فصل خاص - الجزء 6: ست أحكام بالإعدام ومناشدة مباشرة لعبد الناصر لإنقاذ شقيقين
إعدامات بالجملة
فاجأني مدير مكتبي ذات صباح أغبر بمظروف أصفر كبير مختوم بالشمع الأحمر، وعليه جملة "سري للغاية ويفتح باليد"..
وتناولته منه، وفتحته، فأذهلني ما رأيت فيه.. ولا بد أن المدير لاحظ عليَّ ما أصابني من قلق واضطراب.. حاولت إخفاءهما وراء ابتسامة باهتة، وشُكْرٍ خرج من ظاهر الشفتين.. ودسست المظروف في درج مكتبي.. وتابعت الأعمال الرسمية.. وأنا في غاية القلق..
كان من عادتي أن أخصص ثلاث ساعات من يومي لمناقشة المعاملات مع الأمين العام للوزارة ورؤساء دوائرها لاتخاذ قرارات في أمور الوزارة ولاستقبال بعض الزوار الأجانب أو المراجعين، بناء على موعد يحدد لهم، وأخصص ثلاث ساعات أخرى لكل من يرغب من الأفراد في أن يشرح لي قضية شفاهاً.. لذلك لم يكن بيني وبين الناس لا حاجز ولا بواب"..
بل، إنه حدث لي مراراً، أن اعترضني صاحب معاملة وأنا خارج من بيتي أو داخل إليه، وقدم لي معاملة، في حاجة إلى توقيعي، فأوقع له على معاملته، ويسافر إلى بلده مجبور الخاطر..
وكان مكتبي في الوزارة، أقرب إلى التواضع منه إلى المكاتب المتوسطة الحال..
وقد أذهلني، بعد أن بدأت في التردد على مكتب وزير العدل في الإقليم الجنوبي، ما يحيط به نفسه من سكرتارية ومدراء وموظفي الاستقبال.. ثم فخامة المكتب نفسه، وعدم استقباله أي مراجع عادي، إلا في النادر من الحالات..
وكان رأي الوزير أنه جاء إلى الوزارة، ليعالج قضاياها الكبرى مثل وضع تشريع جديد، أو تعديل قانون أصبح عديم الجدوى، بسبب تطور العقليات والمصالح العامة والخاصة.. أما قضايا الناس، فهناك جيش من الموظفين، المعينين لهذه الغاية..
وفوق الموظفين العاديين، ينتصب مدراء للإشراف على سير المصالح الحكومية.
وفي نهاية الدوام حملت المظروف "التحفة السرية" وأنا حريص على ألا يشعر أحد بما فيه..
وكنت على صواب في التكتم على ما فيه..
وما فيه، كان خمسة ملفات..
وأحدها مضاعف "البركات"..
ودخلت مكتبي في بيتي، ورحت أتصفحها لآخذ فكرة عنها..
كانت هذه الملفات تحمل توقيع عبد الناصر على تصديق ستة أحكام بالإعدام، وكان عليَّ أن أقوم بتبليغ النيابات العامة (كان في كل محافظة نيابة عامة قبل أن تصبح نيابة عامة واحدة) بتنفيذ هذه الأحكام بشنق المحكومين الستة.
وقررت أن أعيد قراءتها قراءة دقيقة.. وأمامي الليل بطوله.
كانت هذه الأحكام صدرت قبل الوحدة، وأرسلت إلى القاهرة مع ما أرسل إليها من أوراق مكتب رئاسة الجمهورية..
وكان معروفاً عن الرئيس شكري القوتلي أنه كان لا يوقع على أحكام الإعدام، مستعملاً في ذلك حقه الدستوري، لذلك كانت تظل هذه الأحكام سنوات طوالاً، نائمة في أحد دروج مكتبه، ومع ذلك فقد شذ عن هذا المبدأ مرة واحدة، حين وقع على أحكام إعدام قتلة عدنان المالكي.
وذات يوم عرضها على الرئيس عبد الناصر وزير شئون رئاسة الجمهورية في القاهرة، فوقع عليها.
وَخلاف الفقهاء وعلماء الاجتماع وساسة الدول كبير جداً في موضوع عقوبة الإعدام أو إلغائها.. وتشجع المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 (المادة 6 ف 6) على إلغائها..
