الملحق: كلمة الأستاذ الدكتور شاكر الفحام رئيس المجمع في حفل التأبين

اقرأ بالإنكليزية

الكلمات التي ألقيت في حفل تأبين الدكتور عبد الوهاب حومد رحمه الله

رئيس مجمع اللغة العربية

في حفل تأبين المرحوم الدكتور عبد الوهاب حومد

إن الرزيئة لا رزيئة مثلهافقدانُ كل أخِ كضوء الكوكب

لقد آدنا المصاب الفاجع، وملأنا الأسى على فقيدنا الغالي الأستاذ الدكتور عبد الوهاب حومد الذي فارقنا أحبَّ ما كان إلينا، فافتقدنا فيه الصديق المخلص، والأستاذ العالم، والإنسان الفاضل.

لقد سعدتُ بمعرفته، ونعمتُ بصداقته، وأنستُ بخلقه الرضي، وراعني بطيب شمائله، وصفاء سريرته، وكرم سجاياه.

كان، رحمه الله الرحمة الواسعة، وأسكنه فسيح جناته، من كبار رجال العصر. تميّز بفكره النيّر، وعلمه الغزير، وإيمانه الراسخ بأمته ووطنه، وتمسكه بالأخلاق الفاضلة والمبادئ المثلى لا يبغي عنها حِوَلا. استطاع أن يقدّم لوطنه وأمته خدمات جُلّى في جميع المناصب التي تولاها، والمراكز العلمية التي نهض بأعبائها.

وإن سيرة الفقيد، عليه الرحمة، غنية بالمآثر، ويقتضيني المقام أن أجمل القول، وأكفكف من أطراف الحديث.

ولد الأستاذ عبد الوهاب حومد بحلب في عام 1915 (ويرجح الأستاذ حومد أن مولده كان سنة 1913). وبعد أن أتم المرحلة الابتدائية تابع دراسته في المكتب السلطاني، وكان الثانوية الوحيدة في حلب، وحصل على شهادة دار المعلمين (عام 1933) فأهّلتْه ليعيّن معلمًا في الريف ثم معيدًا في ثانوية حلب حتى عام 1938.

ونال شهادة البكالوريا الأولى (عام 1934) ثم البكالوريا الثانية (شعبة الفلسفة) (عام 1936). وواتاه الحظ أن يكون أستاذه في دار المعلمين شيخ العربية بدر الدين النعساني، وهو ما هو علمًا ومعرفة ففتح أمامه آفاقًا في درس العربية وآدابها، وحبَّب إليه حفظَ أجزاء من القرآن، وما استطاع من الشعر. وأقبل الطالب المجدّ على الدراسة والحفظ، وساعدته ذاكرة لا تنسى، واعتاد الحفظ وألفه، وظلت الكنوز التي حفظها زادًا له طوال حياته، يئل إليه، ويستمدُّ منه. وتميزت كتابته بأسلوب أدبي جميل، وظلَّ الحنين إلى الأدب ينازعه طوال حياته.

وانتسب الأستاذ عبد الوهاب عام 1937 إلى كلية الحقوق (معهد الحقوق) بدمشق، ونجح إلى السنة الثانية، ولم يتابع الدراسة فيها لسفره إلى فرنسا في بعثة علمية.

فقد نجح في مسابقة أجريت عام 1938 لدراسة الأدب العربي في جامعة باريس، وسافر إلى فرنسا للدراسة. وفوجئ بإعلان الحرب العالمية الثانية عام 1939، فاضطره ذلك أن يبقى في باريس سبع سنوات، أتيح له فيها أن ينال الإجازة في الآداب العربية عام 1940، والإجازة في الحقوق عام 1941، ثم نال درجة الدكتوراه في الحقوق عام 1944.

وعاد إلى الوطن في آب عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فعيّن مدرسًا للأدب العربي في ثانوية حلب ودار المعلمين (1945-1946).

