الملحق: كلمة الدكتور أسعد حومد باسم الأسرة في حفل التأبين

اقرأ بالإنكليزية

في حفل تأبين شقيقه المرحوم الدكتور عبد الوهاب حومد

تحدث أساتذتنا الكرام عن عبد الوهاب حومد بما عرفوه عنه عن قرب، وهم الأقدر على إيفائه حقه، ووضعه بما يستحق.

وسأتحدث أنا باسم الأسرة عن بعض ما عرفناه من جوانب حياته الخاصة والعامة: حياتِه في أهله وأسرته وأقاربه وأصدقائه، وحياتِه في بعض نواحي العملِ العام، لتستبين جوانب أخرى من شخصيته.

أما حياته في أهله وأسرته فقد كانت حياة سهلة لينة، يسودها الحب والود والاحترام، والبعد عن التسلط والاستبداد بالرأي. وكان عطوفًا ودودًا رحيمًا مخلصًا يتعبُ ويشقى ليسعد غيرُه ويرتاح، ويسهرُ ليهدأَ غيره وينامَ قريرَ العين. كان ذلك حاله في أيام الخير واليسر، وكان ذلك دأبه في أيام الشدة والعسر، يظهر الرضا دائمًا بما يسره الله له.

كان يكره الاستبداد بالرأي وينفر ممن يحاولون فرض آرائهم على الآخرين، ويعد ذلك عيبًا في شخصية المستبد برأيه.

وكان يجيد الاستماع إلى محدثيه ليستوعب مقاصدهم لكيلا يتهم إذا ما ناقشهم في آرائهم بأنه يرد على ما لم يستوعب. وكان دائم العمل لا يتعبُ ولا ينصبُ، ولا يتشكى من ضغط العمل.

دراسته:

بدأت حياته الدراسية في مدرسة السلطاني بحلب (وكانت الثانوية الوحيدة فيها). وفي مطلع العام الدراسي 1930- 1931 دخل دار المعلمين. وكان أستاذُنا الجليل الشيخُ بدر الدين النعساني - طيب الله ثراه - هو الذي يدرس الأدب واللغة العربية للصفوف العليا في الثانوية وفي دار المعلمين، وكان هذا الأستاذ قديرًا متميزًا، يفرض احترامه على طلابه، ويوظف هذا الاحترام في دفع الطلاب إلى العمل. وكان ينصح طلابه بحفظ ما يستطيعون حفظَه من القرآن ومن الشعر الجيد الذي يصقل النفوس، ويُمدها بالمادة اللازمة للكتابة السليمة، ولصوغ الشعر الجيد، فحفظ عبد الوهاب ما استطاع حفظه من القرآن، وحفظ كمًّا كبيرًا من الشعر. وساعدته ذاكرته الجيدة على سهولة الحفظ، كما ساعده حضور البديهة الذي تميز به على الاستشهاد بما يحفظ.وساعده حفظه الشعر الكثير على صياغة الشعر، وله شعر جيد ولكنه قليل.

عمله في التعليم:

عيّن بعد تخرجه من دار المعلمين معلمًا في مدرسة أولية في الجزيرة، ثم نقل إلى دير الزور ومنها إلى بلدة الباب.

وفي مطلع العام الدراسي 1937- 1938 نقل معيدًا إلى مدرسة السلطاني بحلب.

سفره إلى فرنسا:

وفي أواخر عام 1938 أعلنت وزارة المعارف عن مسابقة لانتقاء مرشحين يوفدون للدراسة في فرنسا فتقدم إلى مسابقة دراسة الأدب العربي ونجح فيها فسافر إلى فرنسا.

دراسته الحقوق مع دراسته الأدب:

وفي فرنسا وجد أن دراسة الأدب لا تستغرق وقته كله فتسجل في معهد الحقوق، ونجح في الحصول على شهادة الليسانس في الأدب، وشهادة الليسانس في الحقوق. وحينما طال أمد الحرب قرر أن يحضر شهادة الدكتوراه في الحقوق، ونجح في الحصول عليها عام 1943.

