الفