تقديم الدكتور مازن المبارك: كتب في كتاب

اقرأ بالإنكليزية
الدكتور عبد الوهاب حومد (1333-1422هـ، 1915-2002م)
الدكتور عبد الوهاب حومد (1333-1422هـ، 1915-2002م)

بقلم الدكتور مازن المبارك

عضو المجمع

«سيظلّ في نظري أن صيانة الكرامة الإنسانية أقدس الواجبات التي تلقى على عاتق المشرِّع ورجل الحكم ومهمّة الجزاء القضائي أن يسهر كما يسهر العابد في محرابه على إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، دون أي تمييز بين أصحاب الحقوق، حتى يشعر كل إنسان أنه في حماية حرّاس شرفاء، لا تأخذهم في الله وفي الحق لومة لائم.»

د. عبد الوهاب حومد

الحمد لله، قضى على عباده بالموت، فغابت أجسادهم، وبقيت أفكارهم وآراؤهم وأقوالهم مشاعل من نور تضيء لمن بعدهم طريق الحياة. فهذه واحدة من كلمات كثيرة بل صيحات مدوّية، أعلنها في كتبه، وعلى منابر الجامعات والمجامع، العالم القانوني، والعضو العامل في مجمع اللغة العربية بدمشق، الدكتور عبد الوهاب حومد، رحمه الله... وقد رأى المجمع أن يصدر اليوم عنه هذا الكتاب بقلم الدكتور محمود السيد، عضو المجمع ونائب رئيسه، وذلك جريًا على سنّته في إصدار كتب عن أعضائه الراحلين، تعرّف المعاصرين من القرَّاء، والتالين من الأجيال، بأولئك العلماء الأعلام، وتحيي آثارهم، وتذكّر بأعمالهم.

وقد قدّم الدكتور السيد في هذا الكتاب عرضًا موسَّعًا للسيرة الذاتية يجعل القارئ يرافق الدكتور حومد في جميع مراحل حياته، واستطاع أن ينشر السيرة الذاتيّة، وأن يجعلها صفحات واسعة واضحة، تأخذ بيد القارئ ليصحب الدكتور حومد في نشأته المبكرة، وفي بيته ومدرسته، وفي جامعته وسفره، في غربته ومعاناته، في عودته إلى الوطن ونشاطه في كثير من ساحات العمل السياسي والثقافي والتربوي والتعليمي والمجمعيّ، بل يجعلك تصاحبه في معتقله وتسمع مناجاته أهله في سجنه...

إنه الكتاب الذي استطاع مؤلفه أن يضع لك في كل فقرة من فقاره لوحة واضحة تصوّر لك صاحبها في كل مرحلة من مراحل حياته.. إنها صور الدكتور حومد الطالب المتعلّم الدؤوب، والموفد الطُلَعة، والرجل المتعدّد المواهب، العالم القانوني، والأديب الشاعر، والكاتب المحاضر، والأستاذ الجامعي، صاحب المنابر في جامعات دمشق والرباط والكويت، والنائب (البرلماني) اللامع، والوزير القدير، والسياسيّ الحرّ، والمناضل الوطني، والسجين الصلب، والسفير الثقافي الممثل لدولته في الندوات القومية والمؤتمرات الدولية... ولن تفوت القارئَ صورة بارزة بين كل تلك الصور، وهي صورة الدكتور حومد الزوج الوفيّ، والأب المربّي، كما لم تَفُتْنِي بين تلك الصور كلِّها صورة الدكتور حومد التي تمثِّل صاحبها عضوًا عاملًا في المجمع العلمي العربي محبًّا للغة العربية، غيورًا عليها، عميق الوعي لقضاياها..

ولست أكتم أنني حين قرأت الكتاب وجدته كتبًا في كتاب؛ ففيه:

• سيرة ذاتيّة للدكتور عبد الوهاب حومد.

