الفصل التاسع، الجزء 1: انتخابات 1947 في حلب والقائمة الشعبية
عدت من الدراسة في باريس في شهر آب 1945. وقد كان عليّ أن أمضي بعض الوقت في دمشق لمتابعة شكليات تعييني، بحسب ما تقتضيه مسؤولية البعثات. وبعد فترة قصيرة صدر قرار بتعييني مدرِّسًا للآداب العربية في المكتب السلطاني الذي أصبح يسمَّى ثانوية المأمون بحلب، وفي دار المعلمين التي تخرَّجت منها عام 1933. وتسجَّلت في الوقت نفسه في نقابة المحامين في مدينتي نفسها. وكان لا بدّ لي من ارتداء الثوب الأسود أثناء أداء يمين المحاماة، وقد أعارني أحد المحامين ثوبه فارتديته في شيء من الدهشة ورحت أجتاز ردهات القصر العدلي إلى جانب الأستاذ أسعد الكوراني نقيب المحامين، تحت أنظار أصحاب المصالح المتكدِّسين فيها. وكان رئيس المحكمة القاضي الأستاذ عبد القادر الأسود. وكان لهذا القاضي سمعة طيِّبة في قصر العدل، وقد ظلَّت هذه السمعة ترافقه رئيسًا أول لمحكمة التمييز التي أصبحت فيما بعد تسمَّى محكمة النقض حين تمَّت الوحدة بين سورية ومصر، ورئيسًا للمحكمة العليا، ثم رئيسًا أعلى لمؤسسة القضاء في عهد الوحدة.. فكان في القاهرة، كما كان في دمشق، ملء السمع والبصر. وبعد أن أدَّيت اليمين التي يشترطها قانون المحاماة (اليوم المادة 22 من القانون رقم 39 لعام 1981 وهذا نصها: «أقسم بالله العظيم أن أمارس مهنتي بأمانة وشرف وأن أحافظ على سرِّ المحاماة واحترام القوانين» دعاني النقيب إلى مكتبه وزوّدني ببعض النصائح الخاصة بأخلاقية المهنة.. وبعد أن باشرت «ممارسة المهنة» تبيَّن لي أن واقعها يختلف جذريًّا عن نظرياتها. وفي فترة وجودي في حلب، وقد امتدَّت سنة وبضعة أشهر، درست الحالة العامة فيها دراسة معمّقة.. وظهر لي أن فيها فراغًا كبيرًا ولا يمكن أن يملأه إلا نشاط شعبي مركز.. فقد كان الحرس القديم من رجال الكتلة الوطنية يعيشون على أمجاد «جهادهم» السابقة.. وكانوا قانعين بأنهم هم الذين انتزعوا استقلال البلاد، وأن لهم على الشعب حق الطاعة والولاء.. وكان عمودهم الفقري بغير منازع سعد الله الجابري.. وكان في البلد صناعي صاعد من أبناء الشعب، هو وهبي الحريري الذي ألقى بدلوه في بئر السياسة، مقاومة لآل المدرس الذين كانوا يتحكَّمون في شركة الغزل والنسيج المناوئة لشركته. ولم تكن له أهداف غير الدفاع عن وضعه المالي.. وقد جرى بيني وبينه قبيل الانتخابات الوشيكة حديث مطوّل، حاول من خلاله أن يفهمني أنه لا يطمح في وزارات ولا مناصب، بل إنه يريد فقط أن «يكسر شوكة العائلات المتسلطة»، وعرض عليّ أن أستلم أنا الناحية السياسية التي «لا يفقه فيها شيئًا»، كما قال.. وقد لاحظت في مرحلة انتخابات 1947 أن كل الأسماء الرائجة في سوق السياسة الانتخابية، سواء في حلب أو في غيرها من المدن، كانت أسماء «العائلات» الثرية أو ذات النفوذ.. وكانت هذه الظاهرة في حلب أوضح منها في أي بلد آخر.. وصدر مرسوم جمهوري زيدت بموجبه مقاعد مجلس النواب بمقدار خمسة عشر مقعدًا، فأصبح العدد 140 وُزِّعت بحسب الطوائف كما يلي:
السنَّة 93
العلويون 12
الدروز 6
الروم الأرثوذكس 6
السريان 1
الروم الكاثوليك 2
الأرمن 1
الموارنة 1
الإسماعيليون 1
اليهود 1
الأقليات غير الممثلة 1
العشائر 10
وحين سُمِح للمرشحين بأن يبدأوا نشاطهم الانتخابي ويعلنوا على الشعب أسماءهم وقوائمهم الانتخابية، تبلورت في حلب ثلاث قوائم:
1- قائمة الكتلة الوطنية
وقد كان الوجه البارز على رأسها هو إحسان الجابري شقيق المرحوم سعد الله. وقد كان مقدّرًا لسعد الله أن يرأس هذه القائمة لولا أن توفَّاه الله قبل المعركة الانتخابية ببضعة أشهر.
