الفصل التاسع، الجزء 2: تعديل الدستور لولاية القوتلي الثانية
الفرع الأول
تعديل الدستور
انتخب الرئيس شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية في آب 1943. وكانت مدة الرئاسة وفقًا لدستور 1930 خمس سنوات تنتهي حكمًا في آب 1948. وكان في هذا الدستور نص قاطع هو المادة 68 يمنع إعادة انتخاب الرئيس مرة ثانية إلا بعد مرور خمس سنوات على نهاية ولايته الأولى. غير أنه وأنصاره قرَّروا تعديل الدستور لإعادته مرة ثانية، إلى سدّة الرئاسة العليا.
وكانت المادة 108 من الدستور تشترط أن يقدِّم راغبو التعديل الطلب في دورة عادية، موقّعًا عليه من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو بناء على طلب من رئيس الجمهورية نفسه بالاتفاق مع مجلس الوزراء. ويعرض الطلب على مجلس النواب، فإن وافق عليه ثلثا أعضاء المجلس، أجيز النظر فيه، وتأجَّل الفصل في موضوعه إلى الدورة العادية القادمة، فإن صَوَّتَ إلى جانب التعديل في تلك الدورة ثلثا أعضاء المجلس، أقرَّ وأصبح جزءًا من الدستور واجب النفاذ.
وقد فوتحنا برغبة الأكثرية بتعديل الدستور فقلنا لهم، نحن ليس لدينا مرشح نتقدَّم به، ونحن نعتبر الرئيس القوتلي خير مرشح على الساحة السياسية. وإذن فليس لدينا اعتراض على شخصه. غير أننا نرى أن مبدأ تعديل الدستور من أجل شخص مبدأ خاطئ في الظروف الراهنة. فقد كانت الأخطار تحدق بفلسطين وبنا، والمنطقة كلها تقف على كفِّ عفريت، وكان استقلالنا وليدًا لا يزيد عمره عن السنة الواحدة إلا قليلًا، فلا يجوز الإقدام على تعديل الدستور من أجل شخص، مهما علا مقامه. ويستطيع الرئيس القوتلي أن يساهم في إدارة الشؤون السياسية وهو جالس في بيته.. غير أن الإصرار على التعديل كان شديدًا لا يقبل مساومة ولا مهادنة.. وقد فوجئنا بعريضة وقَّع عليها 89 نائبًا يضاف إليهم ستة وزراء نواب، فأصبح عدد الموقّعين على العريضة 95 نائبًا.. وقُدِّمت إلى رئاسة المجلس في جلسة 11 تشرين الثاني 1947. وهذا العدد يزيد عن ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب المطلوب دستوريًّا..
وقرأها أمين السر، كأنّ سياطًا تلهب ظهره وتستعجله في القراءة..
وقد استرعى انتباهنا أن طلب التعديل ينصُّ على أن يتمَّ انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام وعلى درجة واحدة.
غير أن المجلس لم يأخذ بمبدأ التصويت العام بسبب محاذيره، وأبقى انتخاب الرئيس من اختصاص مجلس النواب، للحدِّ من احتمالات التزوير. وفور انتهاء أمين سر المجلس من قراءة عريضة النواب والمشروع المقدّم من الحكومة، لملم نائب رئيس المجلس محمد العايش أوراقه وهَمَّ بالنهوض رغبة منه في عدم إفساح المجال لأي مناقشة.. لكن عددًا من نواب المعارضة طلبوا الكلام، فرفض السماح لهم بذلك، غير أنه عاد فأعطى الكلام لنواب الحكومة.. الذين راحوا يتهجَّمون علينا بسفاهة لا تبرِّرها الأعراف لمجرّد أننا طالبنا بحقِّنا الدستوري في أن نبدي رأينا في العريضة ليسمعه الشعب الذي انتخبنا منذ ثلاثة أشهر فقط!! وقد قال الأستاذ أكرم الحوراني في الجلسة التالية:
«لقد منعنا من الكلام في الجلسة السابقة، وفي هذه الجلسة أيضًا نمنع من حقِّ إبداء الرأي».. وذلك ردًّا على اقتراح أحد نواب الحكومة عادل العجلاني بالاكتفاء بالبحث، أي إغلاق الباب على كل كلام في الموضوع. وأضاف الحوراني: «إذا أُقرَّ هذا الاقتراح ومنعنا من إبداء الرأي، فإننا غير مستعدّين للبقاء في هذا المجلس». ولم يعطه نائب الرئيس الكلام.. وطلب هاني السباعي (من كتلتنا الدستورية) أن يتكلَّم، وقال إن النظام الداخلي ينصُّ على أن يتكلَّم خمسة من المؤيدين وخمسة من المعارضين، لكنه مُنع من الكلام أيضًا. وحاول معروف الدواليبي أن يتكلَّم، فلم يُسمح له.. وقال «إني أسجل اعتراضي»، والدكتور الدواليبي معروف بهدوئه حتى يستثار.. وعندها ينقلب إلى بركان عاصف.. وهو في حالاته العادية، يجتمع فيه منطق القانون الروماني الذي تخصَّص به وسماحة الشريعة الإسلامية المعدود من أبرز رجالها المتطوِّرين.
