فصل خاص - الجزء 3: اعتداء الوزير أحمد عبد الكريم على أحد الزوار والضباط الذين أصبحوا وزراء
قصة أحمد عبد الكريم
كان أحمد عبد الكريم ضابطاً من ضباط الجيش، وكانت له كتلة معروفة يتزعمها هو والعميد أمين النفوري وجادو عز الدين وطعمة العودة الله، وأحمد الحنيدي.. وقد يصح القول إنهم ضباط ذوو اتجاه يساري، جاؤوا من الأرياف، بعضهم من حوران (أحمد عبد الكريم وطعمة) وبعضهم من جبل الدروز (جادو عز الدين) وبعضهم من القلمون (النفوري) وبعضهم من دير الزور (أحمد الحنيدي).. وقد اجتمعوا فيما بينهم، للوقوف في وجه عبد الحميد السراج (وهو كتلة لوحده إلا أنه كان يتعاطف مع اليسار) ووجه الكتلة البعثية الحموية، التي تمنح ولاءها لأكرم الحوراني (مصطفى حمدون، وعبد الغني قنوت) وجمال الصوفي (من اللاذقية)، وكانت هذه الكتل مختلفة فيما بينها، إلا أنها تتفق أحياناً للضغط على السياسيين، أو على الأصح، لاتخاذهم واجهة في الساحة العامة، يقفون وراءها، ويحركون البيادق بخيوط لا تخفى على العين البصيرة من وراء الستار.. وقد تعلموا التمرد على السلطة المدنية، من جراء اشتراكهم في الانقلابات المتعاقبة..
وكان إلى جانب هذه التكتلات ضباط يتعاطفون معها، مثل الفريق عفيف البزري، الذي نصبوه عام 1957 رئيساً للأركان العامة، ثم أصبح قائداً للجيش الأول في أول الوحدة..
وقد عانينا، نحن السياسيين، كثيراً من تدخل هؤلاء الضباط في سياسة البلد، مع أنهم قلة بالنسبة إلى عدد الضباط الصامتين، الذين لا يعرفون إلا الجندية مهنة وواجباً، ويتلقون الأوامر فينفذونها.. كما عانوا هم أنفسهم، لأن منهم من دفع حياته ثمناً لنصرة أفكاره، ومنهم - وهم كثيرون جداً - أخرجوا من الجيش، أو شردوا، بعد أن أنفقت الأمة ملايين طائلة، لإعدادهم ليوم، يسددون لها ديونها، عند الاصطدام بإسرائيل.. فضاعت ضرائب المواطنين التي دفعوها من أجل تعليمهم في الأكاديميات الأجنبية، وفقدوا هم حياتهم أو مناصبهم..
وبقينا سنواتٍ طوالاً نعيش في دوامة مشاكلهم، دون أن يعرف أحد طريقاً للخروج من النفق المظلم..
وحين اشتدت متاعبهم فيما بينهم، امتطوا طائرة إلى عبد الناصر في قاهرة المعز، وطلبوا منه أن يقبل في وحدة اندماجية، بدلاً من الاتحاد الذي أقره مجلس النواب السوري، ووافقت عليه جميع الأحزاب... أو أنهم سوف "يتذابحون" - كما علمت من أحدهم أن هذه اللفظة قد قيلت - وقد سبق لأمين الحافظ أن قال، إن عبد الناصر لو أمره أن يقصف حلب - وهي بلده ومسقط رأسه - [1] لفعل وقد خصها بهذا "التكريم" تشدداً منه في تقديم الدليل على ولائه للوحدة!..
وقبل عبد الناصر مبدأ الوحدة، ولكنه اشترط على الضباط شرطين هما:
الأول: عدم تدخل الجيش في السياسة.
والثاني: حل الأحزاب السياسية.
وقبل الضباط الشرطين، وقبله معهم مجلس النواب، وقامت الوحدة..
وبدأ عبد الناصر بفك عقدة الجيش، فأخذ هؤلاء الضباط وزراء في الوزارة الأولى والوزارة الثانية..
فقي وزارة 6 آذار 1958، أخذ من الضباط (المتناحرين) عبد الحميد السراج (لوزارة الداخلية) ومصطفى حمدون (للشئون الاجتماعية) وأحمد عبد الكريم (للشئون البلدية والقروية) وأمين النفوري (للمواصلات)..