وقد كان لسعد الله شعبية كبيرة حقًّا، لأنه اشتهر في مقاومة الانتداب الفرنسي بقوة الشكيمة والجرأة، وفي ممارسته الحكم بالأمانة ونظافة اليد. وكان يمقت الفكرة الإقليمية كرهًا شديدًا.. أذكر أنني زرته في مكتبه في رئاسة مجلس الوزراء مع بعض الرفقاء الحلبيين.. للتعرُّف عليه.. وتكلَّم واحد منا عن «حقوق حلب» و«طغيان الشام»، لكن الرئيس قاطعه بحدّة، ووجَّه إليه نقدًا لاذعًا.. بأن «سورية كلها لا تستطيع أن تشكِّل مدينة من مدن العالم».. فكيف يجوز أن نتكلَّم عن دمشق.. وحلب وحمص.. وحماة.
وأودُّ أن أعترف بأنني كنت أجلّه، وما زلت أحتفظ له بالتقدير الكبير.
2- قائمة الحاج فاتح المرعشي
وهي تضمُّ أحمد الرفاعي ووهبي الحريري ومصطفى برمدا وصفوت إبراهيم باشا. وواضح أن القائمتين تتنافسان على استقطاب «أبناء العائلات» وأصحاب المال. ولم يكن للحزب الشيوعي وجود يذكر في حلب. كذلك لم يكن فيها مَن يتحدَّث عن الاشتراكية بصوت مسموع.
ولم تتَّجه عواطفي لا إلى القائمة الأولى، ولا إلى القائمة الثانية، ولم أكن ذا وزن في السوق السياسي، حتى يسعى إليّ مرتبو القوائم.. وكان عليّ أن أشقَّ طريقي بنفسي وبوسائلي الخاصة وسط الزحام الخانق. وقد أتيحت لي مناسبة حلوة، جلست فيها مع رشدي الكيخيا في مقرِّ مكتبه في الفرافرة. حضر جانبًا منها الدكتور ناظم القدسي.. وشمل الحديث السياسة العامة وطرق تطوير الدولة... وشؤون العالم بعد حرب عالمية ضروس... لا بدّ من أن يكون لها ذيول وانعكاسات على مناطقنا بخاصة... وخرجت من هذه المحادثات... بأن هؤلاء هم جماعتي ومهوى فؤادي. خاصة وأن الكيخيا منفتح على الدنيا وغير قانع بالطريقة التي تساس فيها الدولة على أساس سياسة «المزرعة» و«العائلية». وقنعت بأنه يعمل لرفع شأن الوطن، من دون أن يحسب حسبان نفسه.. وقنعت بأنه قومي مؤمن بوحدة الأمة العربية.. وأنه منفتح على التيارات العالمية ويعرف ضرر الاستغلال الطبقي.
