الفصل الثالث عشر، الجزء 5: آلام المخاض إلى الوحدة: هوية مصر

اقرأ بالإنكليزية

وقد يكون مفيدًا أن نتعرف إلى الحالة الفكرية التي كانت سائدة في مصر.

الحفلة الوداعية التي أقيمت في مقر حزب الشعب في حلب يوم الجمعة 21 شباط 1958 بمناسبة حل الأحزاب والاستفتاء على الوحدة بين مصر وسورية
الحفلة الوداعية التي أقيمت في مقر حزب الشعب في حلب يوم الجمعة 21 شباط 1958 بمناسبة حل الأحزاب والاستفتاء على الوحدة بين مصر وسورية

فقد كان أحمد لطفي السيد أول من استخدم مصطلح «القومية المصرية». وكان يرى أن الشعار الذي ينادي «بالبانيسلاميسم» (الجامعة الإسلامية) ويعني أن بلاد الإسلام بلد كل مسلم، هو شعار استعماري، وأن فكرة الوحدة الإسلامية هي فكرة فاشلة لأن الدولة تقوم - في نظره - على المصلحة المشتركة لا على الشعور الديني المشترك.

ومن هذا المنطلق طالب المصريين بعدم مساعدة الأتراك ضد الإيطاليين في الحرب الليبية عام 1911 لأنه «لا مصلحة فيها لمصر».

وكان سعد زغلول وزملاؤه أعضاء حزب الوفد أبناء مدرسة أحمد لطفي السيد. ويذكر ساطع الحصري أنه عرض على سعد زغلول توحيد جهود الحركة المصرية مع الحركة العربية لتحرير العرب، لكن زغلول أجابه: إذا جمعت صفرًا إلى صفر إلى صفر فماذا تكون النتيجة؟

وقد عمَّق اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 الشعور بالقومية المصرية وأمجادها التاريخية والحضارية.

وكان لإلغاء الخلافة الإسلامية من قبل مصطفى كمال التركي عام 1924 أثره الكبير في انتعاش دعاة «الأمة المصرية»..

وحين مات سعد زغلول صمم مدفنه على هيئة معبد فرعوني. وفي تلك الفترة أخذت طوابع البريد تحمل صور أبي الهول، حتى إن الجامعة المصرية اتخذت رمزًا لها تمثال أحد الآلهة المصريين.

وتأكيدًا لهذا الاتجاه كتب محمد حسين هيكل روايته «زينب»، وهي أول لغة بالعامية المصرية، لتكريس هذه «القومية المصرية».

وطالب طه حسين، أديب العرب الكبير، «بتمصير اللغة العربية» لأن الإقليم (الأرض) في نظره أقوى من اللغة. وهو يرى أن الأكثرية الساحقة من المصريين لا تمتُّ إلى الدم العربي بصلة، بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء.

ومن ذكرياتي عن هذا الموضوع أننا حين سافرنا على الباخرة باتريا عام 1938 للدراسة في فرنسا، صعد إليها طه حسين من الإسكندرية في طريقه إلى أوربا. وجرت بيننا وبينه مناقشات حادة حول المسألة الفرعونية التي تمسَّك بها كثيرًا، محاولًا تلطيف وقعها على أسماعنا بالتعاون الإقليمي (كتابه مستقبل الثقافة في مصر 1938).

وفي عام 1948 حضر إلى حلب الدكتور محمد حسين هيكل وأقامت له البلدية حفل عشاء دعيت إليه باعتباري نائبًا عن المدينة. وتناقشت معه حول «الفرعونية والعروبة». لكنه ظلَّ مستمسكًا بفرعونيته، وحاول أن يلطف وقعها على آذاننا، بأن الفرعونية لا تمنع فكرة العروبة.

واندفع فكري أباظة في دعوته إلى التمسُّك بالمصرية، واعتبر العرب الفاتحين غزاة، كالهكسوس والآشوريين والفرس واليونان والرومان والأتراك.