رؤى سياسية جديدة:

لم يكن في سورية في الفترة التي حكمت خلالها فرنسا سورية (1920- 1945) كثير من المثقفين السوريين الذين زاروا فرنسا، وعرفوا حال شعبها في بلاده، واطلعوا على الصراع السياسي الذي يدور بين الأحزاب المختلفة وخصوصًا بين أحزاب اليمين واليسار، لذلك كان الناس في سورية يظنون أن رجال الاستعمار الفرنسي في سورية هم الممثلون الحقيقيون للشعب الفرنسي، وأن هؤلاء الموظفين الاستعماريين يمثلون الديمقراطية التي يأخذ الشعب الفرنسي بها في بلاده لذلك كره الناس الديمقراطية الفرنسية، كما كرهوا الشعب الفرنسي كله. وأخذت تؤثر فيهم الدعاية النازية والدعاية الفاشية، وصار كثير منهم يتمنون أن ينتصر هذان النظامان الشموليان على الديمقراطيات الغربية لعل أمتنا تتحرر من نير الاستعمارين الإنكليزي والفرنسي.

ولكن بعد أن عرف الموفدون السوريون حال الشعب الفرنسي وحال الديمقراطية التي يأخذ بها في بلاده، أخذت تتبدل آراء بعضهم، وصاروا يؤمنون بالديمقراطية كنظام للحياة السياسية للأمم التي تريد التمتع بعيش كريم، والسيرَ في طريق التقدم الحضاري، والانعتاق من الظلم. وكان عبد الوهاب ممن تأثروا بالفكر الديمقراطي، وصار يؤمن أنه الأفضل للشعوب المستضعفة، واستمر في قناعته هذه حتى آخر أيامه.

عمله في كلية الحقوق:

عين عبد الوهاب بعد عودته مع رفاقه من فرنسا في آب 1945 مدرسًا للأدب العربي في مدرسة السلطاني بحلب. وفي عام 1946 أراد الأستاذ ساطع الحصري أن يصلح مؤسسات التعليم، وخصوصًا منها المؤسسات الجامعية، فاختار عددًا من العائدين من فرنسا ليدرسوا في كليات الجامعة. وكان عبد الوهاب ممن وقع الاختيار عليهم ليدرس الحقوق الجزائية في كلية الحقوق وفي أول العام الدراسي 1946- 1947 انتقل إلى دمشق وباشر عمله في كلية الحقوق، وأقبل على العمل بجد كبير، وهو يأمل أن يقابل الطلاب هذا الجهد بمثله من قبلهم. وكان عبد الوهاب يتمتع بمقدرة خطابية فكان يلقي أكثر دروسه على الطلاب ارتجالًا، وبلغة فصيحة متميزة فزاد ذلك في إعجاب الطلاب به، وتقديرهم له. وثقة الطالب بكفاءة أستاذه تشده إليه، وتدفعه إلى العمل للتميز لديه.

ولم يترك العمل في الجامعة إلا حينما فرض أديب الشيشكلي على الموظفين أن يقسموا يمين الولاء للدولة، وأن يمتنعوا عن العمل في السياسة ماداموا موظفين، فلم يقبل بأن يلتزم بترك العمل السياسي.

وفي أيام الوحدة اختير ليكون وزيرًا للعدل في أول حكومة تألفت بعد تحقيق الوحدة، ثم سمي وزيرًا للمالية، وبعد ذلك صدرت تعليمات من الحكومة المركزية في القاهرة تقضي أن لا يجمع الوزراء عملهم في الوزارة مع عملهم في الجامعات، فترك العمل في الجامعة مرة أخرى.

وفي عام 1964 اختارته جامعة الرباط ليدرس القانون الجزائي في كلية الحقوق لديها، واستمر عاملًا فيها حتى 1983.

مؤلفاته وآثاره العلمية:

وضع خلال عمله الجامعي في دمشق والرباط والكويت مجموعة من المؤلفات في الحقوق الجزائية بلغت السبعة، وكان وضع كتابًا عن الإجرام السياسي باللغة الفرنسية نال عليه لقب دكتور في الحقوق.