وقد أكَّد إيمانه بضرورة قيام أحزاب ذات مناهج.. وهو نفسه يعدُّ العدّة لحزب قومي تقدمي، حين تتهيَّأ له الشروط والظروف.. ولقد صدق ووفى بكل ما تحدَّث به.
وكان استأجر دارًا في محلة الفرافرة، جعلها مقرًّا لتكتل سياسي نواته هو وناظم القدسي وأحمد قنبر.. ثم جئنا الدكتور معروف الدواليبي وأنا من باريس لننضم إليه. وقد ألقيت سلسلة من الخطابات في هذا المقر، هيَّأت لي الاتصال بالمواطنين، كما أن الأستاذ قنبر أفسح لي صدر جريدة النذير المحترمة لأعالج فيها شتّى المواضيع السياسية والاقتصادية والقومية التي نضجت في مفاهيمي خلال إقامتي في فرنسا مدة سبع سنوات، شملت فترة من قبل الحرب وطيلة هذه الحرب وعدة شهور بعد انتهائها.
وبعد سنة انتقلت إلى دمشق أستاذًا في كلية الحقوق لمادة الحقوق وأصول المحاكمات الجزائية، وهو منصب كان يسبغ على صاحبه مكانة اجتماعية كبرى ورصيدًا قويًّا في أوساط القانون والسياسة.
3- واتفقنا على تشكيل قائمة مستقلة، كان على رأسها رشدي الكيخيا وناظم القدسي من أبناء العائلات، وتضمُّ الدكتور الدواليبي والصحفي قنبر وحومد وصادق سلطان المحامي وعبد اللطيف سباهي المهندس ومصطفى جلب رئيس اتحاد نقابات العمال وجبرائيل غزال المحامي ورزق الله سالم المحامي وديكران جراجيان الصيدلي ولطيف غنيمة المحامي السياسي المعروف، وكلهم من أبناء الشعب.. وبذلك تشكَّلت القائمة الثالثة ذات الأكثرية الشعبية.
ولقد سمعت ممَّن لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب: ومن هؤلاء الشاعر الموهوب عمر أبو ريشة رحمه الله، كيف يضع أبناء الشعب أيديهم في أيدي اثنين من أولاد العائلات؟.. وكان جوابي دومًا، أننا لسنا ضد الأفراد، لكننا ضد التسلُّط والاستغلال، وأننا دعاة تقدُّم وكل مَن يتبنَّى مبادئ التقدمية يعتبر واحدًا منا، بصرف النظر عن انتمائه العائلي.
ولقد كان رشدي الكيخيا عدوًّا لدودًا للعائلية، لأنه كان يجد الكثيرين من أبنائها غير جديرين بالاحترام، وأنه لا بدّ من إعادة «قولبتهم» لإعادة دمجهم في مجتمعهم الذي يتعالون عليه، مع أن هذا المجتمع هو الأم الرؤوم التي لا ترفض أن تضمَّ إلى صدرها أي ولد من أولادها.
وكان ناظم القدسي يتحدَّث عن مقته للعائلية أيضًا، بسبب من ثقافته الجامعية العليا التي بناها في رحاب جامعة سويسرية.. غير أن ثقتنا برشدي كانت أرسخ، وأن ثقة القدسي بقناعته هذه كانت أضعف رسوخًا.. لذلك كان إمامنا الفعلي هو رشدي الكيخيا.
وقد حاول منظمو القائمتين الأخريين اجتذاب هذين الزعيمين إلى صفِّهما حتى تمرَّ الانتخابات بسلام وتكون نتيجتها مضمونة. لكن مساعيهم باءت بالفشل.
ولو نجحت تلك المساعي لكانت الحركة الشعبية أُصيبت بضربة شديدة.. ولا أقول مميتة، لأن الشعب حيّ، وكان قادرًا على الانتظار دورة انتخابية أو دورتين حتى تتهيَّأ الظروف المناسبة لتشكيل قائمة شعبية من دونهما. إلا أنهما جزاهما الله خيرًا، يسَّرا علينا الأمور، وسارا بمشعليهما العاليين في ليل أليل.
