أيام الوحدة - السنة الأولى - الجزء 10: قانون الإصلاح الزراعي لعام 1958 وإعادة توزيع أراضي سورية
السبت 27: قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 تاريخ 27 أيلول 1958
لهذا القانون قصة طويلة في بلادنا، فهو يبدأ منذ أن أخذ السلطان العثماني يقطع الأراضي التي تقع خارج المدن، للذين يؤدون له ولدولته خدمات كبيرة، وبذلك أوجد طبقة من ملاك الأراضي في سورية وغيرها من أقاليم السلطنة، تستخدم الفلاحين في حراثة الأراضي ورعايتها وجني محاصيلها، وتقديمها في آخر الموسم "غنيمة باردة" للإقطاعي المالك. وكانت تدعى هذه الأراضي بالأراضي "الأميرية" وتقسم ميراثاً، بين البنت والولد بالتساوي، على خلاف القاعدة الشرعية "للذكر مثل حظ الأنثيين".. وعلل الفقهاء جواز هذا التوريث، بأن الأراضي هي ملك للسلطان، ومن حق المالك أن يوزع أمواله، كما يريد بين أولاده وغيرهم.
وحتى اليوم تطبق هذه القاعدة عندنا.
وقد كره المثقفون السوريون، منذ أن تخلصت البلاد من النير الفرنسي الذين كرسوا نضالهم لمقارعته، أن يستمر هذا الوضع الاستغلالي.. ووجدوا فيه ضرراً لثروة البلد، لأن الإقطاعي ما كان ينفق على استصلاح الأرض واستثمارها المبالغ التي تحسَّن وضعها وإنتاجها لأنه يملك الكثير من المساحات، وكيفما استعملت، ولو بأردأ الأساليب التقليدية، فإنها تملأ جيوبه مالاً، يكفيه ليعيش في سعة، وتسد حاجات مباذل المبتذلين منهم.. وكان الفلاح في حكم "القن" وهو عبد الأرض، يعمل هو وأسرته طيلة حياته، مقابل لقمة العيش التي تقيم أوده، وكأنهم مجرد أدوات للحراثة، يعيشون بعيدين عن كل مظهر من مظاهر الحضارة، ولا يرتادون المدارس، التي كانت في الأصل نادرة في البلاد.. ولا يهتم أحد بتطوير تقاليدهم البالية، فنشؤوا وعاشوا كالأرقاء، لا يتمتعون بممارسة حقوق الإنسان المشروعة..
وكان هذا الوضع خسارة للاقتصاد الوطني، وسبباً لتخلف الدولة وهزائمها المتتالية..
وكانت لسوءات الإقطاع في بعض المناطق آثار مباشرة في تحريك الاتجاه الاشتراكي، وإخراجه إلى العلن.. وأذكر أننا منذ كنا طلاباً في فرنسا في الأربعينات وشكلنا الجمعية العربية، كان أحد بنود ميثاقها ينص بوضوح على "وجوب توزيع الأراضي على الفلاحين من أجل تحريرهم"..
فلما عدنا وجدنا حركة تتمخض في البلد، وكان أقوى صوت من أصواتها، هو صوت الأستاذ أكرم الحوراني، وإخوانه في حماة...
وكان لصوت الشيوعيين، الذين كان يقودهم خالد بكداش، صدى ما، إلا أنه ظل خافتاً، لأنهم كانوا في نظر الكثيرين، من أتباع موسكو.. ولم تكن الشيوعية مقبولة عندنا، كمذهب اجتماعي.. غير أن دولة الاتحاد السوفيتي كانت تتمتع بتقديرنا، كدعامة سياسية تناوئ الغرب، وكثيراً ما وقفت إلى جانب الحق العربي، في مواجهة الكبرياء الاستعمارية.
