الفصل الثالث عشر، الجزء 3: آلام المخاض إلى الوحدة: الجلسة المشتركة
ر. يوم 18 تشرين الأول حضر إلى دمشق وفد نيابي برئاسة رئيس مجلس الأمة المصري أنور السادات يضم 40 عضوًا، واستقبلناهم في المجلس بوصفهم نوابًا سوريين. وقد جلسوا معنا وبيننا في جلسة مشتركة تاريخية. وألقى أكرم الحوراني رئيس المجلس خطابًا جاء فيه ما يلي: «تجلَّت إرادة شعبنا الأبي في مصر وسورية في التعبير عن حقيقته القومية، حين أعلن في صلب الدستور المصري والسوري أن الشعب العربي في مصر وسورية جزء من الأمة العربية.
وبما أن الدستورين المصري والسوري قد أقرا بأن النائب إنما يمثل الشعب جميعه وأن وكالته لا تحد بقيد أو شرط، لذلك فإنني حين أرحب بإخواني الأكارم نواب القطر المصري وأقول لهم بأنكم هنا في مجلسكم وأن نيابتكم تشمل أيضًا تمثيل الشعب العربي في سورية، فلا أقولها مدفوعًا بعاطفة الأخوة فحسب، وإنما أقولها نزولًا عند إرادة شعبنا الأبي في مصر وسورية. فأهلًا بنواب الأمة العربية في تحقيق الوحدة العربية.
والعجب كل العجب أن يبقى على وجه البسيطة مكابر واحد يماري في الحق فيدعي بأن سورية قد أصبحت ملعبًا للشيوعية الدولية أو قاعدة للاتحاد السوفياتي.
وأن مصر الثورة، مصر العروبة بشعبها الباسل وجيشها المغوار ورئيسها العظيم جمال عبد الناصر، خاضت المعركة على أنها معركة بقاء القومية العربية وحمايتها من المحق والإبادة..
وقد خرجت أميركا من وراء الستار وتسلمت من بريطانيا وفرنسا زمام المبادرة وطرحت علينا مشروع الاستعمار المسمى بمشروع أيزنهاور وسلطت علينا كل ما تملكه من وسائل الضغط والإكراه المادية والأدبية..
وجاء جواب القومية العربية الأول على لسان الشقيقة العظيمة مصر، إذ سارعت في إرسال قواتها العسكرية إلى سورية، ليشترك دم الجندي العربي في مصر، مع دم الجندي العربي في سورية في الذود عن الحدود الشمالية للوطن العربي.. ويجب ألا يغيب عنا لحظة أن طبيعة العمل للوحدة العربية، طبيعة ثورية: ثورة على الأغلال والقيود الداخلية والنظم المهترئة الفاسدة.. وثورة على الاستعمار ومخلفاته وعملائه..».
وتلاه رئيس المجلس المصري أنور السادات فقال:
«أحييكم تحية صادقة عربية، وأحمل إليكم من بلدكم الآخر تحية وشكرًا. وأحمل إليكم من رئيس مصر ومن مجلس مصر ومن شعب مصر، التحية والشكر.. فأنتم الأخوة الذين وقفتم إلى جانب مصر في ساعة الشدة.. ولقد شاهدت اليوم صباحًا جنود سورية وجنود مصر يعملون جنبًا إلى جنب، وأؤكِّد لكم أنني لم أستطع أن أكتم مشاعري وأنا أرى هذه الزمالة النبيلة..
إن التاريخ يحكي لنا أنه ما من مرة انعزلت فيها سورية عن مصر أو انعزلت فيها مصر عن سورية إلا وحلت بالعرب الكوارث والنكبات.
نحن نريد الاتحاد بين مصر وسورية لكي نحافظ على سلام العالم أجمع.. ونحن لسنا مع كتلة من الكتل، وإنما نحن قوميون ونحن عرب..
وإني حين أحمل إليكم تحية مصر، أحمل أيضًا مشاركة فعلية في السراء والضراء..»[1].
وتكلَّم الأستاذ صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء:
«إن الأمة العربية حزمت أمرها اليوم على أن تحيا الحياة الحرة الكريمة، وتنبهت فيها كوامن قوميتها الخالدة التي أدَّت إلى الحضارة الإنسانية أجل الخدمات..
ولعل أعظم حقيقة اتضحت حتى للمكابرين من الأعداء هذه الوحدة الكاملة في الروح والاتجاه والوسيلة، وفي خطوط السياسة العامة بين جمهوريتي مصر وسورية..
وإن هذا الاجتماع التاريخي الرائع الذي يضم ممثلي مجلس الأمة في الجمهوريتين كأنّهما مجلس واحد، يتعاقب على رئاسة جلسته أخوان جمعهما كما جمع شعبهما، الدم والتاريخ واللغة والآمال والآلام، لهو من مباهج الواقع الضاحك..
