فصل خاص - الجزء 1: إقالة إحسان القواص وتاريخ حصانة القضاة في سورية

اقرأ بالإنكليزية

في فترة وجودي وزيراً للعدل، عرضت لي بعض الأحداث التي لم أحتج، من أجل تسجيلها، إلى تاريخ محدد..

وقد رأيت أن أسجلها هنا، مرقمة ترقيماً عادياً، لا علاقة له لا بأهميتها، ولا بالتسلسل الزمني..

غير أنه تعطي فكرة عملية عن سير العمل في النظام الوحدوي، خلال الشهور الأولى من قيام الوحدة.. وقبل أن اترك وزارة العدل، إلى وزارة الخزانة..

تسريح السيد إحسان القواص

لم يكد يجف مداد التوقيع على اتفاقية الوحدة، حتى فاجأنا وزير الداخلية، عبد الحميد السراج، بمشروع قرار عرضه على مجلس الوزراء، يتضمن تسريح السيد إحسان القواص، الأمين العام لوزارة الداخلية.

واستغربت فعلاً هذا الاقتراح المفاجئ والغريب..

كانت جلسة المجلس صباحية، عقدت في قصر المهاجرين وكان يرأسها ويديرها الأستاذ أكرم الحوراني، نائب رئيس الجمهورية، وكان إلى جانبه الأستاذ صبري العسلي النائب الآخر لرئيس الجمهورية.. وهيمن على المجلس سكون المقابر، لأن أحداً منا لا يعرف للقواص إساءة، بل على العكس كان معروفاً بالاستقامة.. وحين لم يطلب أحد الكلام، طلبته، وسألت عن السبب الذي دعا الوزير إلى تقديم هذا المشروع، فأجابني إجابة لم تكن مقنعة أو حتى كافية لطرد موظف كبير من منصبه.. ورددت عليه بأن تسريح الموظف، خاصة ونحن على عتبة عهد قومي رائع وتاريخي، يعني قطع رزقه، بالإضافة إلى تلويث سمعته بين الناس.. وأضفت بأنني أفهم التسريح وأقبله في إحدى حالتين، إما أن يكون الموظف خائناً لدولته، أو أن يكون خَرِبَ الذمة، مختلساً لمال الدولة، أو مرتشياً، وفيما عدا هاتين الحالتين، فإني سأصوت ضد كل تسريح..

وأخذ الكلام أمين النفوري وزير الأشغال العامة، فقال: نسير على القاعدة الديمقراطية، وهي أن القرار الفصل، للأكثرية، وجرى التصويت، فلم يعارض القرار غيري..

والذي أدهشني هو موقف حسن جبارة، وزير التخطيط ووالد زوجة الأستاذ القواص، وأقْدَمُنَا تمرساً بالحكم، فلم ينبس ببنت شفة ولم يسجل معارضة، أثناء التصويت..

وبعد أن انفضت الجلسة، جاءني يشكرني على "موقفي الجريء"، وسألته هل إحسان خائن، فقال: لا، وسألته، هل هو مرتش؟ فأجاب أبداً.. قلت له: إنك ظلمته وظلمت قناعتك!..

مسألة حصانة القضاة

بعد التجارب الطويلة التي جربتها الدول الديمقراطية، انتهى بها المطاف إلى تقرير استقلال القضاء وحصانة القضاة في وجه السلطتين التنفيذية والتشريعية، والسلطة القضائية إحدى سلطات الدولة الثلاث. وقد خصتها الدساتير بضمانات أساسية، حتى تستطيع أن تصدر أحكامها، في حياد ونزاهة، ودون خوف من تهديد وزير أو كبير، ما دام القاضي لا ينقل ولا يعزل إلا في حالات محددة بدقة، ذكرها القانون...

وقد تبنت دساتيرنا، في سورية، مبدأ استقلال القضاء.

فقد نصت المادة 34 من دستور 1930 (وهو الدستور الذي أقرته الجمعية الوطنية السورية عام 1928 وعدله المفوض السامي الفرنسي) على ما يلي:

"تنفذ السلطة القضائية وفقاً لنظام يوضع طبقاً للقانون، تكون فيه للقضاة وللمتقاضين الضمانات اللازمة، والقضاة مستقلون ولا يعزلون إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون.."

وسماها دستور 1950 (وهو أول دستور وضع في عهد الاستقلال) السلطة القضائية (الفصل الخامس من الدستور) وقال في المادة 104:

"القضاء سلطة مستقلة"، وقال في المادة 105 تأكيداً وشرحاً للمادة 104 ما يلي:

قضاة الحكم مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.

