الفصل الثاني، الجزء 1: كتبه القانونية: الإجرام السياسي والمسطرة الجنائية المغربية والدراسات المعمقة
نحاول في هذا الفصل تعرف الآثار التي خلّفها الدكتور حومد وراءه في المجالات القانونية والسيرة الذاتية وفي عدد من المحاضرات التي ألقاها.
أولًا- المجال القانوني
ألّف مجموعة من الكتب في المجال القانوني، ومن هذه الكتب المؤلفة: الإجرام السياسي، والموجز في المسطرة الجنائية المغربية، ودراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن، وأصول المحاكمات الجزائية، والمفصل في شرح قانون العقوبات - القسم العام، والإجرام السياسي في التشريع المقارن، والوسيط في شرح القانون الجزائي الكويتي. وفيما يلي تعريف بمحتويات كل من هذه الكتب المؤلفة.
1- الإجرام السياسي: من منشورات دار المعارف بلبنان عام 1963
يقع الكتاب في 285 صفحة ويشتمل على أربعة أبواب، أولها في الإجرام السياسي في التاريخ، ويشتمل على ثلاثة فصول تناولت الأزمنة التاريخية والقرون الوسطى والأزمنة الحديثة، واشتمل الباب الثاني وعنوانه «تشكل نظرية الإجرام السياسي وتلطيف المعاقبة»، على أربعة فصول تناول الفصل الأول الحركة الفقهية «كتاب فرانسوا غيزو»، والفصل الثاني الحركة التشريعية (ملكية تموز)، والفصل الثالث معاقبة الإجرام السياسي في القرن التاسع عشر في ثلاثة مباحث هي: (إيطاليا، ألمانيا، روسيا)، وتناول الفصل الرابع الملجأ السياسي.
وكان عنوان الباب الثالث «انحلال نظام التسامح» واشتمل على فصلين أولهما بعنوان فترة الحيرة والتردد، ويقع في ثلاثة مباحث هي (الإصلاحات التشريعية في نظام التسامح، المدرسة الوضعية والإجرام السياسي، الاعتداءات على النظام الحر) ويضم الفصل الثاني وعنوانه: «رد الفعل ضد الإجرام السياسي» أربعة مباحث هي: روسيا السوفيتية، إيطاليا الفاشية، ألمانيا النازية، البلاد الديمقراطية.
أما الباب الرابع فعنوانه (الإجرام السياسي في التشريع الراهن) ويشتمل على خمسة فصول، تناولت تعريف الإجرام السياسي والإرهاب ومجرمي الحرب، ومحاكمة الإجرام السياسي في مبحثين، أولهما خرق القواعد العامة للمسؤولية الجزائية، وثانيهما محاكمة الجرائم السياسية، وكان الفصل الأخير من هذا الباب بعنوان «المجرم السياسي».
قدّم للكتاب أستاذان من أساتذته في جامعة باريس هما (لويس هوغنة، ودونريودي فابر). ويقول المؤلف الدكتور حومد في خاتمة كتابه «إذا كانت الكلمة الأخيرة في كل كتاب تعبّر عما يجول في ذهن المؤلف، فإن هذه الكلمة في موضوع الإجرام السياسي لا يمكن أن تكون سهلة ولا نهائية.. والسبب في ذلك أن منطق هذا النوع من الإجرام يثير مشاكل معقدة ذات صلة وثقى بالأوضاع السياسية والاجتماعية في البلد الذي يرتكب فيه.. وكلما كان هذا البلد في تفاعل عام وغليان شديد كانت النظرة إلى الإجرام السياسي تختلف حدةً وشدةً أو عطفًا ورحمةً بحسب شخصية المجرم أو شخصية الجو العام الذي يعيش فيه هذا المجرم، وخاصة نوعية الحكام الذين يقومون على الأمر والنهي فيه، وتجاوب الرأي العام معهم، أو عدم تجاوبه».
