أيام الوحدة - السنة الأولى - الجزء 7: قانون الكسب غير المشروع وانقلاب 14 تموز 1958 في العراق
الجمعة 30 أيار
عدت من القاهرة إلى دمشق، بعد انتهاء اجتماعات مجلس الوزراء..
كانت الرحلة على الفايكونت مريحة، ولم تستغرق إلا ساعة وثلاثة أرباع الساعة، مررنا خلالها فوق شريط النيل، الذي ينساب كالثعبان الطويل، بين ضفتين خضراوين.. ومن ورائهما بحار من الرمال البرتقالية، الممتدة شرقاً وغرباً إلى ما شاء الله..
وكان المؤرخ اليوناني هيرودوت على حق حين قال: مصر هبة النيل، إذ لولاه، لما كان لمصر وجود، إلا كجزء من الصحراء الواسعة، التي لا حدود لها على الرقعة الأفريقية المترامية الأطراف.
الأربعاء 18 حزيران: قانون الكسب غير المشروع
جاء عدد الجريدة الرسمية، المؤرخ في 17 حزيران 1958، وفيه نص القانون رقم 64 تاريخ 15 حزيران المذكور، بشأن الكسب غير المشروع في الإقليم السوري.
وهو قانون أساسي يهدف إلى ترسيخ الأمانة في نفوس الموظفين، وتنبيههم إلى أن الاستقامة هي عمود الوظيفة الفقري.
ولا يجهل أحد أن جهاز الموظفين السوري، كان يتمتع - إجمالاً - بسمعة طيبة، وخاصة في أوساطه العليا..
وقد نصت مادته الأولى على ما يلي:
"على كل موظف عام وكل عضو في المجالس النيابية التشريعية أو في المجالس الممثلة للوحدات الإقليمية، وعلى العموم كل مكلف بخدمة عامة أو له صفة نيابية عامة بصفة دائمة أو موقتة، وبأجر أو بغير أجر، أن يقدم خلال 15 يوماً، من تاريخ تعيينه أو انتخابه، إقراراً عن ذمته المالية وذمة زوجه وأولاده القصر في هذا التاريخ، يتضمن بيان ماله من أموال ثابتة أو منقولة، وعلى الأخص الأسهم والسندات والحصص في الشركات وعقود التأمين والنقود والحلي والمعادن والأحجار الثمينة، وماله من استحقاق في الوقف، وما عليه من التزامات..."
وقضت هذه المادة بفرض هذا الإلزام على من كان في العمل حين نفاذ هذا القانون، وعلى الذين كانوا فيه بتاريخ 1 كانون الثاني 1946 وتركوه..
أي أنه كان له مفعول رجعي إلى ما قبل اثنتي عشرة سنة..
وعرفت المادة الكسب غير المشروع، بأنه:
"كل مال حصل عليه أي شخص من المذكورين في المادة 1 بسبب استغلال أعمال أو نفوذ أو ظروف وظيفته أو مركزه.
وكل زيادة يعجز مقدم الإقرار عن إثبات مصدرها تعتبر كسباً غير مشروع".
وأضافت المادة 4، بأنه "يعتبر كسباً غير مشروع كل مال حصل عليه أي شخص طبيعي أو اعتباري عن طريق التواطؤ مع أي شخص ممن ذكروا في المادة 1 على استغلال وظيفته أو مركزه".
ونصت المادة 5 على تشكيل لجنة أو أكثر لفحص الإقرارات المذكورة، ويصدر رئيس الجمهورية قراراً ببيان أصول تشكيلها ونظامها واختصاصها..
وزيادة في الحرص على الحفاظ على سلامة ذمة أجهزة الدولة، تضمن القانون نصوصاً تجيز للنيابة العامة إقامة الدعوى الجزائية أمام قاضي التحقيق إذا وردها إخبار (لم يعرف مرسله) أو شكوى (من شخص معين) يتضمن جريمة كسب غير مشروع أو كشف عن ذلك أثناء التحقيق.. (المادة 6)
وهذا الجواز للنيابة العامة بتحريك الدعوى الجزائية، هو حق من حقوقها أصلاً، إلا أنه كان للموظفين حصانة خاصة، في موضوع الملاحقات الجزائية، حتى لا يتعطل سير العمل، إذ لم تكن ملاحقتهم جزائياً ممكنة إلا بقرار من مجلس التأديب، في حالة الجرم الناشئ عن الوظيفة[1]..
