الملحق: كلمة الدكتور إحسان النص نائب رئيس المجمع في حفل التأبين
نائب رئيس مجمع اللغة العربية
في حفل تأبين المرحوم الدكتور عبد الوهاب حومد
اختطفتك يد المنون يا أبا غسان فجأة وما كنا نتوقع هذا الغياب، فقد كنت بيننا قبل أيام، ولم يتوقف نشاطك في أعمال المجمع إلا حين ألحت عليك العلة، وقد ترك غيابك الحسرة والأسى الغامر في نفوس أبناء أسرتك وإخوانك ومحبيك. وعزاؤنا في هذا المصاب أن المنية بالمرصاد لكل كائن حي في عالمنا الفاني، وتلك هي سنة الكون التي عبر عنها المتنبي بقوله:
يدفّن بعضنا بعضًا وتمشيأواخرنا على هام الأوالي
امتدت صداقتي بالراحل الكريم نيفا وعشرين عامًا، منذ أن لقيته في جامعة الكويت، وكان يدرّس القانون في كلية الحقوق وكنت أدرس الأدب العربي في كلية الآداب، وانعقدت بيننا أواصر صداقة حميمة شاركنا فيها إخوة لنا من القطر السوري، وكانت بيننا لقاءات في مناسبات عدة، وأمسيات يلتقي فيها الأساتذة السوريون فيتبادلون فيها الأحاديث الودية ويتسامرون، وما كان ينغّص هذه الأمسيات إلا ما يرد علينا من أخبار الوطن العربي الذي يتعرض إلى مكايد أعدائه ومؤامراته، ولا سيما ما يتعرض له إخوتنا الفلسطينيون من عدوان الصهيونية الآثمة، وأفاعيلها المنكرة، وما تعرض له لبنان الشقيق من عدوان سافر أودى بحياة المئات من أبنائه ومن المناضلين الفلسطينيين.
وإبان الحقبة الطويلة التي التقينا فيها هناك تكشف لي من خلال الفقيد الكريم ما ملأني إعجابًا به، وتقديرًا لشخصه. كان - رحمه الله - في خلقه أمثولة حية لسماحة الطبع، وصفاء القلب، وصدق الوداد، والأريحية المساعفة، وكان في علمه بحرًا زاخرًا، وحجة معتمدة موثقة في الدراسات القانونية، والجزائية خاصة...
ثم كان لقاؤنا الثاني في مجمع اللغة العربية بدمشق، فنعمت بزمالته أعوامًا حققت ما كنت أعهده فيه من قبلُ من طيب المعشر وصدق المودة، ولكن إلى جانب هذه الخلال الرفيعة تكشفت لي جوانب أخرى من شخصية الفقيد، كان عمله في مجمعنا نموذجًا عاليًا لما ينبغي أن يكون عليه عضو المجمع، كان عضوًا في لجان كثيرة من لجان المجمع، وكان متدفق النشاط، موفور العزم، لا يتخلف عن النهوض بالمهام المنوطة به في المجمع بل كان كثيرًا ما يتطوع لأداء مهام إضافية يرى أن المجمع في حاجة إليها.وكان له حضور متميز في جميع هذه اللجان، يبحث الأمور المنوطة باللجنة بروية ودقة وإخلاص، ويعين زملاءه بالاقتراحات المفيدة والآراء الصائبة، وكانت له همة قوية نفتقدها فيمن هم يصغرونه سنًّا، وكان إذا بدا له رأي في موضوع كان عرضة للنقاش واختلاف الآراء أدلى بدلوه فيه في حماسة واندفاع شديدين، ولكن إذا سمع رأيًا مخالفًا لرأيه ووجد فيه الصواب لم يتردد في قبوله، وتلك هي سجية العالم الجدير بهذه الصفة وهو الذي يذعن للحق حيثما وجده، ويعمل بالحديث الشريف: الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها.
ثمة جانب من جوانب الفقيد الكريمة ربما يجهله كثير ممن يسمعون باسمه، فهو لدى جمهور الناس علّامة في المباحث القانونية، ولكن ما لا يعرفونه عنه هو أنه كان إلى جانب معارفه القانونية الواسعة أديبًا يتمتع بحس أدبي نام وذوق مرهف، وكان إضافة إلى هذا كله شاعرًا مجيدًا، يقول شعره في موضوعات متعددة، وكان تذوقه للشعر دافعًا له لحفظ قدر صالح من أشعار العرب فكان يتحفنا في اجتماعاتنا بما يلائم المناسبة التي تعرض لنا من محفوظه الواسع،وهذا ينبئ بما أوتي من قوة الذاكرة التي لم تخنه ولم يعترها الوهن مع تقدم سنه، فكان حفظه لأشعار العرب مبعث دهشتنا وإعجابنا.
لقد اجتمع للراحل العزيز في شخصه ما قل أن يجتمع في غيره، كان البحاثة القانوني المتفوق، وكان الأديب والشاعر الموهوب، وكان فوق هذا كله سياسيًّا مخلصًا صادق الانتماء إلى الاتجاهات الوطنية والقومية، وقد أفاد بلدنا من خبراته الواسعة في الوزارات المختلفة التي تولاها، وكان من الصادقي الولاء لمبادئ العروبة والوحدة العربية التي هي أمنية كل عربي صادق الإيمان بعروبته.
إننا في كل مرة نفقد عزيزًا علينا نقف حائرين أمام لغز الموت، ولا نجد حلًّا لهذا اللغز المستعصي على الإدراك إلا في التسليم لأمر الله، والإذعان لمشيئته، فالفناء في هذه الدنيا هو في نسيج الكائن الحي، وهذا اللغز مستقر في نسغ الحياة نفسها. والكائن الحي يترقب لحظته الأخيرة منذ ولادته، والعزاء يكمن في أن يكون من نفقده قد أنفق حياته سعيًا وراء الخير، ودأبًا في العمل لصالح بلده، وأداء واجبه نحوه وأن يكون تعامله مع إخوانه وفق مبدأ الوفاق والصداقة الحقة والمحبة المتبادلة والتعاون في حل ما يعرض لهم من مشكلات، وأن يكون بمنأى عن المصانعة والرياء في التعامل معهم، وأن يكون قد وجه همّه طوال حياته إلى طلب المعرفة والتزود بالزاد الثقافي الناضج، و كل هذه الخلال توفرت في فقيدنا الكريم فخسارتنا بفقده فادحة، ولكن المرء يثوب بعد نوبة الجزع والأسى إلى التأسي عن الفجيعة بالتأمل في كنه الحياة والموت، ويخفف من لوعته معرفته أن فقيده قد سبقه إلى الدار الآخرة قوافل لا عداد لها من عظماء الرجال وأن الخلود لم يكتب لأحد حتى للأنبياء، وقد تحدث الحكماء من الشعراء عن مصير الكائن الحي، ووقفوا أمام الموت وقفة المتأمل الذي يستخلص العبرة منه، ولا يسعني إلا أن أردد مع أبي العلاء المعري قوله:
أحسن بالواجد من وجدهصبر يعيد النار في زنده
ومن أبى في الرزء غير الأسىكان بكاه منتهى جهده
يا دهر يا منجز إيعادهومخلف المأمول من وعده
أي جديد لك لم تبلهوأي أقرانك لم ترده
أرى ذوي الفضل وأضدادهميجمعهم سيلك في مدّه
أمسِ الذي مرّ على قربهيعجز أهل الأرض عن رده
تغمدك الله يا أبا غسان بواسع رحمته، وأحلّك رياض جناته، وألهم آلك وذويك وإخوانك جميل الصبر والعزاء.