وكذلك ثار لطيف غنيمة (من كتلتنا) وقال: إني أطالب بتطبيق القانون والنظام، فصرخ فيه العايش «إني أمنعك من الكلام، فإما أن تسكت وإما أن أخرجك من المجلس..»[1]. وأعلن الرئيس إغلاق البحث في الموضوع.. وهذا يعني أن أمرًا خطيرًا في خطورة تعديل الدستور من أجل شخص، سيتمُّ في السرِّ والتكتُّم، كأنّه عملية تهريب مخدرات يريد مقترفوها ألَّا تصل إلى أسماع أصحاب الشأن.
عندها فقدت التحكُّم في أعصابي، وقمت من مكاني واندفعت إلى المنبر من دون إذن، ورحت أتحدَّث عن المخالفة القبيحة.. وهنا انقضَّ عليَّ «قبضايات الحكومة» وهبَّ لنجدتي عدد من نواب المعارضة.. ووصلنا إلى التشابك بالأيدي.
فقرَّر نائب الرئيس رفع الجلسة. غير أن الرسالة التي أردت إرسالها إلى الشعب، دقَّت أسماعه. وقد سجَّل هاني السباعي (من كتلتنا) «احتجاج هيئتنا على هذا التصرُّف» الشائن في الجلسة التالية..
وفي هذه الفترة صدر قرار مجلس الأمن بقيام «دولة» إسرائيل وخيَّم على العرب جو من الإحباط والوجوم.. خاصة بعد معارك جيش الإنقاذ (الذي تطوَّعت فيه مع عدد من النواب لكننا لم نذهب لأسباب لا أذكرها هنا)، وكارثة الهزائم التي تعرَّضت لها الجيوش العربية، فأصبح من الواجب إعادة تقييم المواقف، والعمل على رصِّ الصفوف وتكتيل قوى الشعب في مواجهة الحاضر القلق والمستقبل المكفهر.
واتخذنا قرارنا في الهيئة الدستورية المعارضة بالتصويت لتعديل الدستور، لأنه أمر واقع، شئنا أو أبينا، فلم يعد لاستمرار معارضتنا إلا تسجيل موقف مبدئي لا جدوى منه في الظروف الدقيقة.
ثم إن تصويتنا للقوتلي قد يخلِّصه من براثن المحيطين به، ويقنعه بأنه «رئيس البلاد» لا «رئيس الجماعة التي انتخبته فقط».
وكان بين هذه الجماعة «حزب فاشستي» محسوب على الرئيس، قتل أحد طلبة الحقوق من سكان حماة في ساحة الشهداء بدمشق، وفي رائعة النهار، ولم يجرؤ أحد على أداء الشهادة أمام المحاكم.. بل لم يجرؤ عميد كلية الحقوق على تأبينه، فعهد إليّ بالمهمة، فأبَّنته على شرفة مجلس النواب، ورافقت نعشه إلى بلده باسم كلية الحقوق، وأبَّنته ثانية على قبره.. وذهب دمه هدرًا.. على مذبح المطامع الرئاسية.. وكان رئيس هذا الحزب عضوًا في مجلس النواب. وقد جلس مرة إلى جانبي في إحدى الجلسات، وكان في ظهره، تحت سترته رشيش حربي.. وضعت يدي عليه للتبرُّك به!.. ونظر إليّ مزهوًّا به. وقال لي أحد أنصاره إنه لا يعرف كيف يستعمله.
وعملًا بقرار الهيئة، وافقت في لجنة الدستور على التعديل، بعد أن خلَّصناه من شائبة الانتخاب المباشر، لكي نخفِّف عن قوام المقام (المناطق اليوم) ومدراء النواحي متاعب التزوير والإساءة إلى أخلاقية الشعب، وجعلناه من اختصاص مجلس النواب.. وقد كان الدكتور محمد السراج (نائب مدينة حماة المثقف)[2] من أشدِّ المتحمّسين لهذا الاتجاه، ذهابًا منه إلى عدم تعريض الشعب إلى مهانات التزوير والضغط عليه خاصة في القرى[3].. وقد بقينا نعتبر أن تعديل الدستور كان أول مسمار في نعش الحياة النيابية، التي أعرب الشعب عن تمسُّكه بها، في الانتخابات الأخيرة.. واتخذنا قرارًا بمقاطعة جلسة القسم.
