فصل خاص - الجزء 4: جريمة شرف بدوية ومحاولة حومد الفاشلة لتوحيد القوانين العربية

اقرأ بالإنكليزية

قصة البدوية القتيلة وخاطفها

تعمدت أن أستعمل لفظ "بدوية"، كتعبير عام، من شأنه أن يحدد منبت المرأة، ولكنه لا يضر بسمعة العشيرة التي تنتمي إليها..

وإنما ذكرتها، لأندد فقط، ببعض التقاليد العشائرية الموروثة من القدم، والتي تسبَبت في قتل بريئين، لا ذنب لهما، إلا أن حبهما، خالف ما درج عليه مجتمعهما من تقاليد بالية..

وقد كان للعشائر وضع "قانوني" خاص بهم، بموجب عرف قديم، ثم جاء الدستور السوري، لعام 1930 فحفظ لهم بنص صريح رعاية هذه الأعراف، فقد نصت المادة 113 على أنه:

"تقوم بشئون العشائر البدوية إدارة خاصة تحدد وظائفها في قانون تراعى فيه حالتهم الخصوصية".

وحين وضعنا دستور 1950 (وكان للعشائر في مجلس النواب عدد من الأعضاء) نصت مادته 158، الواردة في الأحكام الانتقالية، كحل وسط، على إلزام الحكومة بالعمل على تحضير البدو، وعلى "وضع قانون خاص يرعى التقاليد البدوية بين البدو والرحَّل ويحدد العشائر التي تخضع لأحكامه، ريثما يتم تحضيرهم[1]"

وقد تم وضع هذا القانون رقم 31 تاريخ 13-6-1956، لإعطاء الأعراف العشائرية وضعاً قانونياً.

وكان هذا الوضع غير سليم من حيث المبدأ والمآل، ولكنه في حينه كان ضرورة لا يمكن إغفالها.

وجاءت الوحدة، فأصدر الرئيس القانون رقم 166 تاريخ 28 أيلول 1958 الذي تضمن إلغاء هذا القانون، وبذلك أصبح البدو يعاملون أمام القانون معاملة بقية المواطنين، لا سيما وإن الدستور، أصلاً، يمنع بنص صريح أي تفريق بين المواطنين.

وأود أن أقول بأن أعرافاً راسخة منذ الأزل، لا يمكن أن تمحى بجرة قلم، أي بصدور قانون ينص على إلغائها.. والذي أعرفه، أنه لا يزال للعشائر رؤساء، يحتكمون إليهم، وأعراف لا تزال محترمة إلى حد كبير في خيامهم ومزارعهم..

وقد كان القانون الصادر بإلغاء الأعراف العشائرية صادراً في أيام الوحدة، حين وقعت هذه الجريمة، وحاولت أن أعالجها بموجب أحكام التشريع العصري النافذ عندنا، ولكني لم أوفق في مسعاي..

كانت العشيرة تعيش أيامها، في ذلك الحين، كما كان أجدادها يعيشون منذ غابر الأيام، ومع ذلك فقد كان لها معلمون يتنقلون معها، حينما كانت تنتقل، سعياً وراء الماء والكلأ، وكان لديها أجهزة راديو، يسمعون منها الأنباء العالمية، ولكن هذا التطور الحضاري، لم يرتفع بالعشيرة إلى الحضارة بعد..

وكانت إحدى "الشيخات" تنعم بدفء الأسرة، وعزة الموقع الاجتماعي في خيمة والدها الفخمة، التي كان يؤمها الضيوف، ويسعى إليها المختلفون على "حلال" (مال) أو عدوان..

ولكن الله، الذي منحها الأرومة الرفيعة، لم يمنحها الجمال الذي يرِّغب الخاطبين بها.. والبدويات سافرات، ومن السهل التعرف على نصيب كل فتاة من الحسن... فلم يتقدم إليها خاطب، ولم يعرضها أبوها على أحد من ذويه، مقابل إغراء مادي.. فبقيت في كنف البيت تشهد زواج هذه، وولادة تلك.. وهي قابعة في برجها العاجي، تهدهد أحلامها بأن الفارس لا بد أن يأتي ويحملها معه على جواد أبيض..

إلى أن أصابها القنوط من مجيئه، وخشيت أن تصبح عانساً.. وأهلها يقولون إنها لا تتمتع بتوازن عقلي، فهي تخطئ في إدراك ما هو في صالحها وما هو ضار بها..

