الملحق: كلمة الأستاذ مظهر العنبري في حفل التأبين
في حفل تأبين المرحوم الدكتور عبد الوهاب حومد
أيها الحفل الكريم
قال شاعر غريب في رثاء شاعر «لا يستطيع الزمن أن يقتطع جناح الطير من الطائر، الطير والجناح يسقطان معًا كريشة واحدة، لا النسر ولا الشاعر ولا كل من حلق مرة في حياته، يمكن أن يموت ويمضي كما يموت سائر الأشياء».
واجتماعنا اليوم ههنا دليل آخر على أن من حلق مرة في حياته، لا يمضي ويطوى كما يمضي سائر الناس.
لم أقف هذا الموقف لأتحدث عن موهبة قانونية، والموهبة كما تعلمون نعمة تمنحها السماء لمن تشاء، وليس للبشر فضل فيما تمنحه السماء من عبقريات ومواهب، وإنما يسأل الناس عن تعهدهم لما أودع الله فيهم من أسرار.
وفي كل حال، فإنني لا أضع الموهبة في الاعتبار الأول، وإنما البحث في تصرف الموهوب بموهبته، هل بذل جهده في إنمائها وصقلها وخدمتها ليبلغ بها ما يستطاع من الكمال وما لا يستطاع؟ هل وضعها في طريق الحق والخير؟ هل حمل الأمانة التي تأبى السماوات والأرض والجبال أن يحملنها؟ هذا كله يتصل بإرادة الإنسان ويسأل عنه يومًا أمام الله والناس.
وليس مصادفة أن يقول شوقي:
واعلم بأنك سوف تذكر مرةفيقال أحسن أو يقال أساء
في خدمة القانون، استكمل الفقيد أداة العلم، وبذل جهدًا موفورًا في دراسته، بحيث نال الدكتوراه من فرنسا، وعاد إلى الوطن فدرّس الحقوق الجزائية في كلية الحقوق بدمشق، وشارك في عام 1950 مع المرحوم الأستاذ جورج جبارة، - المستشار في محكمة النقض، والقاضي رياض الميداني في إدارة التشريع في وزارة العدل، في اقتباس قانون أصول المحاكمات الجزائية من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، وهو مأخوذ من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي مع بعض التعديلات البسيطة - وألف من بعد كتبًا في القسم العام لقانون العقوبات وفي قانون أصول المحاكمات الجزائية وفي الجرائم السياسية.
ويعد سنين استقال من جامعة دمشق، وقام بالتدريس أربع سنوات في جامعة الرباط، وخمس عشرة سنة في جامعة الكويت، وألف خلال هذه الفترة بعض الكتب في القسم العام لقانون الجزاء الكويتي، وفي قانون الإجراءات الجزائية الكويتي، وفي الإجرام الدولي.
وبعد عودته إلى الوطن، أعاد طباعة كتابه في القسم العام من قانون العقوبات السوري، وكتابه في قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، بحيث زاد فيهما بعض المعرفة وعدل بعض آرائه فيهما. وطبع كتابًا آخر بعنوان دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن.
والحق يقال، إن كتبه سدت فراغًا كبيرًا في المكتبة القانونية، بعلم غزير وقلم مبين ورأي سديد.
وضع الأستاذ حومد علمه في خدمة القضايا الكبرى، فقام بواجب قومي بتقديم هذه الدراسات القانونية، ورجا أن يتابعها رجال القانون الجزائي عن طريق الخبرة دفاعًا عن الحق والقانون، ورأى أن صيانة الكرامة الإنسانية، أقدس الواجبات التي تلقى على المشرع ورجل الحكم، ولا يمكن أن يكون أي وطن كريمًا، ما لم تكن كرامة كل فرد فيه مصونة.
ورأى أن الصرح الجنائي يتعرض اليوم إلى هبوب تيارات عاصفة عليه، نقدًا وتجريحًا، بسبب تفاقم الجريمة وفشل المساعي التي تبذلها المجتمعات المعاصرة في وقف تصاعدها المستمر، فعمد إلى أن تكون دراسته المعمقة في الفقه الجنائي المقارن، وهي آخر كتبه، وصفية تتقيد بالمذاهب القانونية، دون إغفال لمقتضيات التطبيق في الحياة الاجتماعية العملية، واقترح بعض الاقتراحات في مجال النظر والعمل، حتى لا تبقى دراسته نقدية تكتفي بتشخيص المرض، دون المساعدة في البحث عن العلاج.
