الفصل الثاني، الجزء 3: مذكراته في السوربون ومحاضراته العامة
ثانيًا- السيرة الذاتية
لم نعثر في هذا الجانب إلا على مذكراته عندما كان طالبًا في جامعة السوربون بباريس خلال المدة الواقعة بين 1939 و1945.
مذكرات طالب عربي في جامعة السوربون 1939-1945
وهي مذكرات تضمنت حياته في أثناء دراسته في فرنسا عامًا بعد عام خلال ست سنوات، وقد سجّل فيها معاناته في توفير السكن، والأماكن التي كان يرتادها، والمسرحيات والأفلام السينمائية التي كان يحضرها وأسماء الممثلين والممثلات وتعليقاته على بعض الأفلام التي كان يحضرها بعد أن يذكر مضمونها وأحداثها، ورفقاءه السوريين الذين كانوا يدرسون في فرنسا وسماتهم وتصرفاتهم، وزواج بعضهم من فرنسيات، والأحداث السياسية التي كانت تمر بها فرنسا في أثناء الاجتياح الألماني لها.
والواقع أن من يتصفح هذه المذكرات يجد أدق التفصيلات فيها من حيث أسماء أساتذته، ونوعية المحاضرات التي كان يحضرها في كليتي الآداب والحقوق، ونتائج الامتحانات التي كان يقدّمها في هاتين الكليتين، ولجان الامتحان وأعضاؤها ودرجاته في المقررات القانونية والحقوقية، ونوعية الطعام الذي كان يتناوله، وذكر الأسعار التموينية لبعض المواد الغذائية، وصعوبة الحصول عليها، وأحوال الجو المناخية، والرسائل التي كان يتلقاها من أهله، والطرف السياسية التي كانت تدور حول اليونان وإيطاليا وبريطانيا في أثناء الحرب العالمية الثانية، والحفلات التي كانت تقام في المناسبات، وحضوره مناقشات الدكتوراه، وذكر آراء لجان الحكم، فقد ذكر أنه حضر مناقشة رسالة الدكتور معروف الدواليبي عن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، وعندما قال أحد أعضاء اللجنة للدواليبي: لماذا لم تستشهد في رسالتك بآراء المستشرقين؟ أجابه الدواليبي لأنهم متحيزون وغير موثوقين.
وفي المذكرات أيضًا رصد للأخبار التي تبثها الإذاعات وما تنشره الصحف الفرنسية، والاتصالات التي كانت تحدث بين الدول آنذاك، والأحداث التي كانت تجري في سورية إبان الاحتلال الفرنسي لها، وكانت له تعليقات على بعض ما تنشره الصحف، وما تبثه وكالات الأنباء.
وأبان في مذكراته وصفًا للهجمات التي كانت تدور بين أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، وما كان يدور على الأرض العربية، كما وصف القصف الذي تعرّضت له باريس على يد الإنجليز أيضًا، وأشار إلى هجوم ألمانيا على الاتحاد السوفيتي وعلى بريطانيا ومواقف أمريكا واليابان، وتصريحات تشرشل وروزفلت، وذكر نصوص الوثائق التي كانت توقّع بين فرنسا وألمانيا وإنجلترة..كما ذكر الهجمات الألمانية والإيطالية والإنجليزية في شمال إفريقية، وأبدى سعادته لإعلان الدولتين الألمانية والإيطالية تصريحًا يتضمن الاعتراف باستقلال مصر وسيادتها. وصوّر أجواء الحرب الحقيقية التي شنّت على فرنسا من الألمان والإنجليز والأمريكان، وإجراءات منع التجول في باريس، وتحرير باريس من يد الألمان، وسرد تصرفات الجنود الأمريكيين في فرنسا، وذكر مضمون المؤتمر الذي عقده الحلفاء، مؤتمر الثلاثة الكبار (موسكو- لندن- واشنطن) تجاه ألمانيا.