وقد أطلق هذا القانون يد قاضي التحقيق مع الموظف الملاحق، فأجاز له صراحة عدم التقيد بالضمانات الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، إذ أنه نص في هذه المادة 6 على "أنه لا يتقيد بالمواد 70 (حق حضور المدعى عليه والمدعي الشخصي والمسئول بالمال إجراءات التحقيق) و73 (عدم سماع الدفع في موضوع الاختصاص) والمادة 89 (عدم التقيد بشكليات دخول المنازل وتفتيشها) والمادة 91 (إجراء التفتيش بحضور المدعى عليه) والمادة 92 (دعوته لحضور تفتيش محله أو منزله) والمادة 97 (شكليات الإطلاع على الأوراق والرسائل).
غير أن القانون اشترط في هذه الأحوال "أن تكون هناك ضرورة قصوى".
وقد أعطى هذا القانون الحق للمحقق في اتخاذ قرار بكف يد الموظف المشتبه في ذمته المالية، دون حاجة إلى إحالته إلى مجلس التأديب، لأن النص جاء بأنه "يكون له اختصاص مجلس التأديب".
فإذا وجده مذنباً، بعد التحقيق، أحاله إلى محكمة الجنايات لمحاكمته أمامها..
وتحكم عليه هذه المحكمة، إذا وجدته مذنباً، بمصادرة الكسب غير المشروع، وعزله من الوظيفة، والحكم عليه بالحبس مدة تتراوح بين 6 أشهر و3 سنوات، وبالحرمان من حقه في المعاش، شريطة ألا يتضرر مستحقو المعاش عنه، كزوجته وأولاده القصر..
وحافظ القانون على سلامة الأحكام، ففتح الباب أمامها لجواز الطعن فيها. أمام محكمة التمييز (النقض المادة 3، من القانون المذكور).
وتشجيعاً للناس على فضح الموظفين الفاسدين، منحت المادة 19 "كل من أبلغ عن كسب غير مشروع، وأدت معلوماته إلى الحكم بمصادرة هذا الكسب، مقدار خمس ما يحكم بمصادرته"...
الجمعة 11 تموز
خول الرئيس عبد الناصر، وزير الداخلية عبد الحميد السراج "مباشرة اختصاصه المنصوص عنه في المادة 12 من المرسوم التشريعي رقم 54 تاريخ 12-1-1952 بمنع الأجانب أو قسم منهم من دخول بعض المحافظات"، بقرار أصدره خصيصاً في هذا الموضوع، رقمه 687 وتاريخه 25 حزيران 1958، غير أنه نشر في الجريدة الرسمية البارحة (10 تموز).
وليس لهذا التفويض، إلا الغاية في السرعة، لمنع بعض الأجانب الذين يأتون لغايات ضارة، كالتبشير في محافظة من المحافظات التي يعتقدون أنهم ينجحون فيها من نشر سمومهم فيها.
وقد اتخذ هذا الإجراء لاعتبارات تتعلق بالأمن والسلامة العامة..
وبعد ذلك صدر قانون متكامل (القرار بقانون رقم 89 لعام 1960) ينظم دخول الأجانب.
الاثنين 14 تموز 1958: انقلاب في العراق
أيقظني، صبيحة هذا اليوم، صديق بالهاتف، ليخبرني أنه التقط إذاعة من بغداد، تعلن عن قيام انقلاب فيها على السلطة الملكية واستيلاء القوات المسلحة على الحكم في العراق.
وكان وقوع الخبر عليَّ مثيراً، لأنه سوف تكون له انعكاسات بالغة على مستوى السياسة العربية، والسياسة الدولية..
ذلك أن حكام العراق، وخاصة رئيس الوزراء نوري السعيد ممعن في عدائه للجمهورية التي يرأسها جمال عبد الناصر، ومتطرف في اندفاعه في اتجاه كتلة "العالم الحر"، وبلاده العراق، عضو "مضمون" في حلف بغداد المكون من تركيا والعراق وإيران وباكستان، والذي أقامته أمريكا وحلفاؤها، لتطويق الاتحاد السوفيتي من الجنوب. وهذا الحلف، يقع بين حلفين، مكملين، حلف شمال الأطلسي، وحلف جنوب شرقي آسيا...
