فصل خاص - الجزء 5: زيارة سجن قلعة دمشق وأرملة قاتلة فوزي الغزي بالسم

اقرأ بالإنكليزية

في رحاب صلاح الدين

قمت بواجب من واجبات العمل الرسمي، حين زرت السجن المركزي بدمشق.. وهو "جناح" من أجنحة القلعة الشهيرة في التاريخ الإسلامي.

فقد كانت هذه القلعة، مقراً لقيادة صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين... جاءها بعد أن استوزره العاضد في مصر عام 1172، فاستولى على زمام الأمور من أجل توحيد المسلمين، وأسقط اسم "الخليفة الفاطمي العاضد" من الخطبة، وأعادها إلى خليفة بغداد.

وكان هذا التحول بالخطبة، إيذاناً بانتهاء المذهب الشيعي، وعودة المذاهب السنية إلى العلن.. فأصبح المفتون والقضاة يستوحونها في فتاواهم وأحكامهم.. وكذلك انتهاء الدولة الفاطمية التي دامت طوال قرنين اثنين.

ومن هذه القلعة وضع القائد المسلم مخططاته الاستراتيجية في حروبه ضد الجيوش الصليبية، التي كانت تحتل المعاقل الحصينة في بلاد الشام.. حتى أبادها ودك تلك المعاقل، وأنهى الوجود الصليبي، عملياً في بلاد الإسلام بانتصاره الباهر يوم السبت 4 تموز 1187 في معركة حطين التاريخية..

وإلى الشرق من هذه "الثكنة" كان يرقد هذا القائد العظيم.. والذكرى تبعث الذكرى، والأسى يحرك الأسى..

وعادت إلى نفسي ذكرى تاريخية مؤلمة، وحراس السجن يفتحون لي بابه الكبير!..

تذكرت، ما كنت تعلمته طفلاً في المدرسة، عن صلف القائد الفرنسي غورو الذي زار هذا القبر المتواضع في مرقده، بعد أن فتح دمشق عام 1920، وركله برجله، وقال لرفات صاحبه: "ها نحن عدنا يا صلاح الدين"!...

وحين تقدمت بي السن، أخذت أتشكك في صحة هذه القصة، فهل يعقل أن ينزل قائد عسكري فاتح، إلى الشماتة ببطل باسل، كانت له معهم مواقف في غاية الشهامة والنبل؟..

وقلت لنفسي، إن الله تعالى يقول:

"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".. واتجهت إلى صديقي المؤرخ المشهور، الأستاذ الدكتور نور الدين حاطوم أسأله عن صحة هذا القول، وكان كريماً معي، على عادة أهل العلم، فعاد إلى مكتبته العامرة، وجاءني بما يلي:

قال إن الدكتور الطيباوي، وهو مؤرخ فلسطيني كان يدرِّس التاريخ في دمشق، وضع كتاباً بالإنكليزية عنوانه:

A modern history of Syria, including Lebanon and Palestine

وهو مطبوع في لندن عام 1969، وقد عرض المؤلف إلى هذه القصة وكتب في كتابه هذه الجملة التالية:

"يروى عن الجنرال غورو أنه قال في زيارته الأولى لدمشق، في خطاب ألقاه أمام ضريح صلاح الدين، إن وجودي هنا يكِّرس انتصار الصليب على الهلال".

ويذكر المؤلف أنه نقل هذا النص من كتاب مؤرخ أمريكي هو الأستاذ W.A. Hocking وعنوان هذا الكتاب هو:

The Spirit of World Politics, New-York 1932

ومن عادتي، خاصة بعد أن انتخبت عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية، أنني كلما ترددت على المكتبة الظاهرية، الملحقة بمجمعنا العتيد، كنت أمرَّ على ضريح صلاح الدين، وهو في باحة مسجد مجاور، وأقرأ له الفاتحة، وأتساءل: لماذا أصيبت هذه الأمة بعده بالعقم، فأصبحت كبغاث الطير، تتقاسمها البواشق الكاسرة!.. وتتحكم فيها الحثالات من كل "لَسُن وأمةٍ، حتى لا يكاد يفهم الحُدَّاث إلا التراجم" على حد تعبير أبي الطيَّب المتنبي..

كانت أنفاس التاريخ تهب عليَّ وأنا أدخل بوابة الباحة..

وكان يقف لاستقبالي، مدير السجن في زيه العسكري وبعض موظفيه وكان مرتبطاً بوزارة الداخلية. وهو وضع يجافي المنطق القانوني.. وكان من الضروري أن يكون ارتباط السجون بوزارة العدل، ويكون مدراؤها من القضاة، خاصة وأن التشريع الجنائي يجيز الإفراج عن السجناء، إذا أمضوا ثلاثة أرباع المدة، إذا شهد لهم مدير السجن، بأنهم كانوا خلال مدة سجنهم على جانب حسن من السلوك..

ورحت أطوف "أجنحته".. وقد أعجبتني النظافة فيه.. وساءني هذا الاختلاط بين المجرمين.. فقد كانوا في غرفهم ومهاجعهم، يتحلقون في حلقات ويعيشون مجتمعين ليلاً ونهاراً، سنوات طوالاً...