وأوضح نهاية هتلر وموسوليني واستسلام ألمانيا، كما أبان ما حدث في مؤتمر سان فرانسيسكو للسلام، ذاكرًا مضمون خطاب ديغول إلى الفرنسيين، ومضمون خطاب تشرشل من لندن، وستالين من موسكو، ووصف مقاومة ستالينغراد ضد الألمان.
وفي ذكره للخطب التي ألقاها كل من روزفلت وتشرشل وهتلر وموسوليني لم يغفل أنباء الحرب الدائرة بين ألمانيا وروسيا وبريطانيا وإنجلترة وإيطاليا وانعكاسات هذه الحرب على الحالة الاقتصادية والنفسية في المدن الفرنسية التي كان يزورها ويؤم مطاعمها وفنادقها، مشيرًا إلى الصعوبات التي كانت تحصل له وهو يفتش عن فندق أو مكان آمن.
وكان هاجس المؤلف ما يدور على الأرض العربية من أحداث، فصوّر أحداث الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، كما صوّر مجريات استقلال سورية ولبنان، والمؤتمر الصحفي لديغول بخصوص الشأن السوري.
وفي المذكرات أيضًا إشارة إلى الخلافات التي كانت تدور بين المفتي أمين الحسيني، ورشيد عالي الكيلاني، ونظرة الألمان إليها، ووصف لزيارة فوزي القاوقجي إلى باريس، واحتفاء الطلاب به، وذكر للقاءات التي كان يجتمع فيها مع الطلبة العرب، وذكر لبعض المحاضرات التي ألقاها على الطلبة المغاربة، وفترة التدريب التي أمضاها بعد حصوله على الدكتوراه في مكاتب بعض المحامين.
وتتبدّى في المذكرات أيضًا حماسته نحو تفنيد المزاعم التاريخية لليهود في أحقية عودتهم إلى فلسطين، وتبيان ذلك للفرنسيين بكل صراحة وعمق انتماء.
ولا يمكننا أن ننسى أن في المذكرات معلومات عن أدباء ومدارس أدبية وفلسفية من مثل سارتر والوجودية والشاعر كورنية Corneille وغيره.
ويخلص قارئ هذه المذكرات إلى رسم ملامح شخصية الدكتور حومد حيث تتبدّى هذه الشخصية متسمة بالجدية في دراسته، وبالذكاء في تعليقاته، وبالبراعة في تصوير الشخصيات والأحداث التي زاملها وعاصرها، وبالوطنية والنزعة القومية في معالجة الأحداث السياسية التي كان يمرّ بها الوطن العربي، وبوفائه لزملائه الذين كان يعاني بعضهم الضائقة المالية في أثناء الحرب بسبب عدم وصول مخصصات إيفادهم، وعدم تمكن أهليهم من إرسال النقود إليهم.
ثالثًا- من محاضراته العامة
ألقى عددًا من المحاضرات العامة، ولسنا الآن في مجال حصرها، وإنما نشير إلى عناوين بعضها، والأماكن التي ألقيت فيها، ومن هذه المحاضرات:
1- محاضرة في ردهة حزب الشعب بدمشق في 19 تشرين الأول عام 1950 حول الدستور الجديد.
2- محاضرة في كلية الحقوق بجامعة الكويت عنوانها «مكافحة الجريمة» ونشرت جريدة الهدف ملخصًا عنها بتاريخ 19/ 11/ 1979.
3- محاضرة في مقر رابطة الحقوقيين بدمشق يوم الثلاثاء الواقع في 6 آذار عام 1984 وبدعوة من الرابطة، وكان عنوان المحاضرة «نظرية السببية في الفقه الجنائي».
4- محاضرة في مقر رابطة الحقوقيين بدمشق أيضًا عنوانها «سرّ المهنة» وذلك يوم الثلاثاء الواقع في 11 تشرين الثاني عام 1986 وبدعوة من الرابطة.
5- محاضرة بدعوة من النادي العربي بدمشق عنوانها «التحولات المعاصرة في الفكر الجزائي» يوم الأربعاء في 7 شباط 1990.
6- محاضرة في مجمع اللغة العربية بدمشق عنوانها «اللجوء السياسي» يوم السبت في 10 نيسان عام 1993.