وبحكم نشأتي الشعبية وثقافتي القانونية والأدبية، كنت أقف حكماً إلى جانب العمال والفلاحين، وأدعو إلى حصولهم على حقوقهم المشروعة... وكان موقفي دوماً بين الرأسمالية الجشعة التي لا تشبع ولا ترتوي، وبين الشيوعية التي تتبنى مبدأ تطاحن الطبقات، وترفع شعار "لكل حسب حاجته ومن كل حسب طاقته".. وكان هذا المذهب الوسط هو المذهب الاشتراكي..
وكان للمذهب الاشتراكي عدة مدارس..
والمدرسة التي كنت أقبلها هي "الاشتراكية الدستورية"..
وحين جرت انتخابات 1949 لجمعية تأسيسية تضع أول دستور في العهد الاستقلالي (خرج آخر فرنسي في 17 نيسان 1946) كان على بعض الإعلانات "محاربة الإقطاع"..
وحدثت مشادات قوية بين الجناح الذي يدعو إلى القضاء على الإقطاع دفعة واحدة، بنص يوضع في الدستور، وبين إبقاء ما كان على ما كان، تحت شعار "الحقوق المكتسبة"...
وانتهى الأمر، باتفاق عام، وضع في المادة 22 من دستور 1950 التي جاء فيها:
"لتحقيق استثمار أرض الوطن بصورة صالحة ولإقامة علاقات اجتماعية عادلة بين المواطنين، يسن تشريع خاص يقوم على المبادئ التالية:
وجوب استثمار الأرض وعند إهمالها مدة يحددها القانون، يسقط حق التصرف فيها.
يعين بقانون حد أعلى لحيازة الأراضي تصرفاً واستثماراً بحسب المناطق، على ألا يكون له مفعول رجعي...
يسن قانون يكفل حماية الفلاح ورفع مستواه.."
ووضعت المادة 26 لصيانة حقوق العمال أيضاً، فأوجبت إعطاءهم أجراً يتناسب مع كمية عملهم وكيفيته، وتحديد ساعات عملهم الأسبوعية، ومنحهم أيام راحة أسبوعية وسنوية مأجورة، وتأمين مخصصات مالية لهم أو لأسرهم في حالات التسريح والمرض والعجز والطوارئ الناشئة عن العمل، كما أنها نصت على أن "التنظيم النقابي حر ضمن حدود القانون"...
وأشهد أنه كان للمرحوم رشدي الكيخيا دور أساسي في "تبليع" هذه النصوص، لمن كان يخشى أن يصاب "بشواظها"..
وقبل الإقطاعيون بها، لأنها حافظت على تمتعهم بالخيرات والميزات طيلة حياتهم، ومن بعدهم الطوفان.. ولكن قبولهم بها، كان من باب "مرغم أخاك لا بطل"...
وجنبت البلاد الفتنة، خاصة وأنه لم يمض على جلاء الفرنسيين إلا أربع سنوات فقط، قامت أثناءها إسرائيل، ولم يكن في مقدور أحد إلا المناداة برص الصفوف والبعد عن الانقسام الداخلي، إذا أريد للوطن أن يقف قوياً في مواجهة الخطر الخارجي الداهم..
وكنا نحن في حزب الشعب (الذي شكلناه عام 1948 وحل مع الأحزاب الأخرى عام 1958)، نسلك مسلكاً اشتراكياً معتدلاً، أي تطورياً، فلم نكن نقبل بقاء "ما كان على ما كان"، لأنه وضع مخالف لمصلحة البلاد والعباد، ولكن لم نكن ندعو إلى تغييره بالثورة.. وإنما بمتابعة تطور الفكر العام، واستلهامه ووضع قوانين تكرس هذا التطور..
وقد ألقيت محاضرة عامة في حلب بتاريخ 11 آذار 1955 تقع في 54 صفحة، جعلت عنوانها "الاشتراكية الدستورية" (وضع عليها "من منشورات حزب الشعب"... أوضحت فيها آرائي (وآراء الحزب) في موضوع التطور الاجتماعي.