ثم وقع الاختيارُ عليه ليدرس الحقوق الجزائية في كلية الحقوق بدمشق عام 1946، فعيّن مدرسًا، وأقبل على العمل بجدٍّ وعناية، وتابع التدريس في الكلية حتى عام 1959، وترقى إلى مرتبة أستاذ مساعد ثم إلى مرتبة أستاذ كرسي الجزائيات، وانقطع عن التدريس مدة حين سُرّح من الجامعة في 12 آذار 1952 لامتناعه عن أداء القسم إبان حكم الشيشكلي، فمارس المحاماة في حلب، ثم عاد إلى الجامعة عام 1954 ليتابع التدريس فيها.

لم ينقطع الدكتور حومد خلال هذه الحقبة إلى التدريس فحسب، ولكنه دخل معترك السياسة، واختار حركة المعارضة التي كان يقودها في حلب الأستاذ رشدي الكيخيا ضد الكتلة الوطنية. وخاضت المعارضة المعركة الانتخابية عام 1947، واتفقت على تنظيم عملها السياسي فأسست حزب الشعب في أواخر العام 1948 على قواعد معتدلة بين اليمين واليسار، وكان مركز الثقل في حزب الشعب مدينة حلب، وكان الدكتور حومد من رجاله البارزين.

وقد نجح عن مدينة حلب في ثلاث دورات نيابية متصلة استمرت من سنة 1947 حتى قيام الوحدة سنة 1958,

1- انتخابات 7 تموز 1948,

2- انتخابات الجمعية التأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد في 15 تشرين الثاني 1949,

3- انتخابات 10 أيلول 1954.

وكان للدكتور حومد مكانته المرموقة في الجمعية التأسيسية، فقد اختارته مقررًا عامًّا للجنة الدستور، فقام بعمله خير قيام، وكان له أثره الكبير في صياغة الدستور، ودافع عنه أمام الجمعية التأسيسية شهورًا عدة إلى أن انتهت إلى قرارها التاريخي يوم الخامس من أيلول 1950 بالموافقة النهائية على أول دستور يُسنّ بعد الاستقلال.

واستجابت حكومة الدكتور ناظم القدسي إلى رغبة الجمعية التأسيسية بتكريم الدكتور حومد على ما بذله من جهد في وضع الدستور ومناقشته، فمنحته وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة في 5 نيسان 1955، وعيّنته رئيسًا للجنة قوانين الدولة.

وتولَّى الدكتور حومد مناصب وزارية مختلفة ترك فيها بصماته الخيرة، أولها وزارة المعارف (10 آب 1951- 28 تشرين الثاني 1951). ثم تولَّى وزارة المالية (15/9/1955- 14/6/1956) فوزارة المعارف (15/6/1956- 31/12/1956).

ولما قامت الوحدة بين سورية ومصر عام 1958 كان الدكتور حومد من أشد أنصارها، أيَّدها ودافع عنها، وقد تولَّى في عهد الوحدة وزارة العدل مدة سبعة أشهر (7/3/1958- 8/10/1958) ثم وزارة الخزانة (8/10/1958- 16/8/1961)، ثم وزارة التخطيط (17/8/1961- 28/9/1961) في الوزارة المركزية بالقاهرة إلى أن كان الانفصال الذي وقع في 28 أيلول 1961.

وظل ولاء الدكتور حومد للوحدة قائمًا بعد الانفصال، وتحمَّل الأذى في سبيلها، ولم يعد إلى الجامعة، ومارس المحاماة.

ثم تعاقد مع جامعة الرباط بالمغرب، وقام بتدريس المواد الجزائية في قسمي الإجازة والدراسات العليا (1964- 1968).

وتعاقد بعدها مع جامعة الكويت، وقام بالتدريس فيها خمسة عشر عامًا (1968- 1983) فضّل في نهايتها العودة إلى دمشق، ورغب إلى جامعة الكويت ألا تجدد عقده.

وكان الدكتور حومد في الجامعات الثلاث: دمشق والرباط والكويت أستاذًا ورئيسًا لقسم القانون الجنائي.

وفي دمشق عاد الدكتور حومد إلى البحث والتأليف، وتابع مناشطه في تحبير المقالات، وإلقاء المحاضرات.