وإني لأؤكِّد باسم الحكومة السورية التي أتشرف برئاستها، أن الحكومة السورية.. لن ترضى بهذه الحدود الضيقة من الاتحاد، بل إنها ترى أن ما تحقق حتى اليوم ليس إلا الجزء الأقل مما يمليه الواجب الوطني.
وإن الشهداء الأبرار والصديقين الأخيار الذين فاضت أرواحهم إلى بارئها في مسارح المجد والفخار دفاعًا عن الوطن والأهل والديار، نرجو أن ينظروا إلينا في هذا اليوم من عليائهم، مطمئنة أرواحهم إلى أن الأرض التي سقوها بدمائهم قد ورثها عباد صالحون، على البر والتقوى متعاونون، وفي سبيل وحدة العرب عاملون».
وتكلَّم الأستاذ علي بوظو عن حزب الشعب كلمة مطولة جامعة. ومما جاء فيها: «أيها الأخوة، لقد كنا قبل ألف سنة أمة واحدة لا تقف بيننا هذه الحدود المصطنعة الزائفة التي أقامها المستعمر. ففرقنا إلى دويلات مشتتة حتى يسهل عليه استعبادنا والاستئثار بخيراتنا.. وأقام في قلب أوطاننا لشذاذ الآفاق وطنًا زائفًا.. وشرد أهله أصحاب الحق الطبيعي.. عراة جياعًا يعيشون تحت خيام مهلهلة.
إن سورية بجميع أحزابها وهيئاتها النيابية، اجتمعت على وضع ميثاق وطني وجعلت في أعلى أهدافه إقامة اتحاد فدرالي بين مصر وسورية يكون نواة لاتحاد عربي شامل..
إن دعوتنا إلى الوحدة العربية ليست وليدة ظرف حاضر نقدره، لكنها نتيجة عوامل تاريخية بعيدة.. فقد ربطت بلدينا عبر الأجيال أهداف ووقائع مشتركة وامتزجت دماؤنا بدمائكم في أكثر من معركة فاصلة، حفظنا فيها للعروبة حياتها في أكبر غزوة استعمارية في القرن السادس الهجري (الحروب الصليبية)..
واليوم أيضًا نرى الاستعمار يتكالب على ثروات بلادنا، ويتطلع بشره إلى الاستئثار بكنوزنا، ويحاول العودة إلينا ليمثل المآسي التي أصابنا من صروفها شتّى ضروب العسف والجور..
لكن بطلًا عربيًّا مؤمنًا أودع الله فيه خصائص القيادة الحكيمة الواعية هو الرئيس جمال عبد الناصر يدوي صوته ويدوي صوت سورية معه، بأن لا فراغ في هذه المنطقة، ولن تملأ هذا الفراغ إلا القومية العربية.
لقد استطاع الرئيس عبد الناصر أن يدفع القضية العربية سنوات عديدة إلى الأمام.. فليس عجيبًا أن يطير صواب المستعمرين من يقظة العملاق الجبار..
أيها الأخوة: لقد قرَّرنا في دستورنا وقرَّرتم في دستوركم نصين متماثلين بأننا جزء من الأمة العربية، وقد أقسمنا بالله العظيم على الإخلاص للدستور والدفاع عنه والعمل على تحقيق الوحدة العربية.. فلنطالب حكومتنا بحث الخطى لاستكمال أسباب الوحدة بأقصى ما يمكن من السرعة ولنجعل من هذه الجلسة المباركة جلسة تاريخية نعبر فيها عن إرادة شعبينا في الوحدة التامة..
إننا نبتهل إلى الله بقلوب حرة أمضها واقع وطنها الأكبر، أن يمن علينا بغد قريب نسعد فيه برؤية المواطن العربي الحر ينتقل من الدار البيضاء إلى صنعاء، ومن أقصى ريف الجزائر إلى أقصى بادية الشام، ومن ضفاف النيل إلى ذرى الجليل وثغور حيفا وبيروت..
ونرجو إخواننا أن يرفعوا إلى الشعب الشقيق في أرض الكنانة مشاعر أشقائهم في سورية وما تنطوي عليه أفئدتهم المخلصة لشعب مصر وقائدها العظيم الرئيس جمال عبد الناصر من حب وتقدير ووفاء وإخاء..».
وكانت جلسة تاريخية بحق. كان بعضنا فيها لا يكتم دموعه من التساقط.. وكانت الهتافات تهز الجو.. وكان التصفيق يقطع الأكف.
كان هذا اليوم يومًا مباركًا في حياة العرب.. فقد وضعت فيه اللبنة الأولى لدولة اتحادية عربية، من دون انقلابات ولا دماء.