وفي هذا العقد الأخير من القرن العشرين، ألغت كل دول أوربا هذه العقوبة (فيما عدا تركيا) وبلاد أخرى، وحتى البلاد التي لم تلغها قانوناً، تمتنع عن تنفيذها عملياً.. وهي ملغاة في بعض الولايات في أمريكا الشمالية، ومطبقة في ولايات أخرى. وخلصت إلى رأي حاسم هو تنفيذ الإعدام شنقاً بأربعة مجرمين، جرائمهم فظيعة، وتتصف أيضاً بالدناءة أيضاً..
أحدهم عامل زراعي تركي الجنسية لجأ إلى سورية متسللاً بحثاً عن الرزق، فآواه أحدهم واستخدمه في مزرعة أحد "أغوات" حارم، فذاق طعم الراحة والأمن.
غير أن إبليس أغواه ذات يوم، فهاجم امرأة عجوزاً كانت مربية في البيت، ليشلحها أساورها الذهبية، ثم يهيم بها في أرض الله الواسعة، فقاومت، فقتلها بعدة طعنات بسكينته القاطعة، وحين انقض أحد العمال لإنقاذها طعنه في صدره فقتله، وصرخت إحدى النساء من خوفها مستنجدة فطعنها في بطنها.. وكتب الله لها السلامة فيما بعد!..
والثاني قتل طبيباً، اتهمه، بغياً وظلماً بأنه يعين أعداءه عليه، فترصد له ومزق جسده بسلاحه.
وأثبت التحقيق أن هذا الطبيب لا يعرف شيئاً عن خلاف القاتل وخصومه وأنه بريء من الجريمة براءة الذئب من دم يوسف.. غير أن القاتل أراد إرهاب كل من يحاول الوقوف في وجهه..
والثالث، زوج اختلف مع زوجته، وكان يسيء معاملتها ويعذبها، فتلجأ إلى بيت والدها، الذي كان يعيدها إلى بيت زوجها.. حتى لم تعد تستطيع البقاء تحت ضغطه وشراسته، فلجأت إلى بيت أبيها متوسلة إليه أن يحميها.. فأقام الزوج دعوى متابعة وأقامت هي دعوى تفريق.. وصدر الحكم لصالحها من المحكمة الشرعية..
وترصدها، هي ورفيقتين لها في البرية، وفاجأها بخنجره، وراح يطعنها به في ظهرها ووجهها، والرفيقتان تستغيثان به، حتى فاضت روحها، وذهبت إلى بارئها تشكو إليه ظلم هذا الظالم...
والرابع، فتى أغواه الشيطان، ولم يتم الثامنة عشرة من عمره إلا منذ أشهر حين ارتكب جريمته القذرة، ولا يطيب الكلام فيها.. فقد عاشر زوجة أبيه الفتية معاشرة الزوج، وكان والده تزوجها بعد وفاة أم أبنائه وهو طاعن في السن، وهي في عمر أصغر أولاده.. ودفعته الغواية أبعد من فعلته القذرة، فقرر هو والزوجة الخائنة أن يتخلصا من الأب، فزينا له زيارة ابنة له متزوجة في قرية أخرى، واستفرده ابنه في طريق موحش وضربه بحجر على رأسه، فوقع أرضاً، ثم جاء بحجر كبير وضرب به الرأس بساعد الشباب، فتحطمت الجمجمة ومات المغدور.. وهناك في العراء، وارياه مثوى من الحجارة.. وعادا إلى موبقاتهما..
ودلت جوارح الطير أهل العدالة..
وقرر القضاء في جميع درجاته، إدانة الولد العاق، والحكم بإعدامه شنقاً، وتم تنفيذ الشنق فيه في فجر السادس من حزيران عام 1959..
والحرج الذي وقعت فيه هو أن تشهد له تقارير السجن بحسن السلوك، والتجاوب مع التدابير الإصلاحية.. ولكن جريمته أكبر من أن يفكر أحد في الشفاعة له..
ولأسباب من دواعي تقدير ظروف المرأة، كامرأة، حكم القضاء بسجن الزوجة مدى الحياة..