ثم انتخبه مجمع اللغة العربية بدمشق عضوًا عاملًا فيه، وصدر المرسوم الجمهوري بتعيينه، (المرسوم ذو الرقم 205 تاريخ 27/ 5/ 1991م) فشارك في أعمال المجمع ولجانه بكفاية واقتدار، وكان من أبرز اللجان التي شارك فيها: لجنة المخطوطات وإحياء التراث، ولجنة المجلة والمطبوعات، ولجنة الأصول. وتحركت مشاعره الأدبية واللغوية التي رافقته منذ شبابه في مجال أرحب وأخصب. يقول في حفل استقباله، الذي تحدث فيه عن سلفه الراحل المرحوم الأستاذ الدكتور شكري فيصل كما تقضي الأعراف المجمعية: إنه قرأ مؤلفاتِ الدكتور شكري الأدبية، وبحوثَه الغزيرة فراعته بعمقها، ثم يضيف: «عندها أحسستُ بجسامة العبء وثقل المسؤولية، ولكن الذي أغراني بعدم النكوص على عقبيّ شعور دفينٌ بأنني لستُ غريبًا تمامًا عن هذه الأجواء الأدبية التي تقلبتُ في أحضانها زمنًا ما، قبل أن تنتزعني من جناتها الوارفة، وأنغامها الشجية صرامةُ القانون، وتجهمُ قسمات مواده المستعصية التي لا تنشر الدفء دومًا في النفس» (مجلة المجمع، مج 67: 63).

وقد تملكه حب العربية فهو لا يدع مناسبة تعرض له إلا تحدث عن مكانة اللغة العربية، وواجبِنا لنعمل على ترقيتها وازدهارها وتيسير سبل تعليمها.

ويحسن أن أشير هنا إلى مقالة له عنوانها: دعوة إلى تيسير النحو العربي، يذكر في مطلعها أنه حين أُوفد إلى باريس عام 1938 في بعثة دراسية رأى أن عدد الطلاب والطالبات الفرنسيين والأجانب الذي انتسبوا إلى قسم اللغة العربية في تلك السنة الأولى في حدود الثمانين، ثم يضيف قائلًا: «غير أنه كلما أفل نجم وطلع فجر كان عددهم يتناقص، وأظن أنه لم يتخرج معنا إلا المستشرق ينكيتا اليسييف... وكانت هذه الظاهرة ولازالت مدعاة لدهشتنا» (مجلة المجمع، مج 71: 201).

وقد استوقفته هذه الظاهرة، وردّها إلى صعوبة القواعد النحوية والصرفية، ورأى ضرورة تيسير تعليم قواعد العربية النحوية والصرفية (مجلة المجمع، مج 71: 202).

وإني مازلت أذكر مواقفه في لجان المجمع ولاسيما لجنة الأصول، فكان لا ينفك يردد حاجتنا إلى تيسير قواعد النحو ويضرب الأمثلة بما انتهجته الأمم الحية التي ظلت تنظر في قواعدها النحوية والصرفية، منتقلة من تيسير إلى تيسير حتى استقرت على أسس واضحة، سائغة المأخذ وقريبة التناول (مجلة المجمع، مج 71: 202- 203).

لقد كان رحمه الله مؤمنًا بأمته، حريصًا على مقوماتها قد وقف نفسه على بذل كل جهد ليمضي بها في الطريق الصاعدة، طريق النهضة، فهو يدعو إلى الوحدة العربية، ويرى أن دخول العرب التاريخ الحضاري إنما يبدأ بتحريك الوحدة العربية، ويطالب بالاهتمام باللغة العربية لأنها مقوم أساسي من مقومات الأمة، يجمع شملها، ويضم شتاتها، ويمضي بها في طريق التقدم والرقي.

وما أكثر المقترحات التي كان يقدمها في هذا الصدد! ومن آخر ما قاله: «وتتجه أفكاري إلى إنشاء «مجمع عربي موحد» يرعى لغة العرب وينميها ويطورها لكي تستطيع أن تلبي حاجاتهم العلمية والثقافية بيسر ورفق في إطار المحافظة على الهوية والتراث» (مجلة المجمع، مج 71: 212).