وكانت نفقات المعركة الانتخابية ضئيلة نسبيًّا، فلم نذبح الخراف، ولم نرسل مئات صواني الكنافة والبقلاوة إلى وكلائنا على الصناديق، ولم ننشر آلاف اللافتات في شوارع المدينة.. بل ولم نصرف ليرة واحدة وضعناها في يد أحد.. كان كل الذي أرسلناه، السندويش ولا شيء غيره.. وكان كثير من أنصارنا يقومون عنا بهذا الواجب من جيوبهم.. وأنا من جهتي لم أكلَّف بدفع قرش واحد. وهذا كان شأن زملائي في القائمة.. ومنهم رشدي نفسه لأنني عرفت أن أنصارنا في حركتنا لم يقصروا في ذلك.
لكن ما فعله أصحاب القوائم الأخرى، كان يتجاوز مفاهيمنا عن معاني الانتخاب. كانت قناعتنا أن المرء يترشَّح لكي يوكله الشعب عنه، ويرعى مصالحه في مراقبة الحكومة والسهر على صيانة مال الدولة.. غير أن الأموال التي بذلت من قائمتي شركة الغزل والنسيج وشركة وهبي الحريري، وأصحاب البنوك والاستثمارات الكبرى كانت مذهلة حقًّا.. وأذكر أنني مررت على صندوق انتخابي في حيّ الكلاسة فاستوقفني رجل تنبئ مظاهره عن فقر مدقع، وأراني نصف ورقة من فئة المئة ليرة يمسك بها في يده، وسألني إن كنت أسمح له بتسليم صوته إلى وكلاء القائمة الفلانية، وسمَّاها لكي يتمكَّن من الحصول على نصف الورقة الثاني.. فأجبته بأنه حرٌّ فيما يفعل.. وأنا صدقًا لم أكن قادرًا على تعويضه، فقد كان راتبي كأستاذ في الجامعة السورية التي عُيِّنت فيها منذ عام وتعويض عائلتي 305 ليرات في الشهر.
وحين أخذت شمس الضحى في الارتفاع، كشَّر مرشحو القائمتين الأخريين عن أنيابهم القاطعة، وانقضوا على صناديق الاقتراع يرتكبون أعمال عنف شائنة ضد وكلائنا.. وقد قمت ببعض الجولات في مناطق مختلفة، فتأكَّدت بأن الأمر إذا استمرَّ على هذه الصورة، فإن كل عملية الانتخاب تصبح مهزلة مضحكة.. وخير لنا أن نعلن انسحابنا من المعركة أمام الضغط ومحاولات التزوير، إذا لم نعمل شيئًا لردع العدوان.
وقد كتب الأستاذ نصوح بابيل ما يلي:
«كان عدد المرشحين في حلب 187 مرشحًا، وكان عدد المقترعين 38884[1]، ولم يكتفِ رشدي الكيخيا بالاحتجاج لدى المحافظ، بل اتصل برئيس الجمهورية هاتفيًّا وبسط له موقف التحيُّز الذي وقفته السلطات الحكومية في حلب ضد رجال المعارضة.
وجاء من حلب أيضًا أن الضغط الحكومي قد اشتدَّ لمصلحة قائمة الحزب الوطني. وقد أبرق المجاهد فاتح المرعشي، رئيس الجبهة الشعبية في حلب إلى رئيس الوزراء جميل مردم ببرقية جاء فيها:
«لئن نوَّهتم بالحياد في دمشق، فما أسمع صوتكم في حلب. وما حرية الانتخاب فيها سوى الخيار بين التصويت للحزب الوطني أو التعذيب في سجون الحكومة ونظارتها. مراقبة الاقتراع غدت وقفًا على الحزب الوطني يرسل إليها مَن يشاء.. يهدِّد بأسلحته الناخبين العزل.. نحتجّ.. ونحمِّل حكومتكم كل ما ينجم عن هذا الأمر من مسؤولية..».