وفي هذه الحلقات يتعلم الأغرار فنون الإجرام، ويسقط ما تبقى في وجوههم من حياء واحتشام.. فلا يكادون يخرجون إلى الحياة الحرة، حتى يعودوا من جديد إلى حيث كانوا في مهاجعهم..

وسمعتُ أنه لا ينقصهم في سجنهم، لا الخمرة ولا المخدرات ولا وسائل القمار، بل حتى الأسلحة.. ولكل شيء ثمنه..

وفي مهجع في الطابق الأرضي، لفت نظري شقي يتصدر حلقة من زملائه، بشاربيه المعقوفين الكثين، وعضلاته المفتولة، وكان ينظر إليَّ نظرة عدم المبالاة، وكأنه لا يرجو شيئاً و لايطمع في شيء.. فأشرت إليه أن يتقدم، فجاءني يختال مزهواً في تكاسل.. وسألته عن اسمه، ومن أين هو، فأجاب بصوت شرس.. وسألته عن مدة محكوميته، فقال بكل برود.. مئة سنة وسنة.. قالها وكأنه يفاخر بها أو يتحداني، ونحن ليس لدينا في تشريعنا هذه العقوبة، ولدينا الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد!..

وطلبت من مدير السجن، نقله إلى مكان آخر، ووضعه مع من هم مسجونون، من أجل جرائم تماثل في قباحتها جرائمه.. ولكن هل نفذ وعده لي حقاً؟ تلك هي المشكلة..

وفاجأني مدير السجن، بطلب عجيب من سيدة سجينة تريد مقابلتي.. وقال إنها زوجة المرحوم فوزي الغزي... وتملكتني دهشة شديدة، واستغربت جداً أن تكون باقية في السجن وعلى قيد الحياة.. وعلمت أن شريكها في الإثم، ابن عمها، هو سجين أيضاً في هذا السجن.. وكانت ردة فعلي قوية، فرفضت المقابلة كما رفضت أن أتحدث مع المدير في موضوعها..

إنها قاتلة زوجها الأستاذ اللامع فوزي الغزي، واضع دستور 1928 الذي عدله المفوض السامي الفرنسي ونشره عام 1930، وبقي نافذاً عندنا حتى صدور الدستور الذي وضعته الجمعية التأسيسية عام 1950، وكنت أنا مقرر لجانه، والمدافع عن مواده في جلسات الجمعية العامة.. وقد كان لاغتيال المرحوم بالسم، أثر اليم في نفوس الموطنين، وعم الحزن البلاد والعباد..

وقد رثاه أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدة حزينة، أشاد فيها بالمرحوم وندد بالقاتلة، التي قال فيها:

عَشِقَتْ تهاويلَ الجمالِ ولم تجد

في العبقرية ما يحب ويعشق

فمشت كأن بنانها يَدُ مُدْمِنٍ

وكأن ظل السم فيها زئبق

(فيحاء) أين على جنانك وردة

كانت بها الدنيا ترف وتعبق

وقد سمعت أنها خرجت من السجن.. وهي تسكن في حي مجاور للحي الذي أسكن فيه الآن... كما خرج شريكها مستفيدين من رحمة القانون[1]!

وتذكرت، وأنا أرى السجناء متحلقين حول موائد طعام غنية، أهل السجناء في سجن حلب، حينما كنت أمر من أمام بابه وأنا تلميذ أتجه إلى الثانوية، وكيف يجلسون في ثيابهم الرثة أمام "مناسف" الرز واللحم، ينتظرون أن يفتح السجانون الباب، ليدخلوها إلى مساجينهم.. وقلت: لماذا يحرمون صغارهم من لقمة طعام هنية، وقد يستدينون وقد يبيعون فراشاً لهم أو متاعاً، ليقدموها منسف لحم ورز، إلى قاتل أو سارق، ليفاخر بها أقرانه.. ويتطاول على من ليس له أهل يستطيعون أن يتذكروه بمثل هذه "المكرمات"..

وفي اليوم التالي أصدرت قراراً بمنع دخول أي طعام إلى السجناء من خارج قضبانه.. وأظن أن هذا القرار لا زال ساري المفعول.. ففيه ستر للعائلات الفقيرة، وحرمان للسجناء من رفاهية لا يستحقونها.. وقد يكونون رحبوا هم به أيضاً لأنه أعطاهم ذريعة "قانونية" لعدم إرهاق أسرهم وحرمان أطفالهم، وإبقائهم "في ستر الله"..

---

الحواشي:

[1] قرأت في كتاب الأستاذ نذير فنصة "أيام حسني الزعيم" أن الزعيم أصدر مرسوماً بالعفو عن هذه السجينة "لأن قلبه رق عليها".. وانقلاب الزعيم وقع عام 1949 وسقط في العام نفسه! وأظن أن المؤلف وقع في خطأ، لأنني زرت السجن عام 1958، وكانت لا تزال فيه.