وكان هذا الاختيار حدثاً غير مألوف، لأن البلاد لم تعتد على رؤية ضباط عسكريين يحتلون مقاعد الحكم المدني في الوزارات..
وحين شكلت وزارة 7 تشرين الأول 1958، أخذ إليها من الضباط أحمد حنيدي (إصلاح زراعي) وأكرم ديري (للشؤون الاجتماعية) وجادو عز الدين (وزير دولة لشئون رئاسة الجمهورية) وجمال الصوفي (بعثي معروف، وزيراً للتموين) وطعمة العودة الله (وزيراً للشئون البلدية) وأحمد عبد الكريم، زعيم إحدى الكتل (للأشغال العامة).
وقد قيل الكثير في استيزار الضباط: فمن قائل إن عبد الناصر أراد تقدير ولائهم لشخصه، فأكرمهم بالوزارة، ومن قائل، إنه أراد أن يبعد خطرهم عن الجيش، والقضاء على عقارب الانقلابات، فجاء بهم إلى مناصب هم غير معتادين على التعامل مع الناس فيها، لاختلاف طبيعة الجندية عن الحياة المدنية السياسية، فأضعف بذلك الجيش، بتجريده من قادة أكفاء ولم يحسِّن الأداء الحكومي لافتقارهم إلى الخبرة..
وقد عاصرت الوزارتين، وزاملت هؤلاء الوزراء الضباط، فلم أجد على سلوكهم ونزاهتهم ما يؤخذ عليهم.. ولكن الذي يؤخذ عليهم قلة خبرتهم في أصول الحياة المدنية..
إذاً أصبح العقيد أحمد عبد الكريم وزيراً للشئون البلدية والقروية، وهي وزارة لم نكن نعرفها من قبل، وقد اتخذ مقراً لوزارته في بناية "أمانة العاصمة"، ومن هناك راح يسير أمور البلديات.. ومنها بلدية دمشق.
وذات يوم، سرت في دمشق، مسرى النار في الهشيم، قصة ضربه لأحد المراجعين في مكتبه، وكان "المضروب" ضابطاً دمشقياً متقاعداً طلب الدخول عليه، فاستمهله مدير مكتب الوزير، لأن الوزير يعقد اجتماعاً مع أركان وزارته.. وحين طال الوقت بالمراجع، قام، وضرب الباب برجله ودخل على الوزير بغير استئذان!..
يقول الوزير إن المراجع المذكور، فتح باب المكتب عنوة، ودخل وهو يكيل له الألفاظ البذيئة ويلوِّح بقبضته، واتجه نحوه كما لو أنه يريد ضربه.. فراح يهدئه، خاصة وأنه متقدمه في الجيش، وأنه سينظر في قضيته، التي هي مخالفة في إقامة مقهى على مدخل دمشق، كان الوزير أمر بإغلاقه لمخالفته الأنظمة البلدية..
ويضيف الوزير، أن المراجع ظل يتابع شتائمه، فأراد دق الجرس، ليخرجه الآذنون بسحبه من القاعة، إلا أنه هجم عليه يريد ضربه.. فلم يشعر سيادته، إلا ويده ترتفع وتلطم المراجع، وهو بالقطع أقوى منه عضلاً، وأبسط منه جسماً، ثم دفعه حتى أخرجه بالقوة..
وقد أشار أحمد عبد الكريم إلى هذه القصة في كتابه[2]، وذكر بأن عبد الناصر لم يشر إليها حين اجتمعا وعلق أحمد عبد الكريم على المقابلة كما يلي: "رأيت من عبد الناصر منة في عدم إثارته، ولكني ذكرت له أنني لم يمكن أن أسمح لأحد بالنيل من كرامتي لأنها رأسمالي، وأنه لم يكن أمامي إلا هذا السلوك".
وتلقف الناقمون القصة وراحوا يذيعونها في الناس مضخمة "معطرة مبهَّرة".. ووجهوها ضد الوحدة نفسها..
وقد سمعت من المضروب، بعد سنوات، روايته للحادث، فكانت، فعلاً، لا تخرج كثيراً عن رواية الوزير، إلا بالتخفيف من "ألفاظ" الشتائم، ولكنه لم ينكر فتح الباب، والصراخ في القاعة، والتهجم على الوزير، حتى أسكتته اللطمة القوية.. وكان يتكلم كما لو كان هو "البطل"..