شرف القضاة وضميرهم وتجردهم ضمان لحقوق الناس وحرياتهم.

وأكد هذا الاستقلال في المادة 106 فقال:

"قبل أن يتولى القاضي عمله يقسم أنه يحكم بين الناس بالعدل ويحترم القوانين"..

والذي عليه أن يحترم القوانين، لا يحق له أن يخضع إلى تهديد كبير، ولا يقبل وساطة وزير..

وأناط أمور القضاة بمجلس القضاء الأعلى، الذي يرأسه رئيس المحكمة العليا.. (وليس وزير العدل).

وحافظ الدستور الذي وضع في عهد أديب الشيشكلي عام 1953 على هذه المبادئ بذاتها، ونقلها بصورة حرفية في المادتين 106 و107.

حتى الدستور الموقت، الذي صدر في أول الوحدة بين مصر وسورية بتاريخ 5 آذار 1958 نص في المادة 59 على "أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة"، وأيد هذا الاستقلال بحماية القضاء، فقال في المادة 60 "القضاة غير قابلين للعزل وذلك على الوجه المبين في القانون"..

واستقرت هذه المبادئ في دستور 1973، حيث نصت المادة 133 على استقلال القضاة وحصانتهم.

وقد اختار هذا الدستور أن يكون رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، وينوب عنه وزير العدل. وهو المذهب الذي اختاره الدستور الفرنسي الأخير. وقد علل الفقهاء، ترؤس رئيس السلطة التنفيذية أعلى مجلس قضائي، بالرغبة في تأكيد استقلال السلطة القضائية بوجود رأس الدولة على رأسها..

وقد فصَّل قانون السلطة القضائية رقم 133 تاريخ 8-5-1953 وتعديلاته أوضاع الحصانة القضائية غير أن التعديلات التي أدخلت على هذا القانون في عهد الانفصال (بالمرسوم التشريعي رقم 66 تاريخ 12-7-1962 خاصة) أعطت لوزير العدل سلطة اقتراح تعيين القضاة وترفيعهم وتأديبهم وعزلهم، شأنه في ذلك شأن رئيس مجلس القضاء الأعلى، على أن يكون القرار من مجلس القضاء الأعلى، وهذه أول لطمة على وجه الحصانة ثم جاءت الأخرى عام 1966 حين أصبح وزير العدل رئيساً لهذا المجلس نيابة عن رئيس الجمهورية.. (المادة 65 المعدلة من قانون السلطة القضائية لعام 1961).

وأنا كوزير للعدل احترمت هذه الحصانة، ولم أحاول المساس بها حفاظاً على قناعتي القانونية، واحتراماً لسنوات طويلة درَّست فيها في كلية الحقوق، هذه المبادئ جملة وتفصيلاً، وأدخلت في روع طلابي أن العدالة لا تتحقق إلا عن طريق قضاة نزيهين، شرفاء، مستقلين، أطهار أبرار..

وسرنا في أعمالنا الحكومية على أسس هذه المبادئ، فيما يتعلق بسير العدالة..

غير أني بدأت أسمع في مجلس الوزراء نغمات، ظلت تزداد حدة، تطالبني بلزوم رفع الحصانة عن القضاة وتسريح الفاسدين منهم، خاصة وأن "العهد عهد تقدمي ثوري"، مما يعني ضمناً ضرورة التخلص من القضاة الأعلى مرتبة.. باعتبارهم من "الرجعيين وأبناء العائلات"..

وكنت في كل مرة، أسوِّف وأغيِّر مجرى الحديث، لأنني كنت أخاف أن ارفع الحصانة بمرسوم تشريعي، وكان هذا سهلاً للغاية يوم ذاك، لمدة أربع وعشرين ساعة أو أكثر، ثم أفاجأ بطلب تسريح رئيس المحكمة العليا ورئيس النقض ورؤساء الاستئناف، أو بعضهم.. ويقال لي: القرارات بالأكثرية.. ونضع بدلاً منهم قضاة تنقصهم خبرتهم، وربما نزاهتهم وحيادهم.. وعندها يدخل القضاء، وأدخل معه في متاهة، أعرف طريقة الدخول إليها، ولكني لا أستطيع معرفة طريقة مأمونة للخروج..

وعاد الوزراء العسكريون، بخاصة، يلحون عليَّ، من أجل رفع الحصانة، لتطهير القضاء".. عندها قررت أن أدرس حالة كل قاض، بسؤال من أثق فيهم من كبار القضاة و"متوسطيهم"، ورئيس هيئة التفتيش.. تحت العهد المقطوع بوجوب كتمان السر... وانتهى بي البحث إلى أنه يوجد بين الثلاثمائة قاض تقريباً نحو أحد عشر قاضياً تحوم حولهم شبهات، واثنان زكاهما البعض، وقدح فيهما البعض الآخر..