ولكن الذي حيرني وأقض مضجعي، تلك الليلة هو الملف الخامس الذي يتضمن إعدام شقيقين معاً، لشروعهما في قتل شخص يناصبانه العداء، بسبب ثارات بين أسرتيهم.
وقضية الثأر، في الأوساط المتخلفة، حتى في مدننا الكبرى، لا تزال تجد لها أنصاراً ومحافظين مع الأسف. ومع أن الناس يمارسون طقوس دينهم، صلواتٍ وصياماً وحجاً وزكاة، ويقرؤون قوله تعالى:
"ولا تزر وازرة وزر أخرى" وقوله عليه السلام: "إذا التقى المسلم بالمسلم بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" إلا أنهم، حين تتحرك في نفوسهم عقارب العصبية القبلية ورواسب الماضي العشائري البغيض، لا يعودون يذكرون إلا الرغبة الجامحة في إطفاء نيران غليلهم من دماء موتوريهم.. والمخزي أنهم لا يركزون نيران انتقامهم على المسئول عن سفك الدم، بل يستهدفون أي فرد يصادفونه من جماعته، وهم يفضلون أن يكون كبيرهم ووجيههم..
وترجع جذور هذا الحكم إلى عداوات قديمة بين أسرتين متنافستين على الزعامة في حي إحدى المدن السورية - وأغفل اسمها حتى لا أحرك ذكريات ماض أليم -
وإذا انضمت أحداهما إلى حزب سياسي معين وفي الغالب يكون انضمامها هذا ليس من أجل نصرة مبدأ سياسي، وإنما لتتقوى بنفوذه، فإن الأخرى تنضم حكماً إلى الحزب الآخر، المعارض، للغاية ذاتها.
وإذا سقط قتيل برصاص واحد من الأسرتين، ساد الهرج، والمرج في دوائر الشرطة والنيابة والتحقيق، ثم المحاكم.. وأول بوادره، اتهام عشرين أو ثلاثين فرداً من أهله، وقد يكون بعضهم في الغربة، أو يؤدي خدمته العسكرية في الجانب الآخر من الوطن.. وفي العادة، لا بد أن "يجلو" أهل القاتل إلى خارج الحي حتى يجف ماء القبر، خلال بضعة أشهر، وربما سنوات.. حتى يجد العقلاء حلاً يحقن الدماء...
أما بالنسبة للجماعتين المتنافستين في هذه القضية، فإن مسألة "الصلح" غير مطروحة على ضمير أحد.. وكان لا بد لمسلسل الدم أن يستمر..
عشرة قتلى، فيما أظن، سقطوا من الجانبين، وبالتساوي.. يقتل هؤلاء واحداً من أولئك، فيسقط رصاص ذوي المقتول "الواترين" واحداً من ذوي الواتر الآخرين..
وذات ليلة، سلط أخوان موتوران نيران مسدسيهما إلى كبير الأسرة الأخرى فمزقاه تمزيقاً، ولكن الله سبحانه أنقذه من الموت، بفضل تقدم الجراحة.
ولوحق القاتلان وحكم عليهما، بجريمة الشروع في القتل بالإعدام شنقاً...
ووقع رئيس الجمهورية صاحب الحق في التنفيذ أو العفو على قرار الإعدام... وكان عليَّ أن أعطي الأوامر إلى النيابة العامة في تلك المدينة، بتعليقهما مع بوادر الفجر، بحبل من مسد، يلتف حول عنقيهما.. كما علق الأربعة الآخرون..
ولكني قلت لنفسي: إن الأربعة الآخرين أزهقا أنفساً بريئة، وفي ظروف دنيئة.. أما هذا فلم يمت. والشريعة الإسلامية لا تعاقب بالموت إلا من قتل وأزهق روحاً، والقانون الجنائي، يعطي الحق للمحكمة في موضوع الشروع في القتل العمد، في اختيار إحدى عقوبتين: الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، فجنحت - على غير المتعارف عليه- إلى اختيار الموقف الأشد.. ربما ظناً منها أنها بذلك تقضي على مسلسل العنف.. وكان هذا تفكيراً خاطئاً في مثل حالة هاتين الأسرتين.. وكان معروفاً سلفاً من متابعة هذا المسلسل، أنني لو وافقت على اعدامهما، فسوف تقتل أسرتهما "الموتورة" اثنين، من الأسرة العدوة، ثأراً "تقتيليهما"..
