الفصل الثالث عشر، الجزء 4: آلام المخاض إلى الوحدة: الاندفاع إلى الوحدة

اقرأ بالإنكليزية

ح. بعد ذلك حدثت المفاجأة الكبرى. وأترك لوزير الدفاع خالد العظم أن يحدثنا عنها. فقد كتب في مذكراته ما يلي[1]:

«في صباح 12 كانون الثاني 1958 جاء إلى مكتبي الزعيم أمين النفوري وقال لي، وعلى وجهه ابتسامة لم أدرك معناها: اجتمع الإخوان - وهو يقصد زملاءه رؤساء الشعب ورئيس أركان الجيش - وبحثوا قضية الاتحاد الفدرالي مع مصر، فوجدوا أن الأفضل أن يكون الاتحاد على أساس الوحدة الشاملة. وهكذا ألفوا وفدًا من الضباط برئاسة البزري وسافروا بعد منتصف الليل إلى القاهرة ليحملوا قرارهم إلى الرئيس عبد الناصر[2]. ثم سلمني مذكرة مطبوعة على الآلة الكاتبة تحوي مطالب الضباط».

وقد أورد العظم هذه المذكرة بنصها الحرفي، وأنا أجتزئ منها الآتي:

1. دستور واحد يعلن إنشاء الجمهورية العربية المتحدة الجديدة.

2. رئيس دولة واحد.

3. سلطة تشريعية واحدة.

4. سلطة تنفيذية واحدة.

5. سلطة قضائية واحدة.

6. علم واحد وعاصمة واحدة.

7. قائد أعلى للقوات المسلحة للدولة العربية الجديدة (رئيس الجمهورية الاتحادية).

8. مجلس دفاع أعلى.

9. قيادة عامة للقوات المسلحة.

وجاء في المذكرة:

«.. وتعلن القيادة العامة باسم جميع القوات المسلحة أنها على أتم استعداد لتحمل جميع الواجبات الدفاعية التي تقتضيها الوحدة الفورية، وتعتبر نفسها منذ الآن ملزمة بتنفيذ كل ما تتلقَّاه من أوامر وتوجيهات تعطى لها من القيادة العامة الموحدة، مهما ترتَّب على هذا التنفيذ.

وفي الوقت نفسه «تتحمَّل كل حكومة أو فئة تتهاون في تنفيذ هذه الوحدة خطورة ونتيجة عملها تجاه الشعب العربي بأسره وتجاه الأجيال الصاعدة..».

وكانت هذه الوثيقة بتوقيع القائد العام للجيش والقوات المسلحة، بتاريخ 11/1/1958.

ويتابع خالد العظم: «بعد أن تلوت هذه المذكرة قلت للزعيم النفوري أما كان من الأجدر أن تطلعوا الحكومة على قراركم وتبحثوا الأمر معها قبل سفركم إلى القاهرة؟».

وهتفت للعسلي (رئيس الوزارة) فأكد لي أنه استلم نسخة من المذكرة. وكنت قبل يومين اجتمعت إلى رئيس الجمهورية وقلت له إن البعثيين ينادون بتوحيد رئاسة الدولة ووزارتي الخارجية والدفاع، ثم استطلعت رأيه فقال لي بعصبية ظاهرة: لا، لا، لا شيء سوى ما أقترحه أنا من اتحاد فدرالي لا. لا.

لكن حين اجتمعنا في اليوم التالي مع الرئيس القوتلي وجدناه غير رأيه، وراح يمدح الوحدة، وذكر أنه أمضى 40 سنة من العمل على تحقيقها وأنه مؤيد لفكرة الوحدة الشاملة فورًا..»[3].

وقد لحق صلاح البيطار (وزير الخارجية) بالوفد العسكري بناء على قرار شفهي من مجلس الوزراء، ليستطلع الأمور ويرى ما هو الحد الأدنى الذي تقبل به الحكومة المصرية. إلا أن هذا القرار لا يتضمَّن تفويضًا بالاتفاق مع مصر.