وجاءتني زوجة المضروب - وهي محامية وتلميذة لي - إلى مكتبي في وزارة العدل، ومعها صور شعاعية، تظهر وجود كسور في عظام قاع الجمجمة فقدمتها لي، وقدمت شكوى تشرح فيها الاعتداء، وتطلب مني "معاقبة" الوزير المعتدي على "مواطن جاءه يطلب إزالة غبن أصابه" من قرار غير قانوني..
ولم يكن في مقدوري أصلاً أن أفعل شيئاً، بسبب وجود قانون يحدد أصول الادعاء على الوزراء، وطرق محاكماتهم..
وكان هذا القانون قد صدر في أوائل قيام الوحدة..
وهو سيئ الصياغة، قلق التعابير، لم أعرف من وضعه أصلاً.. والبارز فيه أنه يعطي الوزير حصانة ضد "جرجرته" إلى المحاكم من قبل أصحاب المصالح، إذا تصرف في غير صالحهم.. وهي حصانة لا بد منها، لحسن سير العمل وقضاء مصالح الناس، الذين يراجعون دوائر هذه الوزارة..
وقد شرحت لها ما يقوله القانون، ووعدتها أن أرفع الأمر، مع تقرير مفصل بالحادثة إلى رئيس الجمهورية، لأنه، هو صاحب الاختصاص القانوني بإحالة الوزير إلى القضاء أو عدم إحالته، وفي حالة تقرير الإحالة، فإن هناك إجراءات معقدة، لم تكن متوفرة آنذاك..
فمثلاً: تقول المادة 1 من هذا القانون، بأن الوزير يحاكم أمام محكمة عليا تشكل من اثني عشر عضواً، ستة منهم من أعضاء مجلس الأمة يختارون بالقرعة، وثلاثة من مستشاري محكمة التمييز (السورية) يختارون بالقرعة، وثلاثة من مستشاري النقض (المصرية) يختارون بالقرعة أيضاً.
وتنص المادة 3، على أن يقوم بوظيفة الادعاء العام ثلاثة من أعضاء مجلس الأمة، ينتخبون من قبل أعضاء هذا المجلس بالاقتراع السري وبالأغلبية..
وتنص هذه المادة أيضاً على صدور قرار الإحالة من رئيس الجمهورية...
كما يستنتج من المادة 8 أنه يحق لمجلس الأمة أن يقرر هذه الإحالة..
ولم يكن مجلس الأمة موجوداً.. لأنه لم يتشكل بعد.. وإن كان الرئيس أصدر صيغة قرار، باعتبار أعضائه موضوعين تحت تصرف الرئيس، ليقوموا بالمهمات التي يكلفهم بها، لكي يتمكنوا من قبض رواتبهم.. حتى تشكيل مجلس الأمة الجديد..
وإذاً فلم يكن حتى في مقدور الرئيس أن يحيله إلى المحاكمة...
وعلى كل حال فقد أرسلت الملف إلى الرئيس في القاهرة، مع كامل قناعتي بأنه لا يستطيع عمل شيء قضائي.. وإن كان يستطيع أن يقيل الوزير.. إذا أراد.. ولكن وزارة الوحدة كانت حديثة التشكيل، ثم إن "الجريمة" صغيرة، -مجرد لطمة- وإن كانت لم تقع في بلادنا من قبل، وهذا ما أعطاها هذا الانتشار الذي تغذى من غرابتها ونشازها..
والذين مارسوا المحاماة يعرفون القيمة النسبية، لكثير من التقارير التي يتقدم بها الخصوم.. والمضروب نفسه، رحمه الله، هزئ أمامي بمسألة "كسر في قاع الجمجمة"..
غير أن الحادث ساهم في التشنيع على الوحدة، واستغل استغلالاً بشعاً، برغم بشاعته غير المألوفة..
وقالت الإشاعات إنني لم أقم بواجبي بعدم إحالتي الوزير الضارب إلى القضاء، ووقفت إلى جانبه..
ولكن الوضع القانوني، لا يعطيني هذا الحق..
والقانون هو القانون..
ويقيناً فقد ألحق هذا التصرف التعس من جانب الوزير وفي مكتبه ضرراً بهيبة الوحدة..
قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً
فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟
---
الحواشي:
[1] عن أحمد حمروش "عبد الناصر والعرب" ص 472.
[2] أضواء على الوحدة، دمشق 1962.. وقد احتل المؤلف مناصب وزارية في العهد الانفصالي..