الفصل الرابع، الجزء 1: آراء ومواقف: التعليم ومجانيته واللغات
نحاول في هذا الفصل أن نتعرف جانبًا من آراء الدكتور حومد في المجال التربوي، من حيث نظرته إلى مهنة التعليم، وإسهامه العملي في إقرار مجانية التعليم الثانوي والمهني، ورأيه في تعليم اللغة العربية واللغات الأجنبية؛ وفي تيسير القواعد النحوية، ووقوفه إلى جانب عمود الشعر ومناهضته للشعر الحديث، وإيمانه العميق بالقومية العربية والوحدة العربية، وإيمانه بأن الدين محبة وتسامح، وبأن زواج العربي بأجنبية ينعكس سلبًا على الأسرة، فهو ليس من الداعين إلى هذا التوجه الذي كان يدافع عنه بعض رفقائه المتزوجين من فرنسيات، ولقد كانت له مواقف وآراء جديرة بالتقدير في خطاب استقباله عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربية بدمشق، وفيما يلي وقفة على هذه الآراء التي توضح لنا بعضًا من أبعاد شخصية حومد.
1- رأيه في مهنة التعليم:
لقد جاء في خطابه للمعلمين بمناسبة افتتاح العام الدراسي عام 1951:[1]
«عليكم أيها المعلمون أن تعلموا أن مهمتكم مهمة قومية ورسالة مقدسة لا وظيفة، ومتى أدركتم أنكم تنشئون الجيل الجديد القادم الذي سيحتل الساحة العامة، حين يترتب علينا إخلاؤها له بحكم الزمن، علمتم جلال عملكم وشرفه وأهميته.
إن عليكم أيها المعلمون تبعات جسامًا إذا لم تنهضوا بأعبائها خير نهوض، فإنكم تعرّضون كيان أمتكم بأجمعه إلى الخطر، ولكي تؤدّوا رسالتكم على وجهها الأكمل، يترتّب عليكم أن تدركوا واجباتِكم العامة إدراكًا عميقًا.
يجب عليكم أن تحبوا مهنتكم من صميم قلوبكم وثقوا أنها أشرف مهنة وأنبل عمل. ولا يكفي أن تحبوا مهنتكم التعليمية بل يترتب عليكم أن تخلصوا لها وتتفانوا في أدائها على أحسن وجوهها، وإن من أخلص لعمله أرضى ربَّه وضميرَه وقام بواجبه نحو وطنه.
تذكروا دومًا أن المعلم الذي يعتقد أن ما يحمله من متاع علمي حين نال شهادته يكفيه ليقوم بواجبه التعليمي فقد أخطأ في تفكيره خطأ جسيمًا ذلك لأن الثقافة كالحياة، متطورة ومتجددة كل يوم، وكل من يغلق كتابه، ولا يجالسه كل يوم ساعات طوالًا، يغلق على نفسه باب الحياة، ويتخلى عن معانيها السامية، ويصبح في أدائه عمله كالآلة التي لا حياة فيها. وفي هذا خطرٌ على القيم السامية وتنكُّرٌ لمكتشفات التفكير البشري الذي لا وطن له. لذلك كان على المعلم الذي يريد أن يكون معلمًا حقًّا أن يظل على اتصال مستمر بالدراسة والمطالعة واستقراء المسائل التربوية التي تعرض له، وبذلك يرفع مستوى نفسه، وينفق أوقاته في لذة واستفادة».
وإذا كان الدكتور حومد يركز على الجانب التعليمي من مهمة المعلمين فإنه يركز أيضًا على جانب التهذيب والتوجيه فيقول: «إن الجانب التعليمي من مهمتكم ليس بشيء كبير إذا قيس بالجانب الأهم من هذه المهمة، وهو جانب التهذيب والتوجيه، فالمعلم الذي يحشو أدمغة تلاميذه بالمعلومات طوال العام ثم يختبرهم في نهايته لا يستحق أن يسمى معلمًا، فمهمة المعلم الصحيحة هي مهمة تربوية توجيهية قبل أن تكون تعليمية».