وكانت زعيمة هذه الأحلاف، أمريكا، غير مرتاحة إلى حياد مصر وسورية، اللتين تعتبران خنجراً في جنبها، ومصدر تهديد مباشر للأردن الذي كان متعاوناً معها، ولبنان الذي كان محسوباً من حلفائها ناهيك عن كراهية السعودية ودول الخليج، لكل ما هو يساري النزعة، أو مؤمن بالعدالة الاجتماعية، التي تعتبرها حركة شيوعية!..
ورحت أتابع الأخبار من محطات الإذاعة المختلفة..
وقد عرفت أن للانقلاب قائدين، أحدهما عميد واسمه عبد الكريم قاسم (ويقولون في العراق الزعيم، وهي رتبة عسكرية كانت مستعملة في جيشنا قبل الوحدة)، والآخر العقيد عبد السلام عارف..
كما عرفت أن وزير الخارجية هو الدكتور عبد الجبار جومرد، وصديق شنشل وزير للأنباء والإرشاد، والدكتور جابر العمر وزير للمعارف..
والثلاثة من أصدقائي، ومن المعروفين باتجاهاتهم القومية الوحدوية..
كان عبد الجبار رفيقي في جامعة باريس، وهو يحمل الدكتوراه في الحقوق منها. وكنت وإياه على صلة مستمرة، وكثيراً ما كنا نلتقي في المساء في أحد مقاهيها، وخاصة مقهى الدﭙون (المعروف جداً) والينبوع (السورس - كما كنا نقول)، نتحدث في أنباء الجامعة، إذ نحن طلاب كلية واحدة، هي كلية الحقوق الشهيرة، أو في أنباء الحرب العالمية، التي كنا نعيش مآسيها ونحن في قلب أحداثها.. نتحمل بصبر وجلد، قلة التغذية وانقطاع أخبار الأهل والوطن، والقلق على مستقبلنا ومستقبل أمتنا..
وكان شاعراً حلو الديباجة، حضاري المعاني، باريسي القوافي..
وهو من أبناء الموصل..
ومن أبرز صفاته، شدة حذره، وضعف ثقته بالناس..
وكلمة جومرد تعني "الكريم" - في اللغة الكردية على ما يظهر - وكنا نقول في حلب، عندما كنا أحداثاً، جُومَرْتْ، في هذا المعنى..
وقد داعبه الأستاذ فارس الخوري، حين كان يدرس الحقوق في معهد حقوق دمشق - قبل سفره إلى فرنسا - متسائلاً:
هل أنت حقاً اسم على مسمى؟ فأجابه على الفور:
الله يعلم والأيام شاهدة
أنا كرام ولكنا مفاليس
وكان أستاذنا العلاَّمة، يطرب للنكتة ويحب الاستشهاد بالشعر.. وهي عادة ورثناها عن بعض أساتذتنا..
أما صديق شنشل، فهو معروف بصلابته القومية، وعرفته في باريس، وقد لعب دوراً بارزاً في معارضة نظام نوري السعيد، وكان على علاقة وثيقة بعبد الناصر..
وقد زارني عبد الجبار جومرد في حلب عام 1947 أثناء المعركة الانتخابية التي جرت في بلادنا ذلك العام على أساس الدرجة الواحدة، ونجحنا فيها نجاحاً مؤزراً.. وكان يرتدي "السدارة" العراقية على رأسه، فرجوته أن يرفعها، لأن الوقت كان صيفاً أولاً، وثانياً كان وجود "ضيف" عراقي، يثير شبهةً علاقة مع العراق، لم تكن محببة إذ ذاك..
وكانت دمشق مقر لجوء الدكتور جابر العمر، وهو أستاذ جامعي حصل على الدكتوراه من جامعة ألمانية، ولجأ إلى سورية هرباً من بطش النظام السعيدي الظالم، وكانت كلية الآداب السورية تستعين به في تدريس مادة التربية، التي كان مختصاً بها..
وكان هادئ التفكير، رزين القول، حلو المعشر، مؤمناً إيماناً عميقاً بوحدة امتنا العربية، من محيطها إلى خليجها..
لذلك شعرت براحة كبرى، حين سمعت أسماءهم في الإذاعات وهم يحتلون هذه المناصب الوزارية الحساسة، واطمأننت إلى سلامة اتجاه الانقلاب، الذي قضى على الملكية، وأخرج العراق من الحلف المشئوم، الذي عرف باسم بغداد، وكان أحرى به أن يحمل اسم إيران أو تركيا، اللتين كانتا تناوئان التحرر العربي، بكل شراسة ولؤم.