ويتحدَّث الأستاذ أكرم الحوراني في مذكراته[4] عن صلاح البيطار، الذي هو أحد زعماء البعث الثلاثة في هذه المرحلة كما يلي:

«هكذا يظهر أن الأستاذ صلاح قام بالدور المتمم لدور السراج من وراء ظهر الحزب، الذي كان أحد أعضاء قيادته، ومن وراء ظهر الحكومة التي كان وزير الخارجية فيها..

لقد استجر صلاح البيطار ضباط الجيش بالخديعة والتخويف لتقرير أخطر الأمور التي ليست من صلاحيتهم ولا من اختصاصهم».

وقد وضع الرئيس عبد الناصر النقاط على الحروف في حديثه مع الوفد السوري، أثناء محادثات الوحدة الثلاثية في القاهرة عام 1963 (التي طبعت في كتاب دار الأهرام، ص56) حين جابه أعضاءه بحقيقة دورهم في إقامة الوحدة بقوله:

«الوحدة من الذي عملها؟ عملها الضباط قبل أن تعرف الحكومة. هل شكري القوتلي هو الذي عملها؟». وعن هذا التساؤل أجابه ميشيل عفلق بأن الحزب (أي حزب البعث) هو الذي عمل للوحدة.. ويرد الأستاذ أكرم الحوراني في مذكراته (الحلقة ذاتها) «بأن قول ميشيل عفلق عن دور الحزب مخالف للحقيقة، لأن الحزب أقر الاتحاد الفدرالي وليس الوحدة الاندماجية».

وفي القاهرة تمَّ الاتفاق على نص جديد.

وفي يوم 22 كانون الثاني 1958 عقد اجتماع لمجلس الوزراء السوري برئاسة رئيس الجمهورية وحضور رئيس مجلس النواب ورئيس الأركان العامة عفيف البزري ومعاونيه الأربعة أمين النفوري وعبد الحميد السراج وأحمد عبد الكريم ومصطفى حمدون. ولم ينبس هؤلاء الضباط ببنت شفة.. واكتفوا بحضورهم لإثبات دعمهم والضغط على من تسول له نفسه من الوزراء الاعتراض أو عدم الموافقة.

وافتتح رئيس الجمهورية هذا الاجتماع بحديث حشاه بكلمات العروبة والعرب والمجد والسؤدد.

ثم تبعه صلاح البيطار، فتلا محضر المباحثات التي دارت في القاهرة، مدعيًا أنه توصل إليها، مع أن الصحيح هو أنه اشترك في آخر اجتماع عقد بين عبد الناصر والضباط السوريين، حيث اتفق الجميع على صيغة جاء فيها:

أنه تمَّ الاتفاق بين سيادة الرئيس جمال عبد الناصر وسيادة وزير الخارجية السورية السيد صلاح البيطار والمفوض من قبل الحكومة السورية، لبحث توحيد القطرين العربيين مصر وسورية.

وتمَّ الاتفاق على الآتي:

1. شكل الاتحاد: يكون نظام الحكم رئاسيًّا ويتولَّى السلطة التنفيذية رئيس الدولة يعاونه وزراء معينون من قبل الرئيس.

ويتولَّى السلطة التشريعية مجلس تشريعي واحد، ينتخب انتخابًا حرًا مباشرً من قبل الشعب.

2. يعقد اجتماع بين الرئيسين وممثلين عن الحكومتين لإعلان قيام الدولة المتحدة.

3. يجتمع المجلسان التشريعيان في وقت واحد في دمشق والقاهرة لإصدار القرارات التالية:

أ. قيام الدولة العربية المتحدة.

ب. ترشيح رئيس الدولة.

ج. تفويض رئيس الدولة بإصدار دستور مؤقت.

4. استفتاء الشعب في مصر وسورية على القرارات التي أصدرتها المجالس التشريعية.

5. على إثر ظهور نتائج الاستفتاء يعلن الرئيس الدستور المؤقت ويباشر سلطته التنفيذية.

وبعد ذلك تأتي المرحلة الثانية التي تتضمَّن وضع دستور دائم للدولة وإنشاء الاتحاد القومي ليحل محل الأحزاب وإجراء انتخابات وفقًا لأحكام الدستور الدائم والعمل على توحيد مرافق الدولة.