وعلى الأثر تلي تقرير لجنة الشؤون الخارجية السورية التي كنت عضوًا فيها ولجنة الشؤون الخارجية المصرية، وتمَّ الاتفاق على نص مشترك عرضه رئيس المجلس على النواب.
وفيما يلي مقتطفات من الأسباب الموجبة ونص التقرير:
«استجابة لرغبة الشعب العربي في دنيا العرب، وتحقيقًا لمبادئ الدستورين المصري والسوري بأن شعبهما هو جزء من الأمة العربية.
ولما كانت وحدة الأقطار العربية أمنية الأمة الغالية، وكان العمل لتحقيق هذا الهدف السامي المقدس واجبًا قوميًّا على كل عربي، وأمانة في عنق نواب الشعب العربي.
وكان الاستعمار يقف عقبة كأداء في سبيل تحقيق الوحدة، ويعمل جاهدًا على إبقاء الأمة العربية مجزأة مشتتة الشمل، بما يحيك لها من مؤامرات ويصطنع لها من أحداث ليمنع عنها الاتحاد والتحرُّر.
وكانت مصر وسورية الشقيقتان قد كافحتا الاستعمار فانتزعتا استقلالهما ووطدتا سيادتهما وانتهجتا في سياستهما الخارجية نهجًا حياديًّا بين القوى المتصارعة، مستوحى من مصالحهما القومية وأهدافهما المشتركة..
وكان ما تمَّ بين البلدين حتى اليوم ليعتبر الحجر الأساسي في إقامة اتحاد عربي بينهما، سواء أكان ذلك في الميدان العسكري حيث تحقَّق توحيد الجيشين وأصبحت القوات المصرية والسورية تعمل تحت قيادة موحدة..
وكانت المباحثات بين القطرين دائرة لوضع نظام اقتصادي موجه متكامل وموحد..
وكانت الظروف الداخلية والأحداث الخارجية التي تعصف بالعالم العربي تفرض عليه أن يحثَّ الخطى لإقامة هذا الاتحاد حفظًا لكيانه وتوطيدًا لاستقلاله.. لهذه الأسباب مجتمعة فإن أعضاء وفد مجلس الأمة المصري وأعضاء لجنة الشؤون الخارجية المجتمعين معًا بتاريخ 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1957. يقترحون الاقتراع على القرار التالي:
«إن نواب المجلسين المجتمعين، إذ يعلنون رغبة الشعب العربي في مصر وسورية بإقامة اتحاد فدرالي بين القطرين، يباركون الخطوات العملية التي اتخذتها الحكومتان السورية والمصرية في سبيل تحقيق هذا الاتحاد ويدعون حكومتي مصر وسورية للدخول فورًا في مباحثات مشتركة بغية استكمال أسباب تنفيذ هذا الاتحاد».
وكان بعض النواب قد تقدَّموا باقتراحات لتعديل هذا التقرير. لكنهم سحبوا اقتراحاتهم، حتى تظلَّ الموافقة الإجماعية عملًا تاريخيًّا واحدًا موحدًا.
وحين جرى التصويت على هذا التقرير تمَّت الموافقة عليه بالإجماع بين التصفيق والهتاف. وقد جاءت برقية من السيد عبد اللطيف البغدادي رئيس مجلس الأمة المصري تليت في جلسة مجلس النواب السوري بتاريخ 30 تشرين الثاني 1957 يعلم فيها المجلس بأن: «مجلس الأمة المصري بجلسته المنعقدة مساء الاثنين 26 ربيع الثاني 1377 الموافق 18 نوفمبر 1957 قد وافق بالإجماع على القرار الذي اتخذه في نفس الليلة مجلس النواب السوري.. في إقامة اتحاد فدرالي بين القطرين، ويدعون حكومتي مصر وسورية للدخول فورًا في مباحثات مشتركة بغية استكمال أسباب تنفيذ هذا الاتحاد».
الحواشي:
[1] أصبح أنور السادات رئيسًا لجمهورية مصر بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، في 15 تشرين الأول 1970 بعد استفتاء نال فيه 90% من أصوات المقترعين. ومات مقتولًا برصاص أحد الأصوليين الملازم خالد الإسلامبولي، بينما كان جالسًا على منصة عرض عسكري في القاهرة يوم 6 تشرين الأول 1981، واعترف القاتل وشركاه بأنهم قتلوه لأنه زار إسرائيل وفتح لها أبواب مصر.
وقد أعدم القاتل وبعض شركائه لاشتراكهم في الإعداد للقتل وتنفيذه.
انظر كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل: خريف الغضب، مطابع دار طلاس، دمشق.