ثم يرسم السبلَ المؤديةَ إلى أن يكون المعلم مربيًّا حقًّا فيقول: «لكي يكون المعلم مربيًّا حقًّا، عليه أن يكون شديدَ الاتصال بالوسط الذي يعلّم فيه، ويتفهم شخصية كل تلميذ من تلامذته، ويدوِّن ملاحظات عن كل واحد منهم، ويعدّهم إعدادًا حسنًا ليعيشوا في هذا الوسط. والأهم من ذلك كله أن يجعلهم يثقون به، ولا يثقون به إلا إذا وثق بنفسه واحترمها، وجعلها مثلًا أعلى ليفرض احترامه على تلامذته، وليكيفوا شخصياتهم على نحو شخصيته. إن شخصية المعلم أشبه ما تكون بالقالب الذي يصوغ المادة الطرية، ويكيِّفها على شكله وهيئته، ومن الجناية بحق الوطن أن يكون هذا القالب مشوَّهًا سقيمًا».
ويذكّر المعلمين بقول شوقي قائلًا: إنكم كلما تمعنتم بقول شوقي:
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذييبني ويُنشئُ أنفسًا وعقولا
تكشفت لكم النواحي الوضاءة اللامعة من عملكم الجليل.
ويدعو المعلمين إلى الابتعاد عن العمل السياسي الحزبي لأنهم للأمة كلها لا لشخص ولا لحزب معلّلًا ذلك بقوله: «إن واجبكم القومي وشرفكم المسلكي يفرضان عليكم أن تبتعدوا عن كل ما له علاقة بالحزبيات السياسية، لأن السياسة إذا ما دخلت المدارس جعلت المعلمين شيعًا، وقضت على كفة الآباء فيهم وعرضت راحة المدرسة وهدوءها إلى خطر جسيم، وجعلت التلاميذ نهبًا مقسمًا بين المذاهب، وفي هذا خيانة لثقة الآباء وتجنٍّ على الوطن الذي لا يريد منكم إلا أن تعدوا أبناءه ليكونوا مواطنين صالحين.
إن التربية المثلى لا تؤتي أكلها إلا في جو هادئ ترفرف فوقه ملائكة المثل العليا، فاجعلوا من مدرستكم جنة قومية لا جحيمًا حزبيًّا».
2- إسهامه في إقرار مجانية التعليم الثانوي والمهني:
عندما كان أستاذًا في كلية الحقوق وعضوًا في مجلس النواب عام 1949 وهو المجلس المنتخب في عهد الاستقلال، سعى إلى إقرار مجانية التعليم الثانوي والمهني، وكان الاستاذ الدكتور قسطنطين زريق رئيسًا للجامعة السورية خير معين ومشجع له في مسعاه، إلا أن مسعاه باء بالإخفاق، ولم يرَ اقتراحه في مجلس النواب النور، إلا أن ذلك لم يدم طويلًا، فقد أصبح في السنة التالية مقررًا للجنة الدستور الذي تم إقراره في 5 أيلول عام 1950، ونجح في أن يتضمن الدستور في المادة الثامنة والعشرين منه «التعليم الثانوي والمهني مجاني في مدارس الدولة»، وبعد عدة أشهر أصبح وزيرًا للمعارف حيث جاءته الفرصة الثمينة لاستصدار مرسوم بإقرار تلك المادة.
ويقول في هذا الصدد لقد تحققت أمنية غالية من أمانيّ الدكتور قسطنطين زريق ومن أمانيَّ أيضًا، وانقشعت غمامة داكنة من سماء الوطن.
وعن علاقته بالدكتور زريق يقول: «وأشهد ان إعجابي بأخلاقه السمحة وشدة تواضعه وثقافته الرفيعة والواسعة الآفاق كان إعجابًا لا حدود له».
وقد جسَّد الدكتور حومد سلوكًا وأداء تواضعه فعندما كان وزيرًا للمعارف كان يذهب إلى مكتب الدكتور زريق ليوقع القرارات والمراسيم لكيلا يحمّله عناء الانتقال إلى مكتبه، وكان يعتذر عن حضور جلسات مجلس الجامعة بصفته الرئيس الأعلى لها كما ورد في القانون، حتى لا يرأس جلسة هو عضو فيها انطلاقًا من قناعته بأن إدارة واعية كإدارته تجعل كل صاحب علاقة ينام بملء جفنيه هادئًا ومستريح الضمير.
3- إسهامه في إيفاد البعثات العلمية:
عندما كان وزيرًا للمعارف سعى بالتنسيق مع الدكتور زريق إلى إيفاد بعثات إلى الجامعات العريقة لعلها تسد النقص في الجامعة وفي التعليم الثانوي ولو تحملت البلاد الأعباء المادية الجسيمة. ونجح هذا المسعى في مجلس النواب فتم إيفاد البعثة الأولى، وكانت في حدود مئتين من مختلف التخصصات.