وقد تدارسنا الموضوع فيما بيننا وقرَّرنا أن نقاوم الضغط ومحاولات التزوير. وهكذا وقفنا في وجه «القبضايات» الذين جاؤوا مرتزقين ولم يكونوا مستعدّين لأية مخاطرة حقيقية.
وكادت تقع أحداث دامية في أماكن متفرّقة من المدينة لولا لطف الله وحكمة رشدي الكيخيا وحسن تصرُّفه.
وأودُّ أن أذكر واقعة أليمة وقعت في المركز الانتخابي في حيِّنا وإلى جوار مسكننا (القديم).
فقد حضر المرشح مجد الدين الجابري، وهو في حالة سكر بيِّن، ومعه عدة أفراد مسلحين من أنصاره، وحاول أن يرهب الناخبين من أهلنا. وأوصلوا إليَّ النبأ، فحضرت في الحال. وشعر «الضيف الكريم» أن الأمر ليس لعبة تُلْعَب، لأن أشدَّ الأخطار كانت تلوح في الأفق.
وبالنسبة إلينا، فقد كان مقرّرًا أن يتعرَّض «المرشح» نفسه إلى مأساة، فيما إذا اندلع الشر جرّاء عدوانيته. وحين تيقَّن من ذلك، انسحب، وعلى وجهه ابتسامة صفراء.
وتكرَّرت هذه الاعتداءات في كثير من المراكز في المدينة. لكننا أحبطناها في مهدها، وجابهناها بحزم المؤمن بقضيته.
وهكذا عاد الاحترام إلى إرادة الشعب الطيِّب.. في غياب الرغبة الحكومية بضمان سلامة التصويت. وسيظلُّ التاريخ السياسي يحفظ لشعب حلب الطيِّب هذا التأييد المدهش للحركة الشعبية. وهو تأييد يسجّل انعطافًا كبيرًا في سير موكب التقدُّم والعدالة الاجتماعية.
وانتهت المعركة عن فوز شعبي ساحق حقَّقناه من أجل سمعة الإرادة الوطنية تحت قيادة رئيسنا الصامد.
فقد نجح من قائمتنا في الجولة الأولى رشدي الكيخيا وناظم القدسي وعبد الوهاب حومد ولطيف غنيمة، كما فاز الأستاذ مصطفى برمدا المستقل.
وفاز في الإعادة التكميلية السادة وهبي الحريري وأحمد الرفاعي (مستقلان) ومن قائمتنا، معروف الدواليبي وأحمد قنبر ويوسف اليان ورزق الله الأنطاكي وجبرائيل غزال وديكران جراجيان.
وتحرَّك موكب النصر إلى قبّة البرلمان يتهادى فيه رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومعروف الدواليبي وأحمد قنبر وأنا عن المسلمين، وديكران جراجيان وجبرائيل غزال ورزق الله أنطاكي ويوسف إليان عن المسيحيين.. وكانت باقة منسجمة، منسقة متفاهمة تنظر إلى المستقبل بأمل وثقة.
ونجح من حلب من قائمة الحاج فاتح المرعشي، السادة مصطفى برمدا وأحمد الرفاعي ووهبي الحريري، كما نجح من المستقلين المسيحيين جوزيف ليان (ولا قرابة بينه وبين ميخائيل ليان) وعبد الله فتال (عن الأرمن) ولويس هندية. وسقط جميع مرشحي الكتلة الوطنية وعلى رأسهم إحسان الجابري وعبد الرحمن الكيالي، كما سقط المرشح المستقل مجد الدين الجابري.