وحين وقع انقلاب الحناوي في دمشق عام 1949 زارني الإخوان عبد الجبار وصديق في بيتي بدمشق، ليبحثا معي مسألة وحدة سورية عراقية، وأفهمتهما بكل صراحة، بأنني أعارض هذا الاتجاه، مع وجود نظام ملكي ومعاهدة عراقية.. ومع ذلك فقد كانا متفائلين، بأنه سوف يأتي يوم يسقط فيه القيدان المذكوران..
وأذكر -لمجرد الذكرى- أنهما اقترحا أن تكون مدينة دير الزور مركزاً للاتحاد الجديد، لتسهيل اتصال المواطنين "بالعاصمة" الجديدة، من عراقيين وسوريين..
وهاهما القيدان يسقطان بعد ثماني سنوات، وبذلك فتحت أبواب مستقبل سياسي، محفوف بكل الاحتمالات والمخاطر..
ومن غريب المفارقات أنني حضرت محاضرة في النادي العربي، ممثلاً للأستاذ أكرم الحوراني، نائب رئيس الجمهورية، ألقاها الأستاذ عبد الكريم زهور، منذ أيام وقد رافقني إليها الدكتور جابر والأستاذ يوسف الرويسي، المعارض التونسي اللامع، واليد اليمنى للحبيب بورقيبة، الذي أصبح رئيساً للجمهورية التونسية، بعد أن ظفرت تونس باستقلالها. ولست أعرف سبب عدم التحاق يوسف بالحبيب، وتفضيله البقاء في دمشق "لاجئاً" كريماً مكرماً... ربما بسبب نزعة بورقيبة التسلطية[2]...
وقد سألت جابراً: متى سيتحرك العراق؟ وكان متشائماً من المستقبل جداً، لأن نوري السعيد وزبانيته، يمسكون مقاليد الحكم بيد حديدية لا ترحم قبضتها..
وفي هذا النهار الذي أخذ يتكشف عن انبلاج صبح عربي مشرق، طلبت أمريكا اجتماعاً لمجلس الأمن الدولي، لمناقشة وضع لبنان!.. وكان لبنان مسرحاً لاشتباكات مسلحة، منذ أسابيع، تقودها معارضة قوية ضد نظام الرئيس كميل شمعون. ومن أجل إبقاء لبنان مستقلاً وصديقاً للغرب، توجه شمعون إلى أمريكا يطلب منها النجدة، ولكن طلباته ظلت مجرد نداءات يائسة..
وإذاً، فتحرك أمريكا لدعوة مجلس الأمن اليوم، لا بد وأن تكون الغاية منها، بحث الانقلاب العراقي، الذي يمكن أن يتجه نحو الجمهورية العربية المتحدة، وفي هذه الحال، يكون لبنان والأردن قد أصبحا في وضع خطر، ولا بد من عمل شيء لإبقاء أنفاس الحياة في نظاميهما المواليين للغرب.
وأعلنت ثورة العراق، أنها قتلت الملك فيصلاً، وخاله الوصي على عرشه حين كان قاصراً، والذي كان يدير البلاد من وراء الملك الصغير، وعدداً من أفراد الأسرة المالكة، كما قتلت صباحاً ابن نوري السعيد، أما نوري فقد تمكن من الفرار، تشيعه اللعنات، على ما فعل بشعبه وأمته..
وكان الاسم الجديد الذي أخذت تطلقه الإذاعة، هو "هنا صوت جمهورية العراق"..
وقد أعلنت الجمهورية العربية المتحدة، اعترافها بجمهورية العراق الجديدة في الحال.
---
الحواشي:
[1] قانون مجلس التأديب رقم 37 تاريخ 5-2-1950. وقد ألغي هذا القانون وحل محله المرسوم التشريعي رقم 90 تاريخ 22-8-1962.
[2] بورقيبة لا يزال على قيد الحياة وأنا أكتب هذه الصفحة في نيسان 1995، وهو يعيش الآن شبه محتجز في قصره قرب تونس، بعد أن أطاح به قائد جيشه زين العابدين بن عليَّ، بحجة أنه أصبح عاجزاً عن تصريف أمور الدولة، بسبب ما أصابه من "خرف".. وقد عرفته في حلب عام 1946، حيث ألقى محاضرة طالب فيها، باستقلال تونس...