ويتابع قائلًا «لعل هذا القول ينطبق على واقع البلاد العربية أشد الانطباق، وأكثره تعقيدًا، فنحن نعيش في وطن تتجاذبه تيارات قوية عنيدة. فقد تربى جيلنا على فلسفة الوحدة العربية، رضعها مع الحليب، وترعرع في ظلال دوحتها الباسقة، وتذوق أنغامها التي يسمعها صباح مساء، ثم استقرت في تفكيره عقيدة راسخة، لا يقبل فيها نقاشًا ولا جدالًا، حتى أصبحت له دينًا بعد دينه، ومبدأ طغى على كل مبدأ سواه.
ولكنه حين يتلفت حوله لا يجد هذه الوحدة إلا على الورق وفي التمنيات. أما في عالم الواقع، فإنه يجد كل مقاومة لإقامتها، ونضالًا مستميتًا في سبيل إبقاء الحدود الراهنة، كأقوى وأمنع ما تكون حدود، وكل هذا في وقت يقول فيه جميع الزعماء العرب بأن هذه الحدود من صنع الأجنبي المستعمر، لا يختلف في ذلك اليمينيون واليساريون والمتحررون والمرتبطون، ومن هم بين أولاء وأولئك...
وللتاريخ نقول: إن وحدة سورية ومصر عام 1958 فاجأت المستعمرين وأذهلتهم، فلم يستطيعوا أن يحولوا دون قيامها، ولكنهم ظلوا يكيدون لها، ومعهم أعداء الداخل، حتى تمكنوا من القضاء عليها في 28 أيلول عام 1961 مستغلين بعض الأخطاء التي لا يمكن إلا أن تكون طبيعية في حدث ضخم».
ويقول المؤلف في مقدمة كتابه: «ورغبتي الخاصة من هذه الدراسة أن تكون مساهمة مفيدة في سدّ فراغ أظنه كبيرًا في المكتبة القانونية العربية، لأن علماء القانون العرب- فيما أعلم- لم يتوسعوا في دراسة هذه المادة».
2- الموجز في المسطرة الجنائية المغربية: نشر مكتبة التومي- الرباط 1968
يقع الكتاب في 390 صفحة ويضم ثمانية أبواب، وقد حاول المؤلف في مطلع كتابه أن يعرّف علم المسطرة الجنائية بأنه العلم الذي يعنى بتنظيم السلطات والمحاكم الجنائية، ويحدد اختصاص كل منها، ويرسم الطرق الواجب اتباعها أمام تلك السلطات. ويوضح هذا العلم السبل التي يحق للهيئات التي تمثل مصالح المجتمع أن تسلكها، والسبل التي يمتنع عليها سلوكها، حتى لا يكون في تصرفها مكان للارتجال والإساءة إلى حقوق الأفراد. فموضوع العلم هو دراسة البحث عن الجريمة واعتقال الفاعل والتحقيق معه، ومحاكمته من قبل القضاة المنصوبين قانونًا لهذه الغاية.
وأبان أن مهمة علم المسطرة الجنائية هي التوفيق بين مصلحتين متنافرتين: مصلحة المجتمع التي تحرص على معاقبة كل مجرم اجترح إثمًا معاقبًا عليه، لأنها بذلك تحقق غاية العدالة في العقاب، ولأنها ترهب الفاعل وسواه من الناس حتى لا يتجرؤوا على انتهاك حرمات قوانين الدولة، ومصلحة الفرد التي تتطلع إلى أن يمكّن من إثبات براءته فيما إذا كان بريئًا.
ومن الضروري أن تتحقق في المسطرة الجنائية صفات ثلاث هي:
1- البساطة في اللفظ والقاعدة
2- السرعة، وهي ضرورية جدًّا
3- الإنصاف
عنوان الباب الأول من الكتاب (الدعوى العمومية)، ويضم الباب خمسة فصول تناول فيها المؤلف الشرطة القضائية رجالًا وأعمالًا، والنيابة العامة تنظيمًا وصفات، وإقامة الدعوى العمومية، والموانع من إقامة الدعوى العمومية، وطرفي الدعوى العمومية.
وعنوان الباب الثاني (الدعوى المدنية) ويشتمل على ثلاثة فصول، تناول فيها المؤلف غاية الدعوى المدنية (النفقات القضائية، الرد، نشر الحكم، التعويض)، والخصوم في الدعوى المدنية (المطالب بالتعويض، والمدعى عليه بالتعويض)، والمحاكم المختصة برؤية الدعوى المدنية (إقامة الدعوى المدنية أمام القضاء المدني، وإقامة الدعوى المدنية أمام القضاء الجنائي، والخيار بين الطريقتين).