وأولاً وآخراً، فإن عقوبة الإعدام، كانت في تلك الأيام، مطروحة على ضمير الفقهاء الجزائيين، الذين تنتقل دراستهم بين إلغاء عقوبة الموت وبين إبقائها.. لاسيما وأن هذه الجريمة الثأرية، تحظى بقبول بعض الأوساط، ولا تراها دنيئة أو مرذولة، بل قد ترى فيها بعض علائم الرجولة..
وانتهى بي التفكير إلى تأجيل التنفيذ، وكتبت رسالة سرية إلى الرئيس جمال شرحت له فيها هذه المشاعر، ورجوت منه أن يرجع عن قراره ويستبدل بعقوبة الإعدام، عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة.. ولم تمض فترة قصيرة على إرسال رسالتي إليه، حتى وصلني منه قرار جديد، وافق فيه على سحب قرار الإعدام..
وكان في ذلك، رحمه الله، حكيماً كريماً، فقد وثق بنظرتي إلى الموضوع ربما "لأن أهل مكة أدرى بِشِعَابها"، أو لأنه بطبعه كان ميالاً إلى الرحمة.. في موقفٍ، الرحمة فيه خير من الشدة..
وللذكرى أقول إنه رفض لي رجاءً في قضية أخرى:
فقد عُدْتُ يوماً إلى بيتي بعد انتهاء عملي في الوزارة، فوجدت في مدخل البناية امرأتين ومعهما حشد من الأولاد الصغار.. و"يا عمو طالع لنا أبونا دخيلك"..
وراحت الامرأتان تتوسلان لكي أفرج عن زوجهما الدركي الذي ارتشى بمبلغ زهيد (25 ليرة بالضبط)، وأدانته المحكمة الجزائية.. وأصبح الحكم مبرماً.. فلم يعد ينفع فيه إلا عفو خاص يصدره رئيس الدولة...
ووعدتهما برفع الموضوع إلى الرئيس وفعلت.. ولكنه رفض الاستجابة، قائلاً: لماذا يتزوج اثنتين وينجب عدداً من الأولاد وهو لا يستطيع بمرتبه المحدود أن يقوم بأودهم، فيضطر أن يمد يده إلى المال الحرام؟.. دعه يقطف ثمرة حماقته المرة.. ليكون عبرة لغيره من الرعناء..
وأثبتت الأيام صحة توقعي.. فقد قنعت أسرة الجريح بشفاء عميدها وسجن المعتديين مدى الحياة، ورضيت أسرتهما بالعقوبة، لأنها حلت محل عقوبة الموت، التي أقرتها المحاكم، على مختلف درجاتها... واستفاد السجينان من قوانين عفو عام، ومن إسقاط ربع مدة العقوبة لحسن السلوك، وهو ما يسميه قانوننا وقف الحكم النافذ (المادة 172 وما يليها من قانون العقوبات)، وخرجا إلى الحياة الحرة، بعد أن أنهكهما السجن، سنين طوالاً، تائبين إلى الله، عازفين عن الشر.. وصلحت حالهما، وهدأت الأمور بين الأسرتين المتخاصمتين، وتناسبتا وتقاربتا..
وكنت أتتبع أخبارهما في الحياة، وأشعر براحة نفسية عارمة.. لما أصبحا عليه من استقامة وحسن سلوك..
والقاعدة العامة تجري على أن الذي يخرج من السجن، يكون قد اكتسب الكثير من أخلاقيات عشرائه فيه، وربما يكون قد أصبح أكثر ميلاً إلى العودة إليهم..
وأفكر في بعض الأحيان: أليست عقوبة السجن، كما قيل فيه، مدرسة لتعليم الإجرام؟ وأليس الإسلام قد أصاب خيراً كبيراً، حين رفض اعتبارها إحدى العقوبات الشرعية؟..