ومن أعجب العجائب أن ينتقد خالد العظم «تدخل الجيش في السياسة» مع أنه كان يبارك هذا التدخل إذا كان من أهدافه إدخاله في الحكم. وقد اعترف في مذكراته نفسها بأنه كان يعقد اجتماعات مع رؤساء الشعب في الجيش لتقرير سياسة الدولة. وكان يحضر الاجتماعات النائب خالد بكداش.

وفي 30 كانون الثاني انتقل الرئيس شكري القوتلي ومجلس الوزراء ومجموعة من الضباط إلى القاهرة، ومن هناك أعلن صبري العسلي في 1 شباط 1958 محضر اجتماع للوفدين السوري والمصري على شبكات الأثير[5].

وقد اجتمع مجلس النواب السوري يوم 5 شباط، فاستمع إلى خطاب رئيس المجلس أكرم الحوراني وخطاب رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ثم جرى التصويت على المبادئ التي قرأها الرئيس القوتلي وهي مبادئ القاهرة.

ثم وقع النواب الحاضرون على إعلان الوحدة وإجراء الاستفتاء لانتخاب رئيس الجمهورية ومنحه صلاحية إصدار الدستور المؤقت[6].

وقد غاب عن هذه الجلسة بإجازة النائبان محمد المبارك وإلياس نجار. وغاب عنها من دون إجازة النواب تركي بن مهيد ودحَّام الدندل (بعثي سابق) وفرزت المملوك وفيصل العسلي ومحمد سليمان الأحمد )الشاعر الموهوب بدوي الجبل( ونوري بن مهيد وخالد بكداش وفايق منَّان.

وأكثر هؤلاء النواب متوارون من وجه العدالة.

وتمَّت الموافقة بالإجماع وبالتصفيق وقوفًا.

وقد حضر رشدي الكيخيا هذه الجلسة ووافق على ما عرض فيها.. وكانت هذه الجلسة الوحيدة التي حضرها بعد أن قدَّم استقالته، تدليلًا منه على مدى شعوره بالمسؤولية، واستمساكه بمبادئ الوحدة. فلم يشأ أن يتمسَّك باستقالة لم تقبل. وبعدها عاد إلى هدوئه الذي فطره الله عليه.

والذي يسترعي الانتباه هو غياب خالد بكداش عن هذه الجلسة، فقد غادر البلاد إلى بلد من بلدان المنظومة الاشتراكية.

وقد جرى الاستفتاء على قيام الوحدة وعلى انتخاب رئيس الجمهورية في 22 شباط، وكانت نتيجته فوزًا ساحقًا للاتجاه الوحدوي.

وقد منح أكرم الحوراني، رئيس مجلس النواب، لقب «المواطن العربي الأول» للرئيس شكري القوتلي، فَسُرَّ به كثيرًا.

وفي الحال أبرق القوتلي إلى الرئيس عبد الناصر البرقية التالية:

«أرى من واجبي أن أكون المواطن الأول في الدولة الجديدة، يرشح ويهنئ سيادة الرئيس جمال عبد الناصر رئيسًا للجمهورية العربية المتحدة».

لكن القوتلي بقي شخصية هامة، يزوره في بيته مَن يزور دمشق من الملوك والرؤساء، تكريمًا له.

وقد وصل الرئيس عبد الناصر إلى دمشق في هذا اليوم نفسه وقدَّمت له الحكومة استقالتها.

وفي 5 آذار 1958 أعلن الرئيس الدستور المؤقت.

وفي 6 آذار أعلن مراسيم تشكيل الحكومة.

وقد اختارني وزيرًا للعدل في دولة الوحدة. وقد شعرت بالاعتزاز لهذا التكريم، ولم أكن أجهل مصاعب العمل في هذا الدور التاريخي.

وقرّر حل الأحزاب كما تمَّ الاتفاق عليه[7].