7- محاضرة في مجمع اللغة العربية بدمشق عنوانها «تطور الفكر القانوني في موضوع المسؤولية الجنائية الدولية» في يوم الأربعاء الواقع في 22 نيسان عام 1998.
8- محاضرة في الندوة الثقافية النسائية عنوانها «نظرات معاصرة على عوامل الإجرام» في 6 نيسان عام 1999.
وفيما يلي تسليط الأضواء على عينة من هذه المحاضرات:
1- محاضرة حول مكافحة الجريمة: ألقاها في كلية الحقوق بجامعة الكويت، ونشرت جريدة الهدف ملخصًا عنها بتاريخ 19/ 11/ 1979، وقد أشار في المحاضرة إلى أن الجريمة في تصاعد في المجتمعات المعاصرة، وقال إنها ظاهرة تكاد تكون عالمية، وقد سلّط الأضواء على المفهوم القانوني للجريمة فأبان تعريف فقهاء القانون لها، وأورد إحصائية لنسبة الجرائم في فرنسا وأمريكا وبعض دول أمريكا اللاتينية، وتبين من خلالها أن الجريمة تسير في خط بياني يصعد إلى الأعلى، وذكر بعض المخالفات التي لم تكن معروفة من قبل كالتلاعب بالأسعار، والدعاية الكاذبة، وخطف الطائرات، وتلوث البيئة. ووقف في المحاضرة على التعاون الدولي في مجال مكافحة الجريمة، وأبان أن أبرز الجرائم موضوع التعاون الدولي التعامل بالبشر، ويعني المتاجرة بالأعراض أي البغاء، وتجارة المخدرات، والقرصنة، وتزييف النقد الوطني، والأجنبي المتداول، والإرهاب، وخطف الطائرات، واحتجاز الأشخاص بالقوة.
2- محاضرة «تطور الفكر القانوني في موضوع المسؤولية الدولية الجنائية»: ألقاها في مجمع اللغة العربية بدمشق في الدورة المجمعية 1997- 1998 ونشرت في مجلة المجمع (عدد كانون الثاني 1999).
عرض فيها حال العرب في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي، وحال العالم خارج الجزيرة العربية يومئذ، ثم أبان أن هناك ثلاث مراحل تاريخية مرت بها البشرية، أولاها المرحلة التقليدية بدأت بالاشتباكات المسلحة من عمر البشرية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى 1914-1918م وإنشاء عصبة الأمم في أعقابها. وهي مرحلة عاشت تحت لواء عدم المسؤولية الجزائية، والمنتصر فيها هو صاحب القوة، وله أن يملي من الشروط ما يشاء على المنهزم، وما على المعتدى عليه سوى الخضوع، وضرب مثالًا على ذلك اليهود في التاريخ القديم من حيث قسوتهم المفرطة في معاملة الشعوب التي كانوا يخضعونها لسيطرتهم، والمغول في أثناء اجتياحهم لبغداد عام 656هـ، ولم تكن هذه المآسي جديدة على مسرح بلادنا العربية، فقد التحمت على الأراضي العربية من قبلُ جحافل الإمبراطوريات القديمة اليونانية والرومانية والفارسية والفرعونية، ثم جاءت الصليبية، حيث نشرت الدمار، وسفكت الدماء، وأشعلت الحرائق، وعلّقت في سمائها الرايات السود. وكان راسخًا في الأفهام أن من لا يَقتُل يُقْتَل، وأنه حيث توجد القوة يقف الحق.
وحين اجتاح البرابرة الغوليون عام 309 ق م صالحهم أهلها على مقدار معين من الذهب دفعوه صاغرين، فلما استوت كفتا الميزان ألقى زعيم البرابرة سيفه الثقيل في كفة الميزان لتزيد روما كمية الذهب وقال لوجهائها: «نعم! ويل للمغلوب».