وقد تساءل أحد الكتّاب عن السبب الذي من أجله قاطعنا الجلسة التي أدَّى فيها رئيس الجمهورية اليمين الدستورية، وذهب إلى أننا «لو كنا حريصين على الديمقراطية لانتهجنا موقفًا معارضًا لتعديل الدستور منذ البداية، ولكان في مقدورنا تعطيل العريضة التي قُدِّمت إلى المجلس لتعديل الدستور»[4].
وهو يتَّهمنا بأننا تراجعنا عن موقفنا «مقابل أربع حقائب وزارية في الوزارة التي ستشكّل بعد استلام الرئيس مهماته الدستورية، وهي وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والاقتصاد.. لكن القوتلي الذي عقد الصفقة مع حزب الشعب لم يُعلم بها أحدًا من أقطاب الحزب الوطني، فبدأ يتنصَّل منها عندما كلّف السيد جميل مردم بالاتصالات بهدف تجهيز وزارة قومية.. لكنه رفض إعطاء حزب الشعب أكثر من وزارة واحدة.. فقرَّر الحزب مقاطعة الوزارة ومقاطعة جلسة أداء القسم الجمهوري للتنصُّل من موافقته على تعديل الدستور وتحميل رئيس الجمهورية والحزب الوطني هذه المسؤولية التاريخية الجسيمة».
وليس قول أكثر افتئاتًا على الإنصاف والحق، من هذا القول الظالم.. الذي لا يدعمه سند. وتوضيحًا للموضوع، أقول إن حزبنا اتخذ قرارًا بالتصويت للرئيس القوتلي، لكي يجعله يطمئن إلى الإجماع النيابي الذي كان حريصًا عليه جدًّا، وبذلك نكون قد حرَّرناه من ربقة «الأنصار».. وعندها يستطيع أن يتصرَّف في حرية أكثر.. من حرية الرئيس الحزبي.
وأما سبب مقاطعتنا لجلسة القسم فإننا أوضحنا للرأي العام في العريضة التي قدَّمناها إلى مجلس النواب بتاريخ 16 آب، وقلنا فيها إننا «سنمتنع عن حضور جلسة 17 آب 1948 احتجاجًا على خرق الدستور بعدم دعوة مجلس النواب إلى دورة استثنائية وفقًا للطلب المقدَّم من 87 نائبًا بموجب الفقرة 3 من المادة 45 من الدستور، وطلبنا تلاوة العريضة وتسجيلها في محضر الجلسة».
ومما جاء في أسباب الدعوة إلى دورة استثنائية «أن الطلب مستند إلى أسباب هامة جدًّا. فقد كانت البلاد في حالة تدخُّل مسلح في فلسطين، وكان يحيط بهذا التدخل ملابسات سياسية ودولية تستلزم بذل الجهود القومية والمالية، وليس ثمّة حالة تستدعي تعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية كما تستلزمه وتفرضه هذه الحال. والأصل هو استطاعة السلطة التشريعية ممارسة واجباتها في كل وقت»[5].
وإذن فالمسألة خلاف مع رئيس السلطة التنفيذية حول خرق الدستور، وليست «المساومة على أربع حقائق وزارية».
وفي هذه الجلسة تكلَّم رشدي الكيخيا مطوّلًا.. ومما قاله:
«عندما اتفقت الحكومات العربية على خوض معارك فلسطين كانت المعارضة في هذا المجلس أول مَن سارع لتأييد الحكومة ومنحها سلطة إصدار القوانين الاستثنائية.. وبذلك نكون قد دللنا على حسن نيتنا في تلك الساعة كما أننا وافقنا على فكرة الاشتراك في الحكم التي عرضها الأخ صبري العسلي بأن يكون للحزب الوطني ثلاثة وزراء، وللمعارضة ثلاثة وزراء وللمستقلين ثلاثة وزراء، رغبة منا في إيجاد حكم قوي يمكن أن تلتفَّ حوله كافة طبقات الأمة.. لذلك لا يجوز أن يقال إننا لم نقبل الاشتراك معكم وتحمُّل المسؤولية لإنقاذ فلسطين.. وإن الحكومة في وضعها الحاضر لا يمكن أن تقوم بالأعباء الملقاة على عاتقها لعدم الانسجام والتجانس بين أفرادها..»[6].