وبذلك لم يعد وجود قانوني لحزب الشعب ولا لغيره. وقد التزمنا بهذا الحل بكل أمانة. لكن العلاقات الشخصية لم تنقطع. فقد بقيت على علاقة ممتازة برشدي الكيخيا وناظم القدسي ومعروف الدواليبي وأحمد قنبر وعلي بوظو ورشاد جبري ورشاد برمدا وراتب الحسامي. ومنهم من أصبح عضوًا في مجلس النواب الموحد.. ومنهم من قبل وظيفة في الدولة خدمها بكل كفاءة وإخلاص.. ومنهم من أخلد إلى الراحة راضيًا مرضيًا. وقد التحق أكثرهم برحاب ربهم، رحمهم الله.

وقد نعمنا بهذه الوحدة التي تمَّت بالرضا المتبادل وكانت لبنة قوية في بناء صرح الأمة العربية، واندحارًا ماحقًا لدعاة الإقليمية.

وأرى أن الذي حققه عبد الناصر شخصيًّا في قيادته لمصر على طريق الوحدة ودحر دعاة الفرعونية سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه.

الحواشي:

[1] ج3، الفصل الثاني، ص123.

[2] هؤلاء الضباط هم: عفيف البزري، مصطفى حمدون، أحمد عبد الكريم، أحمد حنيدي، طعمة العوة الله، حسين حدة، عبد الغني قنوت، محمد النسر، يس فرجاني، عبد الله جسومة، جادو عز الدين، مصطفى رام حمداني، أكرم الديري، جمال الصوفي، عبد الحميد السراج، الذي انضمَّ إليهم فيما بعد (عن محمود رياض وراشد الكيلاني، ص165).
ويذكر الأستاذ أكرم الحوراني هؤلاء الضباط كما يلي: عفيف البزرة، مصطفى حمدون، عبد الغني قنوت، أكرم الديري، حسين حدة، جمال الصوفي، بشير صدق، محمد النسر، أمين الحافظ، أحمد حنيدي، طعمة العودة الله، نور الله الحاج إبراهيم، ياسين الفرجاني.
مذكرات سنوات الثلج والنار، الحلقة 22، جريدة الشرق الأوسط عدد 9/8/1997.

[3] من المفيد قراءة نص مقابلة بين الرئيس شكري القوتلي وبين المؤرخ الفرنسي Benoist-Mechin في كتابه Printemps-Arabe، ص311، حيث أظهر الرئيس حماسًا مذهلًا للوحدة واستصغارًا لشأن معارضيها. ولكنه يوم الانفصال اتصل هاتفيًّا بمأمون الكزبري رئيس العهد الانفصالي وهنأه على الحدث الكريه.
انظر: مذكرات الفريق عبد الكريم زهر الدين، ص91.
وقد أخبرني مَن أثق بحسن اطلاعه على خفايا الأمور في تلك الأيام أن الرئيس القوتلي فوجئ بسفر الوفد إلى مصر. وقد وجَّه رسالة سرية إلى ملك السعودية يخبره فيها بأنه لم يعد قادرًا على وقف تطوُّر الأمور في تسارعها إلى الوحدة.. كأنما يعتذر إليه عن سيره في ركاب السائرين في الليل.

[4] سنوات الثلج والنار، الحلقة 23، جريدة الشرق الأوسط عدد 11/8/1997. وقد طبعت هذه المذكرات في مصر عام 2000 في أربعة مجلدات.

[5] انظر إعلان الوحدة في الملحق رقم 9.

[6] يراجع نص خطاب أكرم حوراني رئيس مجلس النواب وخطاب رئيس الجمهورية شكري القوتلي في محضر جلسة 5 شباط 1958.

[7] يقول أكرم الحوراني في مذكراته سنوات الثلج والنار (جريدة الشرق الأوسط عدد 9/8/97): «لم يعترض أحد من المجتمعين (حزب البعث) على حل الحزب في سورية تسهيلًا لقيام الوحدة.. وكان المجتمعون جميعًا موافقين على حل الحزب لا أستثني منهم أحدًا وعلى رأسهم ميشيل عفلق..».
انظر البحث الذي وضعه الأستاذ نبيل صادق عن «الهوية المصرية ونشرته مجلة صباح الخير في 23 مايو 2000».