• وحكاية نشأة وتعلّمٍ لطالبٍ يمثِّل حياة أقرانه في رعاية الآباء، والتنقّل بين المدارس، والرحلة بين المدن.

• وقصة من قصص العقبات التي يلقاها الطالب الجامعي فتحول دون إتمام دراسته الجامعية.

• وقصة إيفاد إلى الغرب، تحكي معاناة طالب انقطع في بلاد الغربة عن وطنه بسبب الحرب العالمية التي اشتعلت فسعرَّت في نفسه الشوق إلى اغتنام الفرصة الإجبارية للمزيد من اكتساب العلم، وإشباع الرغبة في الدراسة التي يحبّها، فدرس القانون الذي أحبّه، وهو الذي أوفد ليدرس الأدب في جامعة باريس، واستطاع أن يجمع بين الدراستين أو بين الاختصاصين، وأن ينال (الإجازة) في كل منهما، ثم أن ينال درجة الدكتوراه في القانون الذي أحبّه وتابعَ حياته معه.

• وفي الكتاب أخبار مدرِّس جامعي لم يلبث أن لمع اسمه فرقي المناصب، ودعته الجامعات فكان واحدًا من أبرز المحاضرين على منابرها في دمشق والرباط والكويت؛ يعلّم ويغرس الوعي في نفوس الطلاب الجامعيين مؤكّدًا قيم الأصالة والانفتاح والتقدّم، واضعًا بين أيديهم عصارة تجاربه، قائلًا: «لقد أخذت نفسي منذ بدء تعليمي في الجامعة السورية بقاعدة راسخة هي أن العلم مال مشترك بين البشر، والحقيقة أسمى من العواطف، لذلك لم أغلق باب العقل دونها لمجرّد أنها ليست من صنعنا، خاصة ونحن في حاجة إلى تطوير عقولنا وعلومنا لكي نتمكن من السير المحترم في موكب الإنسانية المتقدم.»

• وفي الكتاب صورة السياسي الحرّ، والمناضل الوطني الذي لم يلن ولم يتغيَّر، وكان مصيره السجن! وانتهى إلى القول: «إن خير ما يخنق الإجرامَ السياسيَّ في مهده هو ديمقراطية في الحكم، وتداوله عن طريق صناديق الانتخاب الحرّ، وعدالة تعطي كلَّ مواطن قسطًا يسدّ حاجته من خيرات بلاده، وأخيرًا تمتّعه بحريّة القول والكتابة وشعوره بالمساواة، دون تفريق بين المواطنين.»

• وفيه صفحات عن وزير خبير نزيه، لا يجلس على كرسيّ الوزارة لأنه يمثّل حزبه، وإنما يجلس عليه اختصاصيًّا واعيًا لا يلبث أن يصدر في وزارته ما تدعو الحاجة إليه من قرارات.. وكذلك كان الدكتور حومد في الوزارات التي تسلّمها ولاسيما وزارة المعارف (التربية).

• وفي الكتاب صفحات عن نشاط مجمعيٍّ بارز، خدم اختصاصه حتى قال العلماء من أصحاب الاختصاص: إن دراساته «سدّت فراغًا كبيرًا في المكتبة القانونية العربية، لأن غيره لم يتوسّع فيما توسّع هو فيه على أهميّته في القانون والسياسة».

• وفي الكتاب ضوء على مذكّرات طالب عربي مغترب في فرنسا، يحسّ القارئ بما فيها من معاناة الحياة اليومية، ومفاجآت الحروب، وسير الحياة الجامعية والدراسة في ظلِّ تلك الحياة المضطربة، وتجد أخبار الامتحانات والنتائج مقرونة بأخبار السياسة والسياسيين، والزعماء الغربيين والعرب من أمثال الشيخ أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني وفوزي القاوقجي، بل تجد أخبار العرب عامة، وأخبار المغاربة خاصة.. إنّ ذلك كلّه في مذكرات طالب مغترب أجبرته الحرب على البقاء في باريس، تطالعك في سطورها شخصية كاتبها وما يتصف به من جدّ والتزام بقضايا وطنه، ومن ذكاء ووعي ووفاء لأصدقائه وزملائه.