ونظرت ذات يوم إلى حقل لهم، يعمل فيه عمال، كان أحدهم من أصل غير عربي جاء إلى المنطقة بحثاً عن الرزق، من تركية المجاورة، فوجد عملاً عند أبيها، ما كان أهلها يرفعونه عن مرتبة الخدم..

وبسبب تردده على الخيمة، جهاراً نهاراً، من أجل عمله، احتك بالشيخة.. ولاطفها وجاملها فأعجبت بطلعته، ثم تعلقت بشبابه..

وتواعدا على الزواج..

وكانا على أعلى درجات الخطأ في تقديرهما هذا..

فحين مَثُل "الخادم" بين يدي الشيخ، جلس في خشوع، فسأله الشيخ عما به، وكان هذا تكرماً منه، فقال، وهو يرتجف، أريد أن أتزوج فلانة (ابنته).. ولم يمهله أن يتم كلامه، وأشار إلى عبيده (وكانوا فعلاً عبيداً) بطرده من منطقة العشيرة كلها على ألا يعود إليها.. وخرج المسكين، وكأنه جروٌ وقع في رومة ماء وأنقذه منها محسن عابر..

وعرفت الصبية بما فعل أبوها بخاطبها، فأصابها إحباط نفسي، كاد يضرب قواها العقلية بالشلل.. وزاد أبوها في الطين بلة حين ضيق عليها الخناق.. غير أنها رفضت أن تيأس، وتمكنت من معرفة المكان الذي لجأ إليه "خطيبها" المطرود المنبوذ، فأرسلت إليه تواعده... وعرضت عليه أن تهرب معه ليلاً إلى أهله، في البلد المجاور، ليعيشا فيه آمنين سعيدين.. وترقبت أن يتمكن الظلام من فلول أشعة القمر الخافتة، حين انكفأ حوالي منصف الليل، وراء الأفق الغربي، وتوجها إلى الشمال، يحثان الخطى، لعلهما يبلغان الحدود، قبل أن يتنبه أحد إلى فرارهما..

ولكنهما ما كادا يصبحان، وتلوح لهما الحدود الدولية على مشارف الأفق، حتى صمت آذانهما صيحات فرسانٍ يتبعونهما على خيول مطهمة، فأدركا أن مصيرهما قد تقرر... وغيرَّا اتجاههما نحو أقرب مخفر للشرطة، كان في متناول جوادهما.. وطلبا من الضابط أن يحميهما.. فاستنفر رجاله، ونشرهم حول المخفر.. وتحصن مع رجلين في داخله..

وبدأت "المفاوضات"... وكلما امتد الوقت، كانت أعداد أفراد العشيرة تزداد تضخماً.. ولم يتركوا للضابط إمكانية الاتصال برؤسائه، ليقولوا له ماذا يفعل..

ولكن ماذا يستطيع أن يفعل في هذا البحر المتلاطم من الناس المصممين على فعل أي شيء، لاسترجاع ابنتهم "وغسل عارهم"؟..

وكان يسأل الابنة إن كانت تريد العودة إلى أهلها، الذين بذلوا لها كل الوعود البراقة، بأنها لن يمسها ضر.. ولن يمس خاطفها مكروه.. ولكنها كانت ترفض كل هذه العروض، وتقول للضابط، إنهم سيقتلوننا وسوف تتحمل مسئولية دمنا أمام الله..

وامتد الجدل، حتى أرخى الليل سدوله.. وكان يأمل أن يأتيه فرج لا يترقبه، مع علمه أنه في موقع "مقطوع" عن الناس تقريباً..

وحين أدرك أن صبر القوم قد نفذ، وشعر بأنهم سوف ينفذون بالقوة تهديدهم، قرر أن يسلم الهاربين إلى مطارديهما، مقابل تعهد بالمحافظة على سلامتهما... وكانت دموع الفتاة تسيل على خديها، لأنها تعرف يقيناً ماذا ينتظرها..

وقال الضابط في التحقيق فيما بعد، إنه كان واثقاً بأن البدو سوف يحرقون المخفر، ويقتلون من فيه، وأنه خشي على حياته وحياة رجاله، فاضطر إلى تسليم اللاجئين..

وما كاد الخائفان المذعوران، يبتعدان خطوات، وهما في أيدي العشيرة، حتى سمع رجال المخفر، "قهقهات" الأسلحة النارية، تعكِّر ظلام الليل، وتوقظ الحيوانات النائمة في جحورها وأوكارها...