وقد قلت فيها: "إن الأسلوب الذي أدعو إليه لتحقيق الفكرة الاشتراكية، هو تطبيق الدستور لا طريق الثورة والتطاحن الطبقي، أي أنني أدعو إلى اشتراكية هادئة تتم في ظل التشريع بوحي وتوجيه من الدستور.. ونحن إذاً لا نؤمن بالطفرة. ولقد برهنت الانقلابات العسكرية في سورية، عن عجزها عن تطبيق المبادئ الاشتراكية دفعة واحدة..
برغم ما نقنع به، بأنهم لا يبتغون العدالة الاجتماعية، وإنما السيطرة على الحكم"..
ومن هذا المنطلق، طالبت "بتشجيع الرأسمال الوطني" وحمايته وتحديد الأسعار، والحفاظ على أملاك الدولة، وتحقيق المشاريع الكبرى من قبل الدولة...
وأعربت عن رأيي في مسألة خطيرة، كان صداها، إذ ذاك، يتردد في أرجاء البلاد، وهي التأميم فقد قلت فيه:
"ونحن من القائلين بسياسة التأميم كوسيلة لوضع يد الدولة على المرافق الكبرى، لأنه طريق نحو تحقيق الاشتراكية الهادئة.."
وأنهيت المحاضرة "بأن علينا ألا نيأس ونقنط من وضع الاشتراكية في سورية، لأن الاشتراكية في مراحلها العليا تقتضي وجود رأسمالية متكاملة مستغلة مستثمرة، ومثل هذه الرأسمالية ليست إلا في بداياتها، ولا أتحدث عن الإقطاع، لأنه ليس إقطاعاً بمفهومه القديم، وإنما هو مجرد سرقة أملاك الدولة وسلبها دون حق أو مبرر، وحرمان الفلاحين الكادحين منها، وهم أحق بها وأولى"..
وإذاً "فاشتراكيتنا هي في مصلحة العمال والمالكين أنفسهم وفي مصلحة المجتمع كله.. ولقد نقم فلاسفة الاشتراكية على المجتمع القائم على أساس الملكية الفردية وحدها، لأنه مجتمع يلتقي فيه الثراء والبؤس والتخمة والجوع.. وهو مجتمع لم يقبل، عاقل، من أنبياء بني إسرائيل إلى سان سيمون إلى برودون، إلى برنارد شو، ومن أفلاطون إلى روسو وكانت والفابيين الإنكليز..."
وحتى لا يظل الفلاحون عرضة للاستغلال والابتزاز، أصدر مجلس النواب السوري قانوناً في أوائل آذار 1957 من مادة واحدة هذا نصها:
"ريثما يصدر تشريع ينظم علاقة الفلاحين بالمالكين، وفق أحكام المادة 28 من الدستور، يمنع إخلاء الفلاحين من بيوتهم".
وقد استقبل هذا القانون بفرحة غامرة من الفلاحين، لأنه آمنهم في بيوتهم ومنع تشريدهم..
ومن أجل تطبيق المادة 22 من الدستور المشار إليه آنفاً، شكلت لجنة نيابية وضعت مشروع قانون للعلاقات الزراعية..
وصدر هذا المشروع قانوناً عرضنا له قبل قليل.
وحين درسنا أوضاع الفلاحين في الأرياف، وجدنا أشياء مذهلة..
فقد تبين لنا أن الملكيات الصغيرة (قبل الوحدة)، والمقصود بها الملكيات التي لا تتجاوز الواحدة منها عشرة هكتارات، تبلغ 1.097.491 هكتاراً، وهي تعادل ما نسبته 13.8% من مجموع الأراضي الزراعية، وأن الملكيات المتوسطة، وهي التي تتراوح مساحة الواحدة منها من 10 و20 هكتاراً، تبلغ 2.892.414 هكتاراً، وأن الملكيات الكبيرة، وهي التي تزيد عن هذه المساحات تبلغ 2.348.783 هكتاراً..