• وفي الكتاب كثير مما استطاع الدكتور السيّد أن يخرجه في عرض متناسق من خلال عرضه «السيرة الذاتيّة» التي جعلها سِيَرًا، ولقصة ملأها أخبارًا، ولآراء مفكّر لم يحصرها اختصاص، ولم يقيّدها موضوع؛ فكانت في القانون على اتّساعه، وفي الأدب بموضوعاته وفنونه، وفي الشعر بقديمه وحديثه، وفي اللغة وقضاياها، وفي علومها من نحو وصرف وإملاء...

ولقد سرّني في هذا الكتاب - وقد ضمّ كل هذا التنوّع في الموضوعات والعلوم والاختصاصات في إطارٍ من حبّ اللغة العربيّة، وتقديرٍ لمنزلتها ولآثارها في حياة الفرد والمجتمع والأمة، ودعوةٍ مخلصة صادقة إلى خدمتها - أنه يقدّم شرحًا عمليًّا لمعنى كلمة (العلميّ) التي كانت داخلة في اسم «المجمع العلميّ العربيّ»؛ فلقد أراد سلفنا المجمعيّ الواعي أن يضمَّ المجمع أعضاءً عاملين من (العلماء) غير المختصّين باللغة العربية، ولكنهم على اختلاف اختصاصاتهم، لغويّون عرب في ألسنتهم وأفكارهم وقلوبهم وغَيرتهم، يتقنون من العربية ما يمكنّهم من خدمة علومهم بها، وخدمتها بعلومهم، إنهم العلماء المجمعيّون الذين يطوّعون علومهم للعربيّة، ويعبرون بالعربيّة عن تلك العلوم، وقد ضرب الدكتور حومد وزملاؤه من أعضاء المجمع غير المختصّين بالعربية، كالأطباء والكيميائيين، وعلماء القانون، وعلماء الطبيعة والفلسفة وعلم النفس والاجتماع وغيرهم خيرَ الأمثلة على خدمة العالم المخلص للغته العربية ولاختصاصه، أيًّا كان اختصاصه.

وهذا هو ما جعل المجمع يضع كلمة (العلمي) في اسمه، ويفتح أبوابه للعلماء من كل اختصاص شريطة إتقانهم للغتهم العربية وغيرتهم عليها.

ولعلّه يجدر بي قبل أن أنهي الحديث عن الكتاب أن أذكّر أن غيرة الدكتور حومد لم تكن على لغة العرب وحدها، ولكنها كانت غيرة على العرب أنفسهم، وحسرة على تشتّتهم، وأسىً على تفرّقهم؛ إذ لا يغيب عنك وأنت تقرأ الكتاب أسف الدكتور حومد لاستخفاف العالم اليوم بالعرب لضعفهم، ولتناحر حكوماتهم التسلّطيّة، وتجذّر الإقليمية البغيضة، وغياب الإخلاص للوحدة القومية. لكنه لا يتركك في تشاؤمك بل يغرس في نفسك التفاؤل والأمل بإشراق يوم عزٍّ قادم:

ليومِ عزِّكِ ما نلقاه من عَنَتٍزُلفى إلى الله ذَوْدًا عن مبادينا

وسوف يرجع شملُ الدار ملتئمًاوتغمر الوحدة الكبرى مغانينا

رحم الله الدكتور عبد الوهاب حومد وأثابه، وشكر للدكتور محمود السيّد جهوده في الجمع والاستقصاء، وحسن التنسيق والتحليل، وجودة العرض. والشكر لمجمع اللغة العربية لوفائه للراحلين من أعضائه، والحمد لله رب العالمين.