ولو أن مدينة دمشق وُفِّقت إلى إنجاح مجموعة من النواب في إحدى القوائم القوية لكانت قادت المجلس العتيد إلى مستقرِّه الأمين في أحضان الدستور والديمقراطية. لكن نواب دمشق كانوا مشتّتين. وكان كل واحد أمة بذاتها.. ومنهم مَن «فاز» بالتزوير من دون شك[2].
وكتب أسعد الكوراني في دراسته ص10 ما يلي:
«ففي دمشق فاز بالنيابة أناس مدعومون من الإخوان المسلمين وسقط كل المرشحين من بقايا الكتلة الوطنية المنحلّة كلطفي الحفار ومن انضمَّ إليهم كصبري العسلي وأحمد الشراباتي ونسيب البكري وغيرهم. فأمر شكري القوتلي بالتزوير في الإعادة (البالتوج) فتولَّاه الأمير بهجت الشهابي محافظ مدينة دمشق بكل جرأة. وأما في حلب فسقطت كتلة الدكتور الكيالي وميخائيل ليان وبني المدرس كلها.. وكان سقوط قائمة مظهر رسلان في حمص بكل مرشحيها مدعاة للدهشة».
لذلك لم يتمكَّن مجلس النواب من مجابهة أحداث المستقبل بجبهة قوية.. لأن كثيرين من أعضائه ظلّوا «فرسانًا» متفرّقين.. ولكل واحد وجهة هو موليها.. وهدف بعضهم كرسي الوزارة لا يرفع عنه بصره.. كائنًا مَن كان الذي يقدِّمه له.
ومن ذلك يتضح أننا، على الرغم من نجاحنا المؤزر في حلب، كنا أقلية في وسط أكثرية غير منسجمة.. فيها أناس فرضهم «الرأس الكبير» لغاية في نفس يعقوب.. وقد برهنوا له في عدة مناسبات أنهم عند «حسن ظنه».. لكنه لم يتأخَّر عن دفع الثمن الباهظ.. وكان باهظًا جدًّا.
وحضرنا أول جلسة من جلسات المجلس الجديد في 13 تشرين الأول 1947[3]، وقد أعلن رئيس الوزراء جميل مردم في بدايتها: «أن الانتخابات التي جرت في هذا البلد هي أنزه انتخابات جرت في بلد عربي».
وهذا قول لا يؤيِّده الواقع. فقد ثبت يقينًا أن عمليات تزوير واسعة وقعت في دمشق خاصة.. وقد وقف النائب الدمشقي المعارض الدكتور سامي كبارة في الجلسة التالية ورفع في يده حزمة من الأوراق المزوّرة.. لكن صوته ضاع بين صراخ «نواب الحكومة» وسفاهتهم، لذلك لم يجد هذا النائب الجريء والشعبي الاتجاه إلا أن ينسحب من الجلسة[4]، ولم أكن أعرفه شخصيًّا، لكن افتتاحياته في جريدته «النضال» كانت تنزل على قلوبنا بردًا وسلامًا.. وفي قاعة المجلس اخترنا مقاعدنا في أماكننا الطبيعية وهي المقاعد المصطفّة إلى يسار الرئيس، لكي يعرف مَن لا يعرفنا بأننا يساريون.. أجل ونحن كذلك إنما بالمعنى المعتدل الذي كان معروفًا بين فلاسفة المدارس الاقتصادية والاجتماعية الذين درسنا عليهم وشربنا من ينابيعهم... فلم نكن ثوريين ولا انقلابيين بل كنا - وما زلنا - تطوُّريين نرفع راية الدستور ونسير في الإصلاح بالقانون.. وقد حقَّق هذا المذهب المعتدل في كثير من بلاد الدنيا في العالم المتقدِّم والعالم المتخلِّف نتائج أرسخ مما تحقِّقه الطفرة التي تذهب هي وما تحقِّقه في ظلمة ليل! وقد امتدَّ بنا العمر فرأينا تساقط هذه الأنظمة الفجّة الواحد بعد الآخر.. وما بقي منها في حالة نزع فإنه ينتظر أن يلفظ أنفاسه.