ولا يماري أحد في أن سلامة موسى كان «من أبرز غلاة القومية المصرية المصطبغة بصبغة فرعونية»، ولذلك بالغ في دعوته إلى نشر العامية المصرية وأكد في كتاباته بأنه ما من مصري عاش على وادي النيل خلال عشرة آلاف سنة إلا وفي دمه «قطرة من الدم الذي جرى في عروق رمسيس وخوفو وأخناتون»، ودعا بعنف إلى تدريس التاريخ الفرعوني بدلًا من التاريخ العربي، حتى إنه اعتبر المصريين من السلالة الأوربية وتربطهم بأوربة رابطة دم واحد.

وينحو المؤرخ المعروف محمد عبد الله عنان هذا المنحى أيضًا. وهو يؤكِّد أنه من المستحيل أن تنضمَّ مصر إلى البلاد العربية لأن القومية المصرية قديمة وأصيلة وقد وجدت «الأمة المصرية» منذ أقدم عصور التاريخ. «أما الجامعة العربية فهي أمنية خيالية وسراب تبدِّده الحقائق والظروف والواقعية».

وكان بعض المثقفين يرون أن الحل الأفضل هو القول بانتماء مصر إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط، لأنها تأثَّرت بالحضارة اليونانية والرومانية. والحضارة الغربية المعاصرة هي امتداد لهاتين الحضارتين. لذلك لا بدّ من الأخذ بالحضارة الغربية.

وقد لقي هذا التيار الفظيع مقاومة من تيارين متباينين في الظاهر متعاونين في الواقع وهما التيار الإسلامي الذي يرى وجوب انتماء مصر إلى الأمة الإسلامية التي هي منها منذ أن دخل الإسلام إليها، والتيار العروبي الذي ينادي بأن مصر عربية، وهي أكبر البلاد العربية.

وقد اعتبرت مجلة الفتح التي أصدرها محب الدين الخطيب عام 1926 «التيار القومي المصري مؤامرة لتقليص الإسلام». وهاجم مصطفى صادق الرافعي «الذين عادوا من أوربا وقد فتنهم بريقها فاستخفوا بكل تراثهم وراحوا ينكرون التراث العربي وعلومه ولديهم رغبة الكيد للإسلام وخدمة الاستعمار الأوربي».

وحين اندلعت الحرب العالمية الثانية عم 1939، وجد العرب والمسلمون أنفسهم في وسط معركة ليست معركتهم لكنهم ذاقوا بعض ويلاتها، فتقارب الفريقان للتقليل من عنف الحرب الضروس.

وكان لهزيمة العرب عام 1948 في مواجهة الميليشيات اليهودية الصهيونية أثر كبير في تراجع التيار العلماني وانتعاش التيار العروبي.

وعمَّق هذا الواقع، قيام ثورة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر عام 1952، وتبنَّت حكومته لأول مرة مذهبًا واضحًا في الدستور الذي تضمَّن نصًّا قاطعًا هو أن «مصر جزء من الأمة العربية».

وكانت سورية أول مَن تبنَّى هذا النص في دستورها الأول في عهد الاستقلال عام 1950 (المادة 1ف3).

وسار الدستور المؤقت الذي تمَّ وضعه لدولة الوحدة بين مصر وسورية عام 1958 على نفس المذهب العروبي فقرَّر في مادته الأولى بأن شعب الدولة العربية المتحدة جزء من الأمة العربية.

من كل ما تقدَّم يتضح جليًّا أن ثقل عبد الناصر بصورة خاصة كان حاسمًا في انتصار القومية العربية في مصر على التيارات الفرعونية والعلمانية والمتوسطية وغيرها[1].

وكان قيام وحدة مصر وسورية نصرًا مؤزرًا للذين يؤمنون بأن الأمة العربية من محيطها إلى خليجها أمة واحدة، ومن واجبها أن تسعى إلى التوحد. وخاصة ونحن نعيش في عصر التكتلات الدولية الكبرى.

الحواشي:

[1] انظر البحث الذي وضعه الأستاذ نبيل صادق عن «الهوية المصرية» ونشرته مجلة صباح الخير في 23 مايو 2000.