ولم يعرف القضاء أبداً، ماذا فعلوا بالجثتين، وأين دفنتا، إن كانوا دفنوهما..

وأخبرتُ بالموضوع هاتفياً من قبل النيابة العامة في المنطقة... فأصدرت لها أوامر مشددة، بإلقاء القبض على وجوه العشيرة، بدأً من الشيخ الكبير... ووضعهم في السجن، تمهيداً للتحقيق معهم.. وبدأ شيوخ القبائل الأخرى، وكانوا زملاء لي في مجلس النواب، يفدون إلى بيتي، ويطالبونني بالإفراج عن المعتقلين، وأنهم "أبرياء" وأنهم "يحبون" ابنتهم، ولكنهم لا يعرفون الذين أطلقوا النار في هذا الموج الهادر من البشر، والوقت ليل، لا يعرف فيه الرجل من هو إلى جانبه.. وإذاً فإن معرفة الفاعل مستحيلة..

وبقيت مصراً على اعتقالهم، حتى يبوحوا للتحقيق بأسماء القتلة... ولكن إصراري ذهب أدراج الرياح، أمام تكاتفهم وخبثهم.. ولم يفت التوقيف في اعضادهم.. وحصرت النيابة العامة التهمة في ذوي القتيلة.. وأفرجت عن الآخرين..

وحلت المشكلة "وفق الأعراف القبلية"..

وكان البحتري على حق في استغرابه حين قال:

وهل يرتجى أن يطلب الدم طالب

مدى الدهر، والموتور بالدم واتره

كلا لا يرتجى! لأن ابن الخليفة المتوكل هو الذي دبر قتل أبيه ليحل محله!...

ولا زلت أشعر بالأسى والحسرة على هذين المحبين، الذين دفعا حياتيهما ثمناً لخروجهما على هذه الأعراف التعيسة..

القريب البعيد الدار

هذه قصة أربع طفلات قاصرات، جئن مع أمهن إلى مكتبي، يشتكين عناد مدير التنفيذ.

وخلاصة موضوع شكواهن أن والدهن توفي وآل إرثه إليهن، وفق أحكام شريعة الله، ثلثان للبنات والثمن للأم، وكان للمتوفي ابن عم هاجر إلى أمريكا الجنوبية، منذ عشرين عاماً، وقيل إنه بنى ثروة جيدة.. وحصل على جنسية ذلك البلد، وانقطعت بينه وبين بلده و"أهله" كل صلة.. وبموجب أحكام القانون، فإنه يرث من ابن عمه باقي التركة، وهو خمسة أسهم من أربعة وعشرين.

وقرر مدير التنفيذ حجز حصته من الإرث في "بيت مال" الدولة، وظل يرفض تسجيل البيت الذي يسكنَّ فيه، وهو بيت والدهن، على أسمائهن..

ومن الناحية القانونية، فإن مدير التنفيذ على حق...

ولكن المثل الذي يقول" "وما راءٍ كمن سمعا" كان يتردد في خلدي وأنا استمع إليهن وأراهن، وهن في أسمالهن الكالحة!..

ولا يستطيع مسئول أن ينظر إلى حالتهن البائسة، دون أن تتقطع نياط قلبه عليهن، وهن يذهبن من قصر العدل مساءً ويعدن إليه في الصباح.. وهن يسمعن نفس الجواب: "لا بدَّ من حضور الوارث الغائب"..

واستدعيت هذا المدير، وحاورته، وسألته إن كان يعرف مخرجاً، فأغلق في وجهي كل باب تنفذ منه الرحمة.. عندها قلتُ له: إني سأوجه إليك أمراً خطياً يغطيك أمام المساءلة، وهو أن تنفذ الحكم، وتسلِّم المبلغ النقدي إلى الأم، فتتصرف بنصيبها ونصيب البنات، كما تشاء.

وفي الوقت نفسه تضع نصيب الغائب أمانة عندها مقابل تعهدها بأن تدفعه إليه، حين مجيئه إلى البلد ومطالبته به.. أما البيت، فيبقين ساكنات فيه كذلك إلى أن يعود الغائب، ويسوِّي معها وضع نصيبه..

ونفذ ولكنه كان في شك من سلامة هذا الأمر من وجهة نظر القانون، لأنه كان يريد إبقاء حصة الغائب أمانة في صندوق الدولة.

