلت فيه إنه لا يصدِّق أحد ما قاله أحد الوزراء (فاخر الكيالي) في حق أحمد قنبر، بل هو نفسه لا يصدِّق ذلك.. واقترحت طيّ الموضوع تفاديًا من عواقبه الوخيمة، وقد تقدَّمت باقتراح مع الأستاذ رئيف الملقي قلنا فيه:
«بما أن موضوع التهمة الموجهة إلى الأستاذ أحمد قنبر على لسان الأستاذ فاخر الكيالي (التآمر على سلامة الدولة) كانت صادرة في جلسة صاخبة وفي حالة غضب. وفي يقيننا أن صاحبها لم يقصد حقيقة ما قاله، وأن المجلس ينزه الأستاذ أحمد قنبر عن مثل هذه التهمة، لذلك نطلب اعتبار الموضوع منتهيًا عند هذا الحد..»[2].
وفيما يلي نص استقالة الكيخيا:
دولة رئيس مجلس النواب الموقر.
أعلن لدولتكم استقالتي من مجلس النواب مقدمًا لدولتكم وللزملاء الكرام أطيب التمنيات مع وافر الاحترام.
1/6/1957 رشدي الكيخيا
وحين تلا رئيس المجلس كتاب الاستقالة هذا سيطر على النواب جو عميق من الوجوم والدهشة، فجمدت الأقلام على الأصابع وتبادلنا النظرات المذهولة من دون أن نصدِّق ما سمعنا، حتى خصوم الكيخيا أصيبوا بذهول المفاجأة.
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
وأعلن أكرم الحوراني، رئيس المجلس، بعدم جواز الاستقالة في هذه الدورة لأن النظام الداخلي يمنع بحث أي موضوع غير الميزانية في دورة الميزانية.
وأيَّده في تأجيل البحث رئيس الوزراء صبري العسلي.
وطرح رئيس المجلس موضوع التأجيل على التصويت فارتفعت الأيدي بالإجماع موافقة عليه.
ولست أدري بماذا أحسَّتْ ضمائر الظالمين في تلك الساعة القاتمة!
وبعد هذه الجلسة، لم يعد رشدي الكيخيا إلى قاعة المجلس، فخسرته البلاد نائبًا صلبًا وصاحب مبدأ لم يغره المنصب ولم يمد يده إلى المال السحت.. وكذلك كان إخوانه يسيرون على سنته، تأسيًا بسلوكه المثالي، واستمساكًا بمبادئ الاستقامة التي طبعت سلوكهم، وانبثقت من أعماق قناعاتهم.
وقد بذلت مساع كثيرة لإقناعه بالعدول عن استقالته.. ومن هذه المساعي الكريمة الدعوة التي وجهها إليه الرئيس جمال عبد الناصر لزيارته في القاهرة. وقد لبى الدعوة في خريف 1957 غير أنه لم يتحدَّث عما جرى في المقابلة[3]. وقد فسرت هذه الدعوة بأنها تكريم رائع لزعيم مخلص وقومي حر معتدل.
ومن المؤكَّد أن الرئيس عبد الناصر كان ملمًا إلمامًا دقيقًا بخفايا السياسة السورية، التي لم يكن فيها كثير من الخفايا أصلًا.. فقد كان سفيره في دمشق الأستاذ محمود رياض وثيق الصلة بكل الأحزاب والهيئات السياسية وأصحاب النفوذ من الضباط.
وكنت واحدًا من الذين كان يتصل بهم. وقد بلغ من عظيم تقديرنا لمصر التي كنا ننادي بالوحدة معها جميعًا، أننا شكلنا مرة في مكتب السفير رياض إحدى الحكومات السورية، وكنت أنا أمثل حزب الشعب في تلك المحادثات.
وقد تحدَّث محمود رياض في مذكراته عن رشدي الكيخيا فقال فيه ما يلي[4]:
«ولم تكن أحاديثي مقصورة على حزب البعث فقد كانت اتصالاتي مستمرة مع كافة السياسيين، وخاصة أصحاب الرأي والمكانة في البلاد مثل رشدي الكيخيا وناظم القدسي.
وكان رشدي رئيس حزب الشعب محل احترام الجميع. فقد كان عفّ اللسان مترفعًا عن المناصب، ورفض ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية على الرغم من إلحاح أعضاء حزبه»[5].
ورفض كافة المناصب الوزارية التي عرضت عليه. وكان يؤمن بالديمقراطية الحقة ويرفض حكم الجيش أو ازدواجية الحكم، كما كان يأخذ على حزب البعث اكتساب القوة والنفوذ عن طريق أفراد من القوات المسلحة.
وقد رأيت أهمية لقائه مع عبد الناصر. فهو يمثل التيار السياسي الوطني المحافظ. وقد ترك هذا اللقاء مع عبد الناصر أثرًا طيبًا لدى الطرفين.
وكان رشدي الكيخيا من المؤمنين بالوحدة العربية، ويتفق معي في الرأي حول المخاطر التي يمكن أن تتعرَّض لها الوحدة ما لم تتخذ الخطوات السليمة لحمايتها. وعندما طرحت الوحدة على المجلس النيابي السوري كان رشدي الكيخيا من الذين أيَّدوها بقوة».
وهذه شهادة مشرفة مخلصة من مصري كان مفروضًا فيه أن يقول غير هذا القول لو صح ما روج المغرضون عن حزب الشعب عامة وعن رشدي الكيخيا خاصة، لكن لا يعرف الفضل إلا ذووه.
وقد تداول الحزب في موضوع استقالة الكيخيا، وكان على استعداد لاستقالة جماعية تضامنًا مع رئيسه، إلا أنه رحمه الله رفض أي خطوة من هذا القبيل لأن حالة البلاد القلقة لا تسمح بأية هزّة، ثم لأن من المحتمل أن يقدِّم وجودنا في المجلس خدمة قانونية أو إنسانية، إذا حيل بينه وبين الخدمات السياسية.
ولم يعد رشدي الكيخيا إلى مجلس النواب بعد هذه الجلسة، إلا مرة واحدة، حين تمَّ التصويت على الوحدة مع مصر، فأدلى بصوته إلى جانبها وغادر القاعة ولم يعد بعدها إليها مرة أخرى.
وظلَّ الفراغ الذي تركه خلفه موحشًا حقًّا، لأنه لم يظفر بمَن يملؤه بمثل نزاهة رشدي الكيخيا وكفاءته السياسية النادرة.
وظللنا نحن إخوانه نفتقد قيادته الحكيمة، كلما وقعت أعيننا على كرسيه التقليدي في القاعة الخالدة.
لكن، تلك كانت رغبته!
الحواشي:
[1] أصدر عماد نداف، في دمشق عام 1993 كتابًا عنوانه: «خالد بكداش يتحدَّث». وقد خصَّص فيه فصلًا مستقلًّا عن رأي الأستاذ بكداش في الوحدة العربية.
[2] راجع محضر جلسة 11 أيار 1957، ص819.
[3] انظر في ذلك: خالد العظم، المذكرات، ج3، ص118، وباتريك سيل، ص419.
[4] الجزء الثاني، بيروت عام 1986، ص204.
[5] والحقيقة أن جميع الأحزاب والكتل عرضت عليه الرئاسة.