المهم.. أن الله تعالى حل عقد الحبل عن عنقيهما، بفضل عاطفة الإنصاف التي تحركت في قلب الرئيس.. رحمه الله.. دون أن يعرفا كيف أنقذهما الله من موت محقق..
وصدق الله القائل: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً"..
قصر العدل بحلب
منذ أن انتسبت إلى مهنة المحاماة بحلب، كنت أسمع عن مشروع بناء يقام فيها لقصر العدل، بدلاً من البناء المتداعي، الذي ورثناه من أيام الحكم العثماني، والذي كان في جانب منه سجناً، كنا نخشى سقوطه على نزلائه في كل يوم، وخاصة تحت وطأة أمطار الشتاء.. التي كانت تسقط بغزارة، وعلى طول امتداد فصل الأمطار.
وقد خطط المختصون، لإقامة هذا القصر، إلى جانب دار الحكومة الجديد، الذي أقيم في موقع سوق الجمعة القديم، وهو أرض خلاء تقع إلى الجنوب من قلعة حلب، وتحت إشراف أسوارها، وخندقها التاريخي..
وفكر بعض المحامين، أن ينقلوا القصر إلى موقع حي الكتاَّب، غربيَّ ساعة باب الفرج، وراء الضفة اليمنى لنهر قويق، الذي قطعه الأتراك عن حلب ثلاثة فصول في السنة، ليصبح أشبه بالكهريز الذي تصبُّ فيه مياه المجاري المنزلية والمهنية، وتصله مياه الشتاء التي لا يحتاجها الأتراك في هذا الفصل..
وهؤلاء الجيران الأعزة، قطعوا أيضاً نهر جغجع عن القامشلي، وهم يهددون اليوم بقطع مياه الفرات الذي أقاموا عليه سلسلة من السدود، التي احتجزت أكثر مياهه..
وكان رأيي أن يبقى القصر في مكانه، إلى جانب دار الحكومة، تسهيلاً على المراجعين من جهة، وإنعاشاً لأحياء القصيلة وباب النيرب وباب الأحمر، وما جاورها، وهي أحياء تاريخية قديمة، لم تمتد إليها يَدْ مُصْلِحة منذ أن أنشئت..
وقلت في نفسي، إن وجودي على رأس وزارة العدل مناسبة لتحريك هذا الموضوع فاتصلت بزميلي وزير الأشغال العامة، المهندس نور الدين كحالة وسألته عن خرائطه، فوعدني أن يرسلها إليَّ مع المهندس المختص بالمباني..
هل أقول إني صعقت فعلاً، لمرأى هذه الرزمة من الأوراق المربوطة بحبل رفيع، وعليها الغبار وأعشاش العناكب وفضلات الصراصير؟..
وهل يعقل أن يبلغ الإهمال بدوائر الدولة، أن تكون المصالح العامة على هذه الدرجة من البؤس؟..
وكان رد المهندس، أن أحداً لم يسأل عن هذا الموضوع منذ سنين طويلة، وإذا أردنا فتحه الآن، فلابد من العمل في مخططاته سنتين على الأقل..
وعاودت الاتصال بوزير الأشغال، فوعدني بأن يعطيني اثنين من المهندسين يعملان في قصر وزارة العدل، وأتبع الوعد بالفعل، فأرسل لي مهندسين أحدهما يوغسلافي كان على جانب كبير من الوجدان الحي والشعور بالمسئولية..
وعملا بإخلاص، تحت إشرافي الشخصي واتصالي الدائم بهما، فأنجزا العمل في فترة ستة أشهر..
وشاءت إرادة الله أن أصبح وزيراً للمالية بعد فترة قصيرة.. وكان هذا الموضوع في فكري، فرصدت له المال الضروري، وبدأ العمل به فأقيم في موضعه الحالي، يستنشق عبير أسوار القلعة، ويشع "عدلاً" على الأحياء الفقيرة من المدينة الخالدة التي رضعت من لبنها صغيراً، وتعهدت صباي يافعاً، أنظر إلى المستقبل نظرة الواثق المطمئن في رحابها الخضراء.. وليس في هذه الذكرى ما يثير.. ولكني أردت بإثارتها إدانة الإهمال في دوائر الدولة، وقلة الشعور بالمسئولية في نفوس بعض المسئولين..