وأنا طبعاً، لا أجهل القانون.. فأنا صاحب اختصاص فيه..

ولكن كان يجب على القانون أن ينحني قليلاً، أمام اعتبارات الرحمة!..

توحيد القوانين العربية

خطر لي وأنا سليل هذه الأمة التي تتربع على الأرض الممتدة بين الخليج الثائر والمحيط الهادر، أن أقوم بعمل متواضع في طريق "توحيدها"..

ويكون توحيد بعض القوانين المطبقة في دولها الكثيرة، لبنة أولى في إقامة الصرح الشامخ..

وكان في الدول العربية آنذاك - ولا يزال الوضع كما كان - ثلاثة أنماط من التشريعات:

نمط الدول التي ترفع شعار التشريع الإسلامي، المستمد من القرآن والسنة.. دستوراً وقوانين.. إلا ما قضت سنة التطور بتقنينه، للحاجة إليه، والسعودية على رأس هذا النمط..

ونمط الدول التي اغترفت من التشريع البريطاني، الذي يتميز بميزات خاصة، مثل قبول الأعراف والسابقات القضائية، وجعل التحقيق الابتدائي في يد الشرطة، مثل السودان، وإلى حد ما العراق وفلسطين..

ونمط الدول التي تبنت التشريع الفرنسي، في خطوطه الكبرى.. وهي الدول الأكثر عدداً، وتشمل دول المغرب (التي لم تكن مستقلة تماماً آنذاك)، ومصر ولبنان وسورية، وإلى حد كبير، الأردن والعراق (في تشكيل المحاكم وأصول المحاكمة)..

ولو أمكن توحيد القوانين الأساسية، كالقانون المدني والتجاري والعقوبات وأصول المحاكمات المدنية والجزائية، لقطعنا شوطاً واسعاً في طريق توحيد المصطلحات وإشاعة التأليف، والتعاون القضائي، وبصورة خاصة القضاء على بلبلة التفرقة في طرق الوصول إلى الحقوق، التي يعاني منها المواطنون الذين يعيشون في بلد آخر، أو يتعاملون مع تجاره أو مواطنيه.

وكان ذلك ميسوراً، لو وجدت الإرادة..

وكتبت رسائل ودية إلى وزراء العدل العرب، أدعوهم إلى مؤتمرٍ يعقد لمناقشة هذا الموضوع القومي..

وانتظرت، وطال انتظاري، وغادرت وزارة العدل بعد قرابة سنة، ولم يرد عليَّ أحد إلا وزير العدل العراقي..

وقد أعدت قراءة رسالته من أيام، بعد مرور ستة وثلاثين عاماً، "لأستنشق عبيرها"، فإذا بها، تعيدني إلى ذلك الجو من البؤس واليأس، لأنها رَفْضٌ في ثوب من المجاملة.. حتى لا أقول: سم في كأس من الدسم..

وها نحن على مشارف الأربعين سنة منذ تلك المحاولة المتواضعة، وليس على الأفق ما يبشر بالسعي إلى تحقيق، ولو خطوة بسيطة..

وما أظن أن شيئاً يمكن أن يتحقق من ذلك قريباً..

فقد وصلت حالة العرب في هذه الأيام إلى وضع تقرُّ به عين العدو، ويبكي منه الصديق الحزين..

وقرأت في الصحف، أن جماعةً من الكويت سموا أولادهم "بوش" تيمناً باسم الرئيس الأمريكي الذي حطم آلة الحرب العراقية، وبناتهم "تاتشر" تخليداً لمساهمة رئيسة الوزراء البريطانية المحافظة في هذه الحملة.. منتهزين حماقة الرئيس العراقي صدام حسين، بغزوه الكويت، للقضاء على أقوى قوة عربية ضاربة في جيلنا الحالي..

---

الحواشي:

[1] وقعت تحت نظري بعض المؤلفات التي تبحث الحالة الاجتماعية والقضائية في أعراف البدو الرحل، أذكر منها: الدكتور جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، وخاصة الجزأين الخامس والثامن. مقال في مجلة العربي، استطلاع سليمان مظهر "آخر أيام البادية الأردنية"، مجلة العربي عدد حزيران 1989. رسالة دكتوراه للأستاذ زهير مشارقة، جامعة دمشق.. كتاب الدكتور يوسف شلحت..