ترك الأستاذ حومد مؤلفات في الحقوق تنيف على العشرة، كانت غاية في الإتقان والدقة، أغنت المكتبة العربية بجدّتها وعمقها. منها:

1- الإجرام السياسي (ط1/ لبنان 1963، ط2 مزيدة منقحة 2001):

وهو في الأصل ترجمة لرسالة الدكتوراه، حذف منها المؤلف فصولًا، وأضاف إليها فصولًا غيرها بسبب تطور الأفكار الجزائية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط دكتاتوريتي ألمانيا وإيطاليا.

2- أصول المحاكمات الجزائية (ط4/ دمشق 1987):

وهو مرجع كبير الحجم يقع في 1200 صفحة، يتضمن شرح النظريات الإجرائية، مشفوعة بأحكام القضاء السوري والمقارن.

3- دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن (ط2/ دمشق 1987)

ويقع في 832 صفحة، ويتضمن 17 فصلًا خصصت لمعالجة موضوعات دقيقة من التشريع الجنائي.

وقد أشاد به علماء القانون إشادات كريمة

فقد عرض لهذه الدراسات المعمقة الأستاذ حسن صادق المرصفادي عميد كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية فقال: «إنها مرجع ندر أن يوجد مثله في اللغة العربية، وإنها تحتوي على علم سيستمر نوره لأجيال وأجيال».

وقال نحو ذلك رئيس قسم القانون الجنائي في جامعة عين شمس، ووكيل كلية الحقوق فيها.

4- المفصل في شرح قانون العقوبات (القسم العام) دمشق 1990.

وهو مرجع كبير الحجم يقع في 1152 صفحة، شُرحت فيه النظريات العامة التي تضمنها قانون العقوبات، معززة بأحكام القضاء السوري والمقارن، ولاسيما الفرنسي والمصري.

5- الإجرام الدولي (ط. جامعة الكويت 1978).

وهو يتضمن شرح الجرائم الدولية التي اتخذت شكلها القانوني حديثًا، وخاصة في محاكمات نورنبرغ وطوكيو. وهي الجرائم التي ارتكبها مجرمو الحرب ضد السلام وضد الإنسانية وضد أعراف الحرب. ويقول الدكتور عبد الوهاب حومد: «ولا أعرف كتابًا عربيًّا آخر في موضوعه».

6- القانون الجنائي المغربي - القسم الخاص (الرباط 1968).

7- المسطرة الجنائية المغربية (الرباط 1968).

8- الوسيط في شرح قانون الجزاء الكويتي (ط4/ جامعة الكويت 1987).

9- الوسيط في شرح أصول المحاكمات الجزائية الكويتية (ط4/ جامعة الكويت 1987).

وللأستاذ حومد سلسلة من المقالات السياسية والقانونية والأدبية نُشرت في الصحافة والمجلات السورية، وفي مجلتي عالم الفكر والعربي الكويتيتين، وله سلسلة من المحاضرات القانونية في دمشق وعدة بلدان عربية.

وكان للأستاذ حومد مشاركات في المؤتمرات القانونية والسياسية والأدبية، منها:

1- مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في بلودان عام 1956، وكان الأستاذ حومد رئيسًا له، لأنه وزير معارف الدولة المضيفة (سورية).

2- المؤتمر الدولي لمكافحة الجريمة، المنعقد بدعوة من الأمم المتحدة في جنيف عام 1955، وكان الأستاذ حومد رئيسًا للوفد السوري.

3- مؤتمر الجامعة العربية المنعقد في القاهرة عام 1955، والذي تم فيه قبول عضوية دولة السودان.

4- اجتماع البنك الدولي وصندوق النقد العالمي المنعقد في واشنطن عام 1959.

5- المؤتمر العالمي (للقانون الطبي) المنعقد في مدينة غاند Gand البلجيكية في (19 - 23 آب 1979)، وحضر الدكتور حومد ممثلًا لجامعة الكويت.

6- مؤتمر (حقوق الإنسان في الإسلام).

وقد دعت إلى عقد هذا المؤتمر جامعة الكويت بالتعاون مع اتحاد المحامين العرب، واتحاد القانونيين الدوليين عام 1982.

رحمك اللهُ أبا غسان وأسكنك فسيح جناته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.