وبعد أن عرض المحاضر هذه الصورة القاتمة في علاقات الأمم القديمة يستدرك ليقول: «ونحن نظلم الحقيقة إن نحن تركنا في الأذهان هذه الصورة السوداء عن علاقات الأمم القديمة دون أن نشير إلى أن تاريخ البشرية عرف منذ أقدم العصور مفكرين إنسانيين، لم ينسوا أنهم من بني آدم، وأن بني آدم وحدة لا يمكن تجاهلها، وأنه لا يحق لهم أن يدمروا أنفسهم بأيديهم، استجابة لنوازع الشر. ومن هذا المنطلق الصافي نادى أرسطو في كتابيه: السياسة والأخلاق إلى نيكوماخوس «باعتبار المجتمع البشري وحدة طبيعية، مستقلة عن كل عصر ديني، لأن الإنسان بطبعه حيوان اجتماعي».
وكذلك أدخل الرواقيون في فلسفتهم لأول مرة تعبير Cosmopolite أي المواطن العالمي، ليقولوا إن الإنسان أخو الإنسان، ردًّا على شعار المتشائمين الذين يقولون: إن الإنسان ذئب الإنسان. وقد كتب Plutarque عن الرواقي Zénon مؤسس المدرسة الرواقية L'école du portique ما يلي:
«لقد ألف زينون كتابًا اسمه الجمهورية La République أكّد فيه أن المجتمع البشري واحد، لذلك لا يصح أن ينقسم فيه البشر إلى مدن وشعوب، لئلا يتخذ كل شعب قوانين لنفسه، خاصة به، لأن الناس جميعًا مواطنو عالم واحد، ونظام كوني واحد Cosmos، وعليهم أن يعيشوا معًا، في مجتمع واحد، تظلله راية سلطة واحدة».
ولم يُخْفِ الفيلسوف Sénéque ازدراءه لبناء الإمبراطوريات الكبرى على جماجم الأبرياء، فقال في جرأة نادرة: «إني أفضّل أن أمجّد الآلهة، وأحتفل بمآثرها، على أن أُشيد بمجازر فيليب وابنه الإسكندر، وغيرهما من الذين شيدوا أمجادهم الزائفة على دماء الناس، وكوارث البشرية، لأن هؤلاء الطغاة الظلَّام لا يختلفون في تدميرهم عن الطوفان الذي يغرق السهل، ويقتل البشر».
وجاءت المسيحية السمحة في ظلمات هذه المجازر والمآسي ترفع راية أخوة الإنسان والإنسان، وشعار التراحم. ومِن أسفٍ أن الكنيسة القديمة لم تستطع أن تخطو الخطوة الحاسمة في طريق إدانة الحرب إدانة صريحة، وقرر آباؤها في مؤتمر نيقية عام 225م التضامن المطلق مع مصير الإمبراطورية الرومانية، وجاءت الحروب الصليبية بعد ذلك وحدث فيها ما حدث من مآسٍ.
وحملت الدعوة الإسلامية مبادئ ثورة إنسانية في علاقات البشر، ونادت بالمساواة التامة بين أبناء آدم وحواء، ودعت إلى السلام ونبذ حل الخلافات بالحرب، وحضت على سلوك طريق الحوار، ومنع منعًا باتًّا إرغام أحد على اعتناق الإسلام دون قناعة ورضا، ووضع النبي نظامًا صارمًا لسلوك جيوشه حين تخترق حدود العدو في الحرب، وصان حياة أسرى الحرب. وأبان الدكتور حومد في محاضرته كيف أن دعاة الديانتين السمحتين كانوا ينفخون في النار ليؤججوها بين حين وآخر، ويقرر المحاضر حقيقة راسخة وهي أن الدين وحده، لا يحرك غرائز القتل والعدوان، لأن ساحات القتال سوف تشهد جيوشًا من ديانة واحدة أو من عدة ديانات، تمتشق سيوفها في وجه جيوش مشكلة من تلك الديانات نفسها، وكأنها تعلن بالبيّنة والعمل أن الأطماع المادية والمصالح السياسية هي التي تثير الحروب وليست العقائد ولا الفلسفات.
وإذا كانت الحروب تبيد الحرث والنسل فإنها تحصد ميزانيات الدول حصدًا مذهلًا. وقد تساءل ذات يوم شاعر فرنسا العظيم «فيكتور هوغو» عن المستقبل المشرق للشعوب فيما لو ساد بينها السلام، فقال: «في فترة الاثنين والثلاثين عامًا من سلام حذر عشناه في خوف، أنفقنا مع ذلك على التزود بالسلاح 128 مليارًا من الفرنكات. تصوروا لو أن هذه المبالغ الفلكية أنفقت على رعاية الأسرة الإنسانية وتحسين الزراعة والصناعة وتعهد العبقريات والإبداع، ماذا يمكن أن تكون عليه البلاد؟».
وحين طالب هوغو بالعمل على إنشاء اتحاد بين الشعوب الأوربية قال عنه المترفون من اليمينيين: إنه يهذي، ويوشك أن يُجن.
وذكر المحاضر أن هوغو استعمل تعبير (الأسرة الدولية)، وتحدث عن التقارب بين الأمم، واعتبره أول التآخي، وقال: لن يكون بعيدًا اليوم الذي تعود فيه الأرض إلى ما كانت عليه في عهد آلهة هوميروس الذين كانوا يجوبون الدنيا في ثلاث خطوات.
وعرض المحاضر للجرائم الموجهة ضد السلام الدولي وجنايات الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة، ووقف على دعائم القانون الجنائي الدولي ومبادئه السبعة، وعقَّب على هذه المبادئ.
وذكر المحاضر أن الساحة الدولية في وقتنا الحالي تشهد وجود مقاييس ومكاييل متعددة في تعامل الدول الكبرى مع الدول الصغرى ويا للأسف! الأمر الذي أفقد الصغار ثقتهم بمجتمع دولي عادل، وحملهم على الترامي على شراء السلاح من أي مصدر وبأي ثمن.
وبذلك يعود شعار المدفع قبل الزبدة الذي نادى به هتلر في أوائل القرن الماضي، وقد يكون نشر الخوف من المستقبل سياسة مخططًا لها لدفع الصغار على التسلح، حتى لا تصاب معامل أسلحة الكبار بالكساد والإفلاس.
ويظهر من التقرير الذي أصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عن التنمية البشرية عام 1996 أن أوسع سوق لتجارة الأسلحة عام 1994 هي السوق العربية.
ففي الوقت الذي تنفق الدول الصناعية 1,3٪ من ناتجها المحلي على السلاح، تنفق دول جنوب آسيا 6,2٪، كما تنفق الدول الأمريكية الجنوبية 2,1٪. أما الدول العربية فتصل نسبة إنفاقها على السلاح إلى 6,7٪ من ناتجها المحلي.
وتدل الإحصاءات على أن حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق التي دامت ثماني سنوات استهلكت من ثروات الفريقين ما يزيد على نصف المبالغ التي حصلا عليها منذ أن بدأا بتصدير النفط.
وما يخفى من الإنفاق العسكري هو أشد وأدهى مما يظهر، وتضطر بعض الدول مع الأسف إلى الاستدانة للحصول على الأسلحة وبعض المعدات الإلكترونية والميكانيكية والغذائية، وتدفع عن ديونها فوائد عالية.
وأشار المحاضر إلى أن الفقراء يتحملون نتائج أخطاء الأغنياء دون أن تكون لديهم وسائل الحماية التي يتمتع بها الأغنياء، فمثلًا يتسبب هؤلاء الأغنياء بنسبة 53٪ من كميات ثاني أوكسيد الفحم في حين أن الفقراء لا يتسببون إلا بـ 3٪ فقط.
وبعد أن يعرض للمآسي على الساحة الدولية والتي يمارسها ذوو النزعات العدوانية والاستغلالية ضدّ الشرائح المستضعفة من البشر يقول المحاضر: إن الآمال في مستقبل أفضل للبشرية على مستوى المسؤولية الجنائية الدولية لاتزال براقة تدعونا إلى التمسك بأهداب الأمل.
إلا أنه يعود ليقول: «ومع ذلك فإن بعض أحداث الماضي والحاضر تنشر ظلًّا قاتمًا على الفكر القانوني المعاصر.
وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة الأمريكية ألقت قنابلها النووية عام 1945 على ناغازاكي وهوروشيما اليابانيتين، في وقت كانت اليابان فيه على وشك الاستسلام.
كما أن هذه الدولة العظمى أحرقت الزرع والضرع في فيتنام، ومع ذلك فلم يوجه إليها أي اتهام، وكل ما تم هو أن محكمة غير رسمية برئاسة البريطاني اللورد رَسْل أدانتها على أعمالها إدانة معنوية أخلاقية».
وهذه إسرائيل ترتكب كل يوم أكثر من جريمة دولية، ولكنها لم تُحَل إلى أي محكمة...وفي كل مرة توجه إليها أصابع الاتهام، تستخدم أمريكا الفيتو لمنع إدانتها وكأنما السياسة العالمية تمارس بمكيالين.
ويبين المحاضر في نهاية محاضرته إلى أنه من المؤكد أن الاستخفاف بنا مرده إلى ضعفنا، وسبب ضعفنا تناحر الحكومات العربية التسلطية وتجذر الإقليمية البغيضة.
ومن الأسف أننا لم نفهم نحن العرب تشكل التكتلات الدولية الكبرى السياسية والاقتصادية في جيلنا هذا وأمام أعيننا.
فقد أخذت دول أوربا الغربية منذ نصف قرن تشكل فيما بينها وحدة اقتصادية تضم نحوًا من أربعمئة مليون إنسان، وهي تتجه إلى أن تصبح وحدة سياسية كبرى لحماية نفسها.
وفي مواجهتها، على الجانب الآخر من الأطلسي تتشكل الآن سوق اقتصادية كبيرة تضم أمريكا وكندا والمكسيك، وهي تتجه إلى ضم دول أمريكا الجنوبية إليها لتصبح سوقًا واحدة من تسعمئة مليون شخص.
وفي آسيا أصبحت اليابان عملاقًا اقتصاديًّا عالميًّا متقدمًا جدًّا في جميع مجالات التقانة العالمية، ولديها فائض مذهل في ميزانها التجاري..
وأمامها تنبسط السوق الصينية الواسعة التي أصبحت قوة نووية وسوقًا اقتصادية ضخمة من مليار ومئتي مليون مواطن صيني.
وعلى تخوم الصين الطويلة، تشكلت السوق الهندية التي تضم نحوًا من ثمانمئة مليون هندي تحميها القوة النووية المدمرة، وهي تتطلع إلى أن تصبح قوة تقانية ذات اعتبار عالمي.
وتحاول روسيا التي ورثت إمبراطورية الاتحاد السوفيتي المنهار أن تلملم شمل الدول التي ظفرت باستقلالها عنه في سوق تجارية واحدة على أمل أن تستطيع تحقيق عيش كريم لشعوبها في المصطرع الدولي الذي لا يرحم المتقاعسين والمتخلفين.
وتجاه هذه الأحداث المثيرة يعيش العرب في ذهول وخوف من الحاضر والمستقبل، ويتساءَلون في كثير من القلق عما ينتظرهم.
والعجيب أنهم لا يمسكون بطوق النجاة وهو في متناول أيديهم: فشروط مجتمعاتهم المبعثرة أفضل كثيرًا من شروط الآخرين. فهم يملكون جميع مقومات السوق الاقتصادية الكبرى ويملكون أيضًا مكونات التكتل السياسي السليم، ربما في ظل اتحاد واسع يكون من شأنه أن يعيد لنا وحدتنا الممزقة التي كانت لنا، وعصفت بها الأطماع الاستعمارية والتسلط الداخلي.
ولا ندري ما الذي كان سيقوله الدكتور حومد رحمه الله في الأحداث التي تمر بها أمتنا في أيامنا هذه حيث فقدت أمتنا البوصلة، ولم تعد تفرّق بين عدو وصديق.