وكان عنوان الباب الثالث (الاختصاص الجنائي)، ويضم هذا الباب ثلاثة فصول هي: الاختصاص الدولي، والاختصاص الوطني (الشخصي، الفرعي، المكاني) وامتداد الاختصاص (حالات الارتباط، حالات الاتحاد، جرائم الجلسات).
وعنوان الباب الرابع (نظرية البيّنات في القضايا الجنائية)، ويشتمل على خمسة فصول تناول فيها المؤلف الاعتراف (طرق الحصول على الاعتراف، وقيمة الاعتراف الإثباتية) والشهادة، والقرائن، والبيّنة الخطية، والخبرة.
واشتمل الباب الخامس ذو العنوان (التحقيق الإعدادي) على ثمانية فصول، تناول في أولها: كيف يضع قاضي التحقيق يده على الدعوى العمومية؟)، وفي ثانيها: سير التحقيق (سماع الشهود، استنطاق الفاعل، الإنابة القضائية) وفي ثالثها: الأوامر القضائية، وفي رابعها الاعتقال الاحتياطي، وفي خامسها الأوامر القضائية بشأن انتهاء التحقيق، وفي سادسها استئناف أوامر قاضي التحقيق، وفي سابعها غرفة الاتهام، وفي الثامن بطلان إجراءات التحقيق.
واشتمل الباب السادس ذو العنوان (التحقيق النهائي) على ثلاثة فصول، تناول في أولها صفات التحقيق النهائي، وفي ثانيها: كيف تضع المحكمة يدها على الدعوى العمومية؟ وفي ثالثها سير المحاكمة.
وضمّ الباب السابع ذو العنوان (طرق الطعن في الأحكام) أربعة فصول، تناول في أولها التعرض، وفي ثانيها الاستئناف، وفي ثالثها الطعن بطريق النقض (الأحكام التي يجوز الطعن فيها، شروط الطعن الشكلية، آثار الطعن، أسباب النقض، تحقيق طلبات النقض والأحكام، النقض لفائدة القانون)، وفي رابعها المراجعة.
أما الباب الثامن فهو بعنوان (القضية المبرمة) ويشتمل على ثلاثة فصول، تناول في أولها تأثير القضية المبرمة في الحكم الجنائي على الحكم الجنائي (قرارات قضاء التحقيق وقرارات محاكم الحكم) وفي ثانيها تأثير القضية المبرمة في الحكم الجنائي على الحكم المدني، وفي ثالثها تأثير القضية المبرمة في المدنيات على الجزائيات.
ويشير المؤلف في كتابه إلى أن قانون المسطرة المدنية يعتبر قانونًا عامًّا بالنسبة للمسطرة الجنائية، والرأي المتفق عليه بين الفقهاء عامة هو أنه إذا نظم قانون المسطرة الجنائية موضوعًا ولكنه ظل تنظيمًا ناقصًا أو غامضًا، فيجب على المحكمة أن ترجع إلى المسطرة المدنية لتسد بها ثغرات المسطرة الجنائية.
ويقول المؤلف في مقدمة كتابه «رأيت بعد أن قمت بتدريس المسطرة الجنائية في كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط عدة سنوات متواصلة، أن أضع كتابًا موجزًا في هذه المادة ليكون في متناول طلاب كلية الحقوق ورجال القانون مرجعًا في مادة قانونية حساسة وعلى جانب كبير من الدقة. وقد وضعت نصب عيني أن أوضح المبادئ القانونية بالأمثلة العملية التي أختارها من الفقه والاجتهاد حيثما وجدتها، لأن النظريات الأصولية لا تتضح تمامًا إلا إذا كشفت الاجتهادات الراسخة والجريئة عن مداها ومراميها، ولن يكون هذا المؤلف مفصلًا، لأنني حرصت على أن يكون سهل المأخذ على الطلاب خاصة يعدهم إعدادًا حسنًا لحياة القضاء والمحاماة، وحرصت أيضًا على أن أحيط بالمواضيع الرئيسية التي يقوم عليها هذا العلم الذي هو فن عملي أيضًا».
3- دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن: المطبعة الجديدة بدمشق 1987 ط2
يقع الكتاب في 832 صفحة ويشتمل على ثلاثة أبواب، عنوان الباب الأول منها ظاهرة الجريمة ومقاومتها، ويشتمل هذا الباب على خمسة فصول، تناول الفصل الأول موضوع تفاقم الإجرام في المجتمعات المعاصرة، والثاني الدفاع الاجتماعي، والثالث التعاون الدولي لمكافحة الجريمة (الجرائم التي ترتكب على نطاق دولي، الاتفاقات الإقليمية العربية، الفعالية الدولية، فعالية الأمم المتحدة، الجمعيات الدولية الأربع)، والثالث: عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء (حجج التيار الإبقائي، حجج التيار الإلغائي، موقف التشريعات منها)، والرابع أزمة العدالة الجزائية.
ويشتمل الباب الثاني من الكتاب وعنوانه «المسؤولية الجزائية» على سبعة فصول، تناول في الفصل الأول تطور مفهوم المسؤولية الجزائية (المدرسة التقليدية، المدرسة التقليدية الحديثة، المدرسة الوضعية)، وتناول في الفصل الثاني نظرية النسبية في الفقه الجنائي، وفي الفصل الثالث المسؤولية بفعل الغير، وفي الرابع المسؤولية الطبية الجزائية، وفي الخامس سر المهنة، وفي السادس المسؤولية عن قتل المرحمة، والفصل السابع والأخير من هذا الباب أخطاء جهاز العدالة.
أما الباب الثالث ذو العنوان «تطبيق القانون الجزائي» فيضم خمسة فصول، تناول في أولها أصول تفسير القوانين الجزائية، وفي ثانيها رقابة القضاء الجزائي على سلامة النصوص، وفي ثالثها السبب التلقائي في محكمة النقض، وفي رابعها القضاء الجزائي الاستثنائي، وبحث الفصل الخامس والأخير من هذا الباب في تشريع الطوارئ.
ولقد أثنى فقهاء القانون الجزائي على هذا الكتاب، فأبانوا أن الدراسات التي ضمها الكتاب قد أثرت المكتبة العربية، وسدت فراغًا كان في أشد الحاجة إليها، ذلك لأن هذه الدراسات معروضة باستفاضة، ووفق منهج علمي يحتذى، وفي عمق وغزارة، وتعد مرجعًا ندر أن يوجد مثله في اللغة العربية، لأنها دراسات فريدة في موضوعها في اللغة العربية، فهي دراسات رائعة وخليقة بالثناء المستطاب.
ويقول المؤلف في مقدمة كتابه: «وإنها لمهمة شاقة أخذت نفسي بها، ولكن ما يشفع لي فيها أنني، وقد أمضيت سبعة وثلاثين عامًا في تدريس العلوم الجنائية في ثلاث جامعات عربية (دمشق، الرباط، الكويت) أشعر أنني أقوم بواجب قومي بتقديم هذه الدراسات، لعلها تكون حافزًا لرجال الفقه الجنائي، على متابعتها على طريق الخير، ودفاعًا عن حرمات الحق والقانون في زمن يتعرضان فيه لأقسى وأشرس امتحان، ويتمرغان في حمأة المهانة والإذلال، ومقارعة للجريمة بتحسين وسائل مكافحتها».
ويتابع: «وسيظل في نظري أن صيانة الكرامة الإنسانية أقدس الواجبات التي تلقى على عاتق المشرع ورجل الحكم، ولا يمكن أن يكون أي طعن كريمًا ما لم تكن كرامة كل فرد فيه مصونة. والقانون الجنائي مرآة المستوى الحضاري للشعوب لأنه يتضمن القيم والمفاهيم التي يحترمها المجتمع ويدافع عنها، بما يفرضه من جزاءات. ومهمة الجزاء القضائي أن يسهر كما يسهر العابد في محرابه على إحقاق الحق وإزهاق الباطل دون أي تمييز بين أصحاب الحقوق، حتى يشعر كل إنسان أنه في حماية حراس شرفاء، لا تأخذهم في الله، وفي الحق لومة لائم».