وقد تكلَّمت أنا في هذه الجلسة أيضًا، وعلَّقت على البيان الوزاري بقولي: «قالت الحكومة إن العرب سيدافعون عن المبادئ السامية وسيقفون بإيمانهم وقوة حقّهم في وجه الطغيان والعدوان مهما يكن أنصارهما، وسيقدِّمون كل تضحية في سبيل استقلال فلسطين..
لكن الحكومة لم تقف في وجه أنصار الطغيان والعدوان، لأنها ركَّزت سياستها الخارجية في اتجاه واحد (أميركا وحلفائها) ولم تلجأ إلى سياسة المساومة.. وإن كارثة فلسطين كارثة لا تعدُّ كارثة الأندلس شيئًا بجانبها، وهي توجب على الحكومة أن تضع في سبيل درئها أكثر كثيرًا مما وضعت، ولا يوجد مواطن واحد يعتقد أن الحكومة جادّة في مكافحة الصهيونية.. وقالت الحكومة عن السياسة الداخلية: «إنها ستحرص على تطبيق الدستور نصًّا وروحًا حتى يشعر المواطنون أنهم متساوون في الحقوق والواجبات».
وأقول للحكومة إنها فشلت فشلًا ذريعًا، لأن السياسة التي تسير عليها قسَّمت الأمة إلى قسمين: قسم لا يطبَّق عليه القانون ولا النظام، فهو يعيث في الأرض فسادًا من دون رقيب عليه، ويرتكب الموبقات ويتنعَّم بثمار الوساطات والشفاعات، وقسم يظلم ويضطهد لأنه ضعيف لا ناصر له.. إذا طرق أبواب أولي الأمر شاكيًا، قيل له اذهب إنك أنت الفاجر الظالم.
وأما وقد أدلى وزير الدفاع (أحمد الشراباتي) ببيان عن أسباب استقالته وأشار فيها إلى تقارير سرية، فإني أطلب تشكيل لجنة تحقيق من أعضاء هذا المجلس لمصلحة الأمة ومصلحته هو..».
ولا يجهل أحد أن الرئيس القوتلي لم ينعم إلا ببضعة شهور من رئاسته الثانية لأن حسني الزعيم قائد جيشه، أطاح به وبالنظام كله.. متذرعًا «بانتهاك الدستور وبما آلت إليه حالة البلاد من تخبُّط وميوعة وفوضى وخيانات وسرقات..». كما جاء في بيان الانقلاب.
وفتحت مرحلة مجهولة الملامح، هي مرحلة انقلابات لا نعرف عددها ولا أهداف القائمين بها إلا بطريق القرائن والفرضيات.
الحواشي:
[1] نفس الجلسة، ص171.
[2] كان الدكتور السراج مثقفًا ثقافة غربية وعربية. فقد حصل على الدكتوراه في الحقوق من جامعة مونبلييه الفرنسية، وعُيِّن بعد المعاهدة مع فرنسا عام 1936 مديرًا عامًّا لوزارة الخارجية. وقد مثَّل مدينته في مجلس النواب أشرف تمثيل.. ومات كما يموت الشرفاء الذين لم يتركوا لذويهم وأصحابهم غير الحسرات والدموع.
[3] كانت اللجنة الدستورية مؤلفة من:
هاني السباعي رئيسًا، لطيف غنيمة، عدنان الأتاسي، عبد الوهاب حومد، رزق الله أنطاكي، (والخمسة من حزب الشعب المكوَّن حديثًا)، وصبري العسلي، والدكتور محمد السراج، وإبراهيم طيفور (مستقلان).
ومثَّل الحكومة في الجلسة الدكتور محسن البرازي وزير الداخلية، وقد اتخذت اللجنة قرارها بالإجماع بتعديل المادة 68 والمادة 85 من الدستور.
وقد ألقى الأستاذ أحمد قنبر كلمة باسم الكتلة الدستورية (حزب الشعب مستقبلًا) نقل فيها التأييد الإجماعي لقرار اللجنة الدستورية، في وقت كنا فيه على عتبة عهد جديد تصبو إليه الأمة من أجل إصلاح شامل في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
[4] وليد المعلم، سورية 1918-1958، ص88.
[5] يراجع نص المذكرة وأسماء موقِّعيها الثلاثين في محضر جلسة 28 آب 1948 وهي الجلسة الثانية من الدورة الاستثنائية الثالثة.
[6] ص565.