كذلك فإن الملاك من أصحاب النفوذ استولوا على أكثر أراضي أملاك الدولة، البالغة 1.593.000 هكتار!....
وعلى هذا فإن صغار الفلاحين لا يتصرفون إلا بنحو 13% من مجموع الأراضي الزراعية، في حين أن كبار المالكين يستولون على أكثر من 60%....
وهو وضع لا يمكن لأحد أن يقبل به..
ويذكر أحد الباحثين[1] أن مساحة الأراضي الزراعية التي يملكها الفلاحون العاملون في الأرض لا تزيد عن 9% (تسعة في المئة) من مجموع أراضي الفرات والجزيرة، البالغة مليوناً وأربعمئة ألف هكتار.. والباقي يملكه الإقطاعيون الكبار.
ويقول هذا الباحث بأن نسبة المهاجرين إلى محافظة الجزيرة خاصة، من غير العرب (آشوريين وأكراد) تبلغ نحو 60% من أصل تعداد السكان..
وإذاً فهناك، في الوطن، أراضٍ غير مستثمرة استثماراً صالحاً، ومن الخير للجميع أن تصل إليها يد الإصلاح الزراعي، وتوزيع ما يزيد عن قدرة المالك على استثماره، على الفلاحين الذين هم أحق بها، لخيرهم وخير البلاد.
ومن هذا المنطلق وضع مشروع قانون الإصلاح الزراعي قبل قيام الوحدة بأيام، وجرى تعديله في بدء دولة الوحدة، ثم أخذ طريقه إلى القاهرة للتصديق عليه..
وأذكر أن عبد الناصر لم يعدل فيه إلا جملة "من أبناء الإقليم السوري" كتبها بخط يده، وبالقلم الأحمر، على المشروع، لكي يحرم الفلاح المصري من المجيء إلى سورية، حتى لا يستغل أعداء الوحدة تدفق المصريين على ريف سورية.. ولست أدري إذا كان هذا التعديل صواباً أم لا..
وأذكر جيداً أن الرئيس شكري القوتلي كان يطالب "بتهجير مليون فلاح مصري" إلى الجزيرة، من أجل تحسين الإنتاج الوطني وزيادته وتعديل الكفة الديموغرافية بين سكانها من عرب وغير عرب!.. وقد سمعت منه هذه الرغبة مراراً[2]...
وقد اقر الرئيس عبد الناصر المشروع، وأصدره بالقرار بقانون رقم 161 تاريخ 27 أيلول 1958، ونشر في الجريدة الرسمية في نفس اليوم.. فحقق به آمال المنادين بتحرير الفلاح ونشر العدالة الاجتماعية بين المواطنين..
ولحق بهذا القانون فيما بعد 8 تعديلات حتى عام 1961، ثم عدل 11 تعديلاً بعد هذا التاريخ..
وسوف ألقي نظرة موجزة على القانون كما صدر بتاريخ 27 أيلول 1958، تاركاً ملاحقة التعديلات، وتطور موضوع الإصلاح الزراعي إلى من يريد أن يتوسع في دراسته من ذوي الاختصاص.
حدد القانون في المادة الأولى حداً أعلى للملكية الزراعية بالنص على أنه "لا يجوز لأي شخص أن يملك:
1"- أكثر من 80 هكتاراً في الأراضي المروية.
2"- أو أكثر من 300 هكتار في الأراضي البعلية.
ويترك للمالك عند الاستيلاء على الزائد عن الحد الأعلى من أرضه حق اختيار الجزء الذي يرغبه من كل نوع.