واتخذت قراري بأنني لن ارفع الحصانة، وسوف أعالج أمر هؤلاء المشتبه في ذمتهم، عن طريق اتصالات شخصية برئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى.. ووضعهم في مناصب بعيدة عن اتصالات أصحاب المصالح..

وأبلغت قراري هذا إلى مجلس الوزراء.. وكان قراراً حاسماً، لا عودة عنه.. وتقبله الزملاء مني، تقبلاً تراوح بين الابتهاج وبين الغصة.. وحين جاء نهاد القاسم وزيراً للعدل في الحكومة الجديدة التي تشكلت بعد اشهر، ارتأى أن يرفع الحصانة "على ذمته".. وتقرر تسريح الذين أدانتهم تحرياتي، إلا واحداً أخرج على غير وجه حق، وآخر لم يخرج وكان من العدل أن يخرج. وحين سألته عن السبب في عدم إخراجه، تعلل بأن تسريحه سيسبب له مشكلة عائلية.. وفي النهاية نقله إلى وظيفة كاتب بالعدل..

على أنني وجدت أن "بعض الذين تدور حولهم الشبهات، كان فيهم عدد من الذين "تلاعبوا" في أعمارهم، فاستحصلوا على أحكام قضائية تتضمن "تصغير" أعمارهم، وبذلك تطول مدة خدمتهم... ونصحني أحد كبار القضاة، ممن "أثق" في أمانتهم، بأن أستصدر قانوناً من رئيس الجمهورية بإبطال كل تصحيح في الأعمار، وبذلك يذهب إلى بيته القاضي الذي بلغ من السن عتياً، ولكنه لا يزال شاباً في السجلات المدنية، ووافق الرئيس على إصدار هذا القانون، فخرج رئيس محكمة التمييز (النقض حالياً) وكان مشهوداً له بالنزاهة وبعدم فهم القوانين، كما خرج بعض المستشارين..

ولكني فوجئت بأن القاضي الكبير الذي قدم لي هذه النصيحة، إنما كان يعمل لمصلحة نفسه أيضاً.. فاستفاد من تمديد خدمته أربع سنوات، لأنه كان قد صحح سنه، ذات يوم، ليرفعه أربع سنوات.. وكان على أبواب التقاعد، فلما استصدرت القانون المذكور ألغي تصحيح سنه بالتكبير.. فطالت مدة خدمته..

وأشهد أني لم آسف أبداً على هذه "الاستفادة" لأنه كان يشغل موقعاً قضائياً رفيعاً هو في حاجة إلى استقامته ونزاهته وحسن فهمه للقانون..

وقد كرَّمه الرئيس عبد الناصر فاختاره ليشغل أعلى منصب قضائي في الجمهورية، واستمر في منصبه مدة الانفصال وعدة سنوات من مرحلة 8 آذار في جهاز القضاء السوري.. وخرج مسرحاً، قبل أن يخرج بالسن..

وفيما يلي قصة أحد المشتبه في ذمتهم:

كان رئيساً لإحدى الغرف الاستئنافية، وقد جاءتني سيدة تشتكي ظلمه وتحيزه، وأنه طلب منها أن تشتري له مسبحة من الكهرمان، تجدها عند صائغ سماه لها، في سوق الصاغة، قيمتها 150 ليرة.. واستغربت جدا! هذه التهمة، لأني أعرف هذا القاضي بحزمه ونزاهته، ثم إنه في وضعه الاجتماعي، ليس في حاجة إلى طلب أو قبول مثل هذه الهدية.. فلما سألتها الدليل على صحة قولها، قالت إن الحديث جرى في مكتبه ولم يكن أحد حاضراً، ولكنها أقسمت على القرآن الكريم بأنها تقول الصدق.. وشعرت بأن رأسي تكاد تنفجر حيال تهمة فظيعة، لا يوجد عليها أي دليل..

وعل الرغم من أنني لم أكن بذي سلطة على جهاز قضاء الحكم، فإنني أبقيت عيني مفتوحة عليه... ووفقت إلى وضعه في مكان، لا يستطيع أن ينفع فيه أو يضر!..

وامتد بي الأجل، حتى أخذت أسمع عن بعض القضاة قصصاً لا تصدق، وقد جعلتني فظاعتها وقذارتها، أقرأ ألف فاتحة على أرواح الذين سرحهم نهاد القاسم..