وقد كتب مقالات كثيرة وبحوثًا في موضوعات علمية وقانونية وسياسية نشرت في الصحف والمجلات العربية والسورية. وسطّر مذكراته في حوالي ثلاثة آلاف صفحة.

عمله في السياسة:

في عام 1947 حدث تصدع في صفوف الكتلة الوطنية، وانشق عنها بعض المثقفين الشباب: رشدي الكيخيا وناظم القدسي في حلب، وعلي بوظو ورشاد جبري في دمشق، وراتب الحسامي في حمص. وتقدم رشدي الكيخيا إلى انتخابات عام 1947 بقائمة من المرشحين الشباب في حلب ضمت إضافة إليه: ناظم القدسي ومعروف الدواليبي وعبد الوهاب حومد وأحمد قنبر. وجاءت نتيجة الانتخابات أن المثقفين الشباب من أبناء الشعب فازوا بمناصب نيابية كثيرة. وهكذا ظهرت أول مجموعة معارضة في البرلمان.ثم تحول المعارضون إلى حزب سمي حزب الشعب.

وبعد انقلاب الحناوي على حسني الزعيم اتجهت نية الحكومة الانتقالية إلى وضع دستور جديد للبلاد، واختير عبد الوهاب ليكون مقررًا للجنة الدستور، وقد منحته الحكومة وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة تقديرًا لتميزه في العمل في إعداد الدستور وصياغته.

نشاطه في الوحدة:

كانت الوحدة العربية دائمًا حلمًا غاليًا على قلوب الناس في سورية، ولم يكن لهم أمنية تتقدم على تحقيقها لأن فيها العزة القومية وفيها التحرر من جميع الأسواء التي عانت ومازالت أمتنا تعاني منها.

وفي عام 1958 تحققت أول وحدة في تاريخ العرب المعاصر بين مصر وسورية، وفرح الشعب بها فرحًا كبيرًا ولكن هذه الوحدة كانت قذى في عيون أعداء العروبة من عرب ومن غيرهم، فأخذت المؤامرات تحاك ضدها في السرِّ والعلن إلى أن نجح الأعداء في تحقيق غايتهم فتم الانفصال في عام 1961.

وحينما عاد عبد الوهاب من مصر بعد الانفصال استمر على مواقفه الوحدوية، وألف مع مجموعة من إخوانه المؤمنين بالوحدة مجموعة عمل تسعى في سبيل إعادة الوحدة بين مصر وسورية. وقد أوذي هو وإخوانه كثيرًا، ونسفت سيارته، وسجن مع بعض إخوانه، ولكنهم ظلوا أوفياء لما آمنوا به.

ومن بعض ما يؤثر له:

كانت له مشاركة في المساعي الخيرة الهادفة إلى جر المياه من الفرات إلى حلب فارتوت بعد طول عطش.

وكانت له مشاركة فعالة في تقرير إلزامية التعليم ومجانيته.

وكان هو أول من قرر مبدأ إيفاد البعثات الدراسية إلى الخارج على أساس المحافظات وبذلك زال الغبن الذي كانت تشكو منه المحافظات النائية التي لم يكن لدى طلابها أساتذة قديرون يجعلونهم في مستوى زملائهم في أمهات المدن الكبرى، فكان ذلك عدلًا أنصف الجميع، وسرّهم كثيرًا.

وأخيرًا فإنني أشكر الأستاذ الدكتور رئيس مجمع اللغة العربية وزملاءه الكرام الذين تفضلوا فرعوا هذه الأمسية، كما أشكر الأساتذة الكرام الذين تفضلوا فشاركونا بإلقاء كلماتهم معبرين بها عن صادق ودهم لفقيدنا الغالي. وأشكر جميع الأخوة الذين تفضلوا بالحضور مد الله في حياتهم جميعًا، ولا فجعهم بعزيز غالٍ عليهم.