عمل الفقيد محاميًا في حلب في مستهل حياته العملية، والمحاماة دون شك، مهنة الجبابرة، ورسالتها أرفع الرسالات، ولعلها المهنة الوحيدة التي يغادرها صاحبها إلى أرفع مناصب الدولة، فإذا ترك المنصب لم يتردد في المسارعة إلى العودة إليها أكثر اعتزازًا بالانتساب إليها، وفخرًا بوصل ما انقطع من استظلال بظلها الوارف، ومساهمة في رفع علمها الخفاق، وما من شيء يستطيع إنسان أن يطمع في تحقيقه في حياته تعجز المحاماة عن تزويده به وإفاءته عليه، سواء كان ذلك الشيء مالًا أو مجدًا أو شهرة أو خدمة عامة أو قدرة على إحقاق الحق وتحقيق العدالة ونجدة المحتاج ورأب صدوع النفس البشرية، ففي ميدان المحاماة متسع لتحقيق كل هدف وإرواء كل ظمأ، وليس تزيدًا أن يقال إن المحاماة، لو لم تكن مهنة عظيمة لكانت هواية ممتعة مثيرة. ولكن المحاماة كانت أبدًا، وستبقى أبدًا، أشق المهن وأقساها وأحفها بالمخاطر والمهالك، وطريقها طويل، ومستهله، بخاصة، مليء بالعراقيل والعقبات، ومهما كان في المحاماة من مال ففي غيرها من المهن مال أكثر، ومهما كان فيها من شهرة أو مآرب مادية فإنها ليست الوسيلة المثلى لتحقيق هذه الأغراض المادية، أما رسالتها، أما مثلها العليا، أما بطولاتها الأسطورية، فهذه كلها أهداف، لا يمكن أن يصل إليها إلا معصوم من الزلل، راغب في تحمل المكاره، لا يبالي في أداء واجبه بتضحية أو بخسارة من أي نوع. وتاريخ المحاماة حافل بصور لفحول من المحامين دفعوا أبهظ الثمن في سبيل العدالة وفي سبيل الحق، وبلغوا مرتبة الشهداء قيامًا بواجبهم كما فهموه، وكثيرًا ما سبقوا في فهمه جيلهم والمجتمع الذي فيه يعيشون.
وجد الفقيد أن المعرفة النظرية وكنوز الثقافة العامة تنتج صناعًا شرفاء لمهنة، ورأى أن الأولى تنشئة أشخاص مختارين تبهرهم العدالة الحية ويرفعون شعلة المثل العليا نقية صافية إلى العلاء في سماء التقدم الاجتماعي، فآثر أن يكون أستاذًا للمحامين، فقام بتدريس القانون، وخرّج أجيالًا من المحامين بهرتهم المعرفة النظرية كما بهرتهم العدالة الحية. ودرس على يديه أجيال أصبحوا قضاة يفخر الوطن بهم وبعلمهم وبأخلاقهم.
عملتُ وزيرًا للعدل، بعد تركه الوزارة بأمد غير طويل، ودرّست قانون العقوبات الذي كان يدرس، واعلم أنه كان في وزارة العدل حريصًا على تطبيق القانون، وعلى حماية القضاة وتمكينهم من أداء مهمتهم على أكمل وجه وأفضل أسلوب، وكان في التدريس، راغبًا في إفادة الطلاب وحفز همتهم للاستزادة من المعرفة.
أيها السادة
من القصص الروماني أن ممثلًا شهيرًا يدعى (فلورنس) سأل صاحبه الحكيم (اغريبينوس) ألا تنزل الآن لحضور الاحتفال، قال: لا، قال الممثل: وأنا ألا أذهب، إن عليّ أن أقوم بدور في المسرحية أمام قيصر والجمهور ولا أستطيع أن أتخلف، فقال له صاحبه: أما أنت فاذهب وقم بدورك في المأساة أمام قيصر والجمهور، فتعجب الرجل وقال: كيف تشير علي أن أذهب وتأبى أنت أن تذهب، فقال اغريبينوس وقد نفد صبره: أنت يا صاحبي الخيط العادي في الرداء فلا تحملني أن أكون خيطًا عاديًّا آخر من الخيوط، أنا، أنا خيط الأرجوان الذي يعطي الرداء لمعانه وتألقه وامتيازه، فامض إلى شأنك ودعني وشأني.
في نسيج الحياة الباهت السقيم، كان عبد الوهاب حومد خيط الأرجوان.
لقد تحدثت عن الفقيد كأننا غرباء
كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصفاأنيس ولم يسمُر بمكة سامر
وإنني لأعرف أن زملاءه وتلاميذه يذكرونه دائمًا، وأيّ وشاح ترتديه الجامعات التي درّس فيها، في حاضرها أو في مستقبل الأيام، لن يخلو من خيط أرجواني الرفعة والسناء، أضافه الأستاذ حومد إلى نسيج الحياة فيها، سيظل يلمع ويتألق ما بقيت هذه الجامعات، وما بقي فيها من رغبة في زيادة العلم والمعرفة، واستشراف المستقبل، والتطلع إلى الوحدة، والدفاع عن حقوق الإنسان العربي.