ومن أسف أن وزير الإصلاح الزراعي (مصطفى حمدون) كان يرفض لبعض المالكين حق الاختيار هذا. ومن ذلك أن سيدة من آل الجابري حدثتني أنها اختارت قطعة الأرض التي يوجد فيها قبر والدها، للحفاظ على هذا القبر. ولكن الوزير رفض لها هذا الحق، فاشتكت من ظلامتها، وأوصلت شكواها إلى عبد الناصر... وحين كثرت الشكاوي أوفد الرئيس لجنة برئاسة سيد مرعي، وزير الإصلاح الزراعي المركزي كنت أحد أعضائها، وسافرنا إلى المحافظات واستمعنا إلى الشكاوي، وضاق حمدون ذرعاً بهذه اللجنة، واعتبرها موجهة ضده، وربما كانت أحد عوامل نزع الثقة.. التي انتهت باستقالته وإخوانه من الحكومة..
وعرفت الأرض المروية، بأنها الأرض التي تروى بالراحة (دون عناء) أو بالرفع (من بئر مثلاً بواسطة موتور يعمل بالمحروقات)، سواء أكان الرفع من مياه جوفية أو من مياه الينابيع والأنهار.
علاوة على هذا المقدار من التملك، أجاز القانون للمالك أن يتنازل لكل زوجة (إذا كان لديه أكثر من زوجة) وكل ولد من أولاده عن مساحة من أرضه (تستقطع من الأرض الزائدة عن الحد الأعلى المسموح به) كما يلي:
10 هكتارات من الأراضي المروية كحد أعلى..
و40 هكتاراً من الأراضي البعلية..
أو ما يعادل هذه النسبة من النوعين..
وخشية أن تظل الملكية الواسعة في متناول الأسرة، وهو ما حرص القانون على تفاديه، حددت المادة 2 عدم جواز أن يتجاوز مجموع المساحة المتنازل عنه للزوجات والأولاد:
40 هكتاراً في الأراضي المروية أو 160 هكتاراً في الأراضي البعلية، أو ما يعادل هذه النسب من النوعين.
ونصت المادة 5 على أن تستولي الدولة خلال خمس سنوات على الزائد عن الحد الأعلى، وتبقى للمالك الزراعة القائمة على الأرض وثمار الأشجار حتى نهاية السنة الزراعية التي تم خلالها الاستيلاء.
ونصت المادة 6 على أنه لا تقبل:
1"- تصرفات المالك ولا الرهون التي أجراها قبل نفاذ القانون ما لم يثبت تاريخها بقيد رسمي، خشية أن ينقل المالك الملكية إلى أشخاص يعملون تحت أمرته.
2"- بتصرفات المالك إلى أزواجه أو فروعه أو أزواج فروعه أو أزواج فروعهم وإن نزلوا، متى كانت التصرفات غير ثابتة التاريخ قبل 1-1-1950، وذلك دون الإضرار بحقوق الغير التي تلقوها من المذكورين بتصرفات ثابتة بقيود رسمية، قبل نفاذ هذا القانون (أي قبل 27 أيلول 1958)..
وهذا نص أدخل على مشروع اللجنة، لأن اللجنة تمسكت بنص دستور 1950 الذي يمنع المفعول الرجعي، فلما قامت الوحدة، صدر الدستور الموقت وليس فيه تحريم الرجعية، فوضع هذا النص..
وقد لحق من جراء هذا النص ظلم ببعض الملاَّكين.
ففي المعرة، تنازل ملاك كبير لولده الذي يعيل أسرة واسعة عن إحدى قراه قبل عام 1950، فعمل بها، حتى أصبحت أرضاً معطاءً، ولكنها نزعت منه..
وفي حلب، اتفق إخوةً من أسرة معروفة، على أن يسجلوا كل ما يحصلون عليه من أرض، إرثاً أو شراء، باسم أمهم، وكان رأيهم أن هذا التسجيل يحفظ حقوق الكبار والصغار على حد سواء.. فلما صدر قانون الإصلاح الزراعي، اعتبرت الأم هي المالكة الحقيقية، وطبق عليها القانون، دون أن تؤخذ حقيقة الحال بعين الاعتبار.. ولكن القانون أراد أن يقطع دابر التلاعب، وكان لا بد لبعض الناس أن يصيبهم منه ضرر..
ولم أتابع التعديلات حتى أرى ما إذا كانت هذه العيوب أصلحت أم لا.. والقانون، طالما أنه من عمل البشر، وليس من وحي الملائكة، فإنه يكون عرضة دوماً للأخطاء.. ولهذا السبب عدل نحو تسع عشرة مرة.. لإزالة الظلامات..
وتطبق نفس الأحكام في حالة موت المالك، بعد نفاذ هذا القانون، أي أن مالك الأراضي إذا توفي، فإن نصوصه تطبق على الإرث وعلى الوصية.. وتحِّصل الدولة ضريبة التركات أولاً ثم تأخذ المساحة التي تزيد عن الحد الأعلى من الملكية، وما يقي من المساحة القانونية، يقسم بين الورثة والموصى لهم، حسب أحكام قانون الأحوال الشخصية في الإرث والوصية.
ومن أجل تشجيع الشركات المساهمة والجمعيات التعاونية والشركات الصناعية (الموجودة قبل العمل بهذا القانون) والجمعيات الزراعية العلمية والجمعيات الخيرية وحفظ حقوق الدائنين، أجاز القانون لهم تملك مساحات من الأرض أكثر من الحد الأعلى المذكور.
وقد حفظ القانون لكل شخص استولت الدولة على المساحات الزائدة من أراضيه، حقه في التعويض ويحسب على أساس 10 أمثال متوسط بدل إيجار الأرض لدورة زراعية لا تتجاوز ثلاث سنوات أو حصة المالك منها.
ويحدد هذا التعويض من قبل لجان متخصصة (المادة 8).
ولصاحب الأرض حق الاعتراض على مقدار التعويض.
وحددت مدة سداد هذا التعويض بأربعين سنة.
ونصت المادة 10 على أن يؤدي هذا التعويض سندات على الدولة بفائدة قدرها 1.50%. ويجوز التصرف بهذه السندات لمن كان متمتعاً بجنسية الجمهورية العربية المتحدة..
ويجوز لصاحب السندات أن يسدد بها الضرائب التي ترتبت على الأراضي الزراعية، وضريبة التركات.
وحدث أن استولت الدولة على قرية قسطون التي يملكها وهبي الحريري. وكان الحريري مديناً للدولة بنحو ثلاثة ملايين ليرة، استلفها من الخزانة العامة بقرار من حسني الزعيم. فطالب أن يدفع ديونه بهذه السندات التي أعطيت له عن أرضه. وساندت الطلب في مجلس الوزراء وفي مجلس إدارة الإصلاح الزراعي، لأنه طلب حق ولكن الأكثرية رفضت.
ونصت المادة 13 على توزيع الأراضي المستولى عليها على الفلاحين في كل قرية، بحيث لا تتجاوز ملكية الواحد 8 هكتارات من الأرض المروية أو 30 هكتاراً من الأراضي البعلية.
وكما أشرت قبل قليل، فإن الفلاح المستفيد من هذا التوزيع يجب أن يكون من أهل الإقليم السوري، وأن تكون مهنته الزراعة، أو كان يحمل شهادة زراعة، وأن يكون بالغاً سن الرشد.
ويتلقى الفلاح الأرض بثمنها ويؤديه، وفقاً لأحكام المادة 14، على مدى أربعين سنة، ويؤدي معها فائدة قدرها 1.50% ومبلغ 10% من الثمن مرة واحدة، مقابل نفقات الاستيلاء.
وقد نص القانون على إنشاء مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، تسمى "مؤسسة الإصلاح الزراعي، ولها مجلس إدارة ومدير عام، كما نص على إحداث صندوق خاص بها.
وقد أناطت المادة 17 بمجلس الإدارة "التفسيرات اللازمة لأحكام هذا القانون، على أن تصدق بقرارات من رئيس الجمهورية...
وتعتبر هذه القرارات تفسيراً تشريعياً ملزماً. وأوجب القانون على الفلاحين في كل قرية تشكيل جمعية تعاونية زراعة يكون من اختصاصها الحصول على السلف ومد الزراع بما يلزم لاستغلال الأرض وبيع المحصول وغير ذلك من الأعمال التي تسهل قيام الجمعية بما فيه مصلحة أعضائها حتى لا يحتاجوا إلى المرابين أو الوسطاء الجشعين..
وصدر في أعقاب هذا القانون، قرار من رئيس الجمهورية رقم 1181 لسنة 1958، بإحداث مؤسسة الإصلاح الزراعي..
وقد تشكل مجلس إدارتها، برئاسة وزير الإصلاح الزراعي، من سبعة وزراء أحدهم وزير الخزانة. وكنت أحضر جلسات هذا المجلس بهذه الصفة..
وقد أصدرنا سلسلة من التفسيرات، وسعنا بها على الملاكين الذين كانوا خاضعين للاستيلاء..
وليس من شك في أن صدور قانون الإصلاح الزراعي كان تكريساً أساسياً للمذهب الاشتراكي، وتحريراً للفلاح، ونعمة للوطن.. وقد اكتفيت ببعض ملامحه، لأن دراسته الدقيقة تحتاج إلى عناية أكثر.. وخاصة وقد لحقت به تعديلات كثيرة[3]..
وقد عبث به الانفصاليون، فيما بعد، ولكتهم أرغموا على العودة إلى الرجوع إلى أحكامه في خطوطه الأولى..
وعدله حكم حزب البعث، بعد أن آل إليهم الحكم بعد انقلاب عام 1963.
الخميس 2 تشرين الأول
صدر اليوم قرار جمهوري رقمه 1221، نقل اختصاصات وزارة الخزانة في موضوع الإشراف على البنوك، والرقابة على هيئات التأمين، وتنظيم بيع الأوراق المالية، إلى وزارة الاقتصاد الوطني في الإقليم المصري، ثم مده إلى الإقليم السوري.
وهو قرار غريب، لأن وزارة المالية (الخزانة) كانت تشرف دوماً على هذه القطاعات، التي هي من صميم اختصاصاتها المالية.
ومن المؤكد أن الرئيس إنما أقدم على إصدار هذا القرار نزولاً عند رغبات الدكتور عبد المنعم القيسوني، الذي أصبح وزيراً للاقتصاد، وهو يحب أن تكون البنوك خاصة تحت إشرافه، وخاصة البنك المركزي..
وكلنا نعلم أن للقيسوني منزلة خاصة في نفس الرئيس، بسبب عمله الطويل في البنك الدولي في واشنطن، واتساع علاقاته بمسئوليه، وخاصة برئيسه الأمريكي، المستر بلاك...
---
الحواشي:
[1] عوني فرسخ، الوحدة في التجربة، دار المسيرة، بيروت 1980 ص 231.
[2] وكتب محمود رياض هذا الرأي أيضاً، كما سمعه من الرئيس القوتلي (مذكراته ص 239)..
[3] الذين كتبوا عن الإصلاح الزراعي كثيرون، أكتفي هنا بالإشارة إلى بعضهم: الأستاذ عبد الهادي عباس، في كتابه: الأرض و الإصلاح الزراعي في سورية، وهو في الأصل بعثي عرف باعتداله وإنصافه. بدر الدين السياعي: "المرحلة الانتقالية في سورية، عهد الوحدة 1958-1961، بيروت 1975. الدكتور عبد الله حنا، مقال في "دراسات تاريخية"، عدد خاص عن العلاقات الزراعية، كانون الأول 1992.