تصدير المؤلف: شخصية متعددة المواهب
بسم الله الرحمن الرحيم
من الجهود الطيبة التي يبذلها مجمع اللغة العربية بدمشق تسليط الأضواء على سِيَرِ كوكبة من أعضائه الراحلين الذين خدموا أمتهم بإخلاص، وهاموا بلغتها الخالدة، ووقفوا أنفسهم للذود عن حدودها، والنهوض بواقعها إلى المكانة الجديرة بها، ويجيء في طليعة هذه الكوكبة الدكتور عبد الوهاب حومد رحمه الله.
لم يكن الدكتور حومد شخصية عادية، وإنما تعددت المواهب في شخصيته، فهو القانوني القدير، والبرلماني المجليّ، والوزير الحصيف، والجامعيّ المتألق، والشاعر المرهف، وهو الوطني سلوكًا وأداءً وانتماءً، والقومي الصُلب إيمانًا وعقيدةً وسموًّا وإباء، والإنساني نزوعًا وشعورًا وعاطفةً ووفاء.
عانى ويلات الحروب في أوربا فما استكانت له عزيمة، وتعرض للتهديد فما خضع ولا استكان للابتزاز، وزُجَّ به في أعماق السجون فما لانت له قناة، وكابد آلام البعاد عن الأهل والوطن فما فتر لديه انتماء، وما غاض له وفاء. فظل طوال حياته منسجمًا مع مبادئه وقناعاته في حلّه وترحاله، لا يساوم، ولا يهادن، ولا يداهن، ولا يجامل على حساب الحق والحقيقة. ولهذا بقي محترمًا على جميع الصعد، ومقدرًا من عارفيه وزملائه ورفقائه وطلابه.
أسهم في نهضة وطنه، وكانت له مبادراته الإيجابية في تكوين الأطر التربوية والجامعية، وفي وضع الدستور، وفي ترسيخ المبادئ القومية، وفي إغناء المكتبة العربية بالمؤلفات القانونية المتميزة والفريدة، وفي نشر الثقافة الهادفة والملتزمة، وفي مقارعة الاستبداد والدعوة إلى الديمقراطية وحرية الرأي والكلمة ونصرة المستضعفين.
وإذا كان لأجيالنا القادمة أن تتعرف إسهامات علمائنا الراحلين في القرن الماضي فإن لهم من سيرهم العطرة نماذج تصلح لهذه الأجيال مثالًا وقدوة في قوة الإرادة، والمكابدة الحق في تحدي الصعاب، وصلابة العقيدة، وعمق الانتماء، وصدق الأداء، وسمو المشاعر الإنسانية، وطهر المنظومة الأخلاقية.
ويتضمن هذا الكتاب الذي نقدّمه للقارئ العربي فصولًا أربعة، تضمن أولها حياة الدكتور عبد الوهاب حومد نشأة ودراسة وعملًا ونشاطًا وعلمًا، واشتمل الفصل الثاني على آثار الدكتور حومد في المجال القانوني حيث سلّطت الأضواء على مضامين مؤلفاته القانونية (الإجرام السياسي، الموجز في المسطرة الجنائية المغربية، دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن، أصول المحاكمات الجزائية، المفصل في شرح قانون العقوبات، الإجرام السياسي في التشريع المقارن، الوسيط في شرح القانون الجزائي الكويتي).
وكانت ثمة وقفة على كتابه ذي العنوان «مذكرات طالب عربي في جامعة السوربون 1939- 1945» وهي مذكرات غنيّة بما اشتملت عليه من تصوير للواقع الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية، ونوعية الحراك الثقافي الذي كان سائدًا آنذاك، وتحليل لنفسيات عدد من رفقائه، وتبيان لمناهج التدريس وطرائقه في تلك الفترة، وإشارة إلى الفعاليات والمناشط التي قام بها على الصعد كافةً الوطنية والقومية والدولية، وقد تبدّت من خلال هذه المذكرات شخصية الدكتور حومد في أبعادها كافة، وفيها الكثير من المواقف الجديرة بالاقتداء والآراء القمينة بالاهتداء.
ولم يكن هذا الفصل ليقتصر على الكتب المؤلفة، وإنما كانت ثمة وقفة أيضًا على جانب من محاضراته العامة وما تضمنته من فكر وآراء، ومن هذه المحاضرات «محاضرة حول مكافحة الجريمة، ومحاضرة حول تطور الفكر القانوني في موضوع المسؤولية الدولية الجنائية».
أما شاعرية الدكتور حومد فقد اشتمل عليها الفصل الثالث حيث قدّمت نماذج من شعره في السجن، وما كابده في أعماقه من آلام، ونماذج مما قاله في رفيقة دربه زوجه وأم ولديه، ونماذج مما قاله في حنينه إلى وطنه.
ولكي تكتمل صورة الدكتور حومد كان لا بدّ من الوقوف في الوقت نفسه على باقة من آرائه «في مهنة التعليم وإسهامه في إقرار مجانية التعليم الثانوي والمهني، وفي إيفاده البعثات العلمية إلى مصر والدول العربية، وتبيان وجهة نظره تجاه تعليم لغته العربية واللغات الأجنبية، وفي تيسير النحو والإملاء، وفي وقوفه إلى جانب عمود الشعر ومناهضته للشعر الحديث، وفي إيمانه العميق بالقومية العربية والوحدة العربية، وإيمانه بأن الدين محبة وتسامح، وفي مناهضته للزواج المختلط».
ولقد تضمن خطابه في حفل استقباله عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربية عدة آراء في تحليله للإنتاج الأدبي للأستاذ المرحوم الدكتور شكري فيصل الذي حلّ مكانه في المجمع، وهذه الآراء جديرة بالتأمل والتقدير والاحترام.
ويشتمل هذا الكتاب أيضًا على الملحق الذي تضمن الكلمات التي ألقيت في حفل تأبين الدكتور حومد، وهذه الكلمات تعطي صورة عن سيرته وإسهاماته المتنوعة في خدمة وطنه ولغتها الخالدة.
ولابد لي من أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى أستاذنا الفاضل الدكتور مازن المبارك على ما أبداه من ملاحظات.
ولكم أنا ممتن وشاكر له تقديمه لهذا الكتاب، ومقدّر عاليًا السمات التي يتحلى بها علمًا وفضلًا، يزين ذلك كله خلق كريم ومحتد أصيل. جزاه الله عن أمته خير الجزاء.
رحم الله الدكتور عبد الوهاب حومد الرحمة الواسعة سعة ما قدمه لأمته من أفانين العطاء، وجعل الجنة مثواه، ولتكن سيرته العطرة قدوة أمام الأجيال، والله الموفق.
المؤلف