ومن مقعدي، تحت القبّة المزخرفة، أخذت أتفحَّص زملاءنا الجالسين في مواجهتنا. وكانوا بدورهم يتفحَّصوننا. ويبدو أننا لم نعجبهم، كما أنهم لم يظفروا بإعجابنا. وقدَّرت أن التعامل معهم لن يكون سهلًا ولا محبّبًا إلى النفس، لأنه سيكون نوعًا من تجاذب الحبال حول كل ما سوف يطرح للمناقشة في مجال التشريع أو السياسة العامة أو المسائل الاقتصادية. وهذه المسائل الاقتصادية، هي الأكثر حساسية لأنها محور التطاحن الطبقي. لكن كنا نشعر بثقة لا حدود لها فعلًا. أَوَلسنا نحن الذين تطايرت الزعامات التقليدية في مواجهتنا، يوم الحسم، كما تتطاير أوراق الخريف في مهبِّ العاصفة؟
وقامت الأيام وضرورات العمل البرلماني بتهدئة النفوس.. فقد أدركوا أننا جماعة مبدأ معتدل، ولم نكن محاربين نريد القضاء على أحد. كنا جماعة عدالة اجتماعية، تريد إصلاح الحالة الاجتماعية المرفوضة عن طريق التشريع، حتى لا تهبّ رياح عاتية، يكونون هم حطبها ورمادها.. قبل غيرهم!
بل إن صداقات متحفّظة عقدت بين بعضنا وبعضهم.. وما زالت تلك الصلات الطيِّبة تتنفَّس الهواء الصافي إلى يومنا هذا.
وأسمح لنفسي أن أذكر بالخير عبد الرحمن العظم، الذي حباه الله إدراكًا سليمًا وبعد نظر ولباقة في التواصل لا حدود لها.. والدكتور أديب نصور، نائب حماة الخطيب المفوّه، والمفكر الألمعي، وكان معتبرًا من الإقطاعيين، وعبد الرزاق الحسو شيخ عشائر طي، وعبد الباقي نظام الدين، وجيه الجزيرة ونائبها الدائم، ونائب المعرة ووزيرها حكمت الحراكي، ومنير العباس والأمير حسن الأطرش.
وبالمقابل فقد تكشَّفت الأيام عن سقوط «تقدميين» كانت حناجرهم، تجأر بالطيِّبات من المبادئ الحلوة، لكن خيولهم كبت عند الحواجز الأولى.. أو في منتصف الشوط.. ولن أسمِّي أحدًا منهم، لأن الرسول ﷺ أوصانا بأن نردَّ على الخاطئ ذيل أثوابنا.. لكن بعضهم انتهوا بأن أصبحوا سماسرة وتجار أسلحة!
ومن أجل تشكيل جبهة للمعارضة، دعا رشدي الكيخيا كل مَن آنس فيه خيرًا إلى عقد مؤتمر في بعلبك أواخر أيلول عام 1947. وهناك تأسَّست «الكتلة الدستورية» المعارضة.. وأذكر من بين الذين حضروا المؤتمر أكرم الحوراني. إلا أنه لم ينتسب إلى الكتلة، غير أننا كثيرًا ما التقينا في وجهات النظر حول قضايا سياسية واجتماعية.
وقد امتاز هذا الدور التشريعي بأحداث جسام وقعت فيه، فأعطته طعمًا خاصًا، كان في مجمله شديد المرارة. وفيما يلي أبرزها:
الحواشي:
[1] وقد نلت أكثرية ساحقة زادت عن ثلاثة أرباع أصوات الناخبين.
[2] صحافة وسياسة، ص271.
[3] الدورة الاستثنائية الأولى، ص62.
[4] محضر الجلسة الثانية المنعقدة في 11 تشرين الثاني 1947، ص163.