ويقول إثر ذلك: «في قناعتي أن الموفدين سدوا بعودتهم الموفقة فراغًا كبيرًا في حقل التعليم الثانوي والعالي، وراحت الجامعة السورية تشع نورًا على الوطن العربي كله، بعد أن أفسحت صدرها لقبول ستة آلاف من الطلبة العرب من عراقيين وأردنيين وفلسطينيين ومغاربة.. ».
4- رأيه في تعليم العربية واللغات الأجنبية:
كان رحمه الله معجبًا بتعريف اللغة العربية على النحو الذي أورده الدكتور شكري فيصل في كتابه «المجتمعات الإسلامية» إذ يقول الدكتور فيصل «اللغة ليست إلا نسيجًا من أفكار وأنظار، تزينه وتحلّيه عواطف ومشاعر، ووراء الغلاف اللفظي لكل كلمة، تستقر حقيقة من الحقائق التي يؤمن بها الشعب أو شحنة من الانفعالات التي يخضع لها. والعقائد الكبرى والأساطير والمثل، إنما تتبلور جميعًا في ألفاظ اللغة وكلماتها..
فلغتنا ليست هذه الألفاظ الجامدة التي تتضامُّ فيها الحروف، ولكنها هذه الأصوات العميقة التي تتركز فيها عواطفنا وأفكارنا وتصوراتنا البعيدة، ولكل صوت منها شمول عريض ومدى واسع ونفاذ خاص، وفي أصدائه وحناياه تعيش المخلفات الفكرية والعاطفية لكل القرون التي تقدمت قبلنا». ويعقب الدكتور حومد على هذا التعريف قائلًا: «إنه تعريف شاعري ينمّ عن إحساس عميق بعظمة هذه اللغة ودورها الحضاري».
وكان الدكتور فيصل يرى أن واقع اللغة العربية يحتم علينا ما يلي:[2]
1- يجب أن تكون اللغة العربية واحدة على امتداد الوطن العربي
2- وأنها قضية تمتد على تاريخ الوطن العربي في ماضيه وحاضره ومستقبله
3- وعليها أن تتحدى اللغات الأجنبية، لصد أخطارها من جهة، ثم للتفاعل معها لمواكبتها في طريق التقدم من جهة أخرى
4- وهي وسيلة الجمع بين أبناء العروبة الذين عصفت بهم أيدي التمزق
وهو لا يتردد في الدعوة إلى فتح النوافذ على لغتنا، من أجل إدخال التجديد فيها. والتجديد يقوم على ثلاثة أسس هي:
1- طواعية اللغة. ويقول الدكتور حومد: أفهم من هذا القول تخليصها من كل تعقيد يجعلها عسيرة المأخذ والاشتقاق، أي مراجعة قواعد النحو والصرف بصورة خاصة.
2- يسر الأسلوب وتبسيطه.
3- الخلاص من الزخرف بصورة نهائية.
ويعقب الدكتور حومد على ذلك قائلًا: «ولا أريد أن أمر مرور الكرام بالمبدأ الثالث، وهو «تفاعل العربية مع اللغات الأخرى» لأن هذا المبدأ الأساسي يفرض علينا تقوية اللغة في مدارسنا الثانوية وفي جامعاتنا، لا لكي ينجح الطالب في امتحان اللغة الأجنبية، وإنما لكي تصبح لغة مراجعة ودراسة جديَّتين، يعوّض بها عن نقص المؤلفات العربية في جميع نواحي المعرفة، من فلسفة وقانون وطب وعلوم وتكنولوجيا..فليس سرًّا أن المكتبة العربية على امتداد الوطن العربي، تشكو في هذه المراجع نقصًا لا يغتفر.. والمراجعة في اللغة الأصلية تفوق قراءة الكتب المترجمة.. خاصة إذا كانت الترجمات سقيمة..
الحواشي:
[1] مجلة المعلم العربي عدد 2 كانون الأول عام 1951.
[2] المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- بحث الدراسات الإسلامية اللازمة لمدرسي اللغة العربية للدكتور شكري فيصل- مؤتمر إعداد مدرسي اللغة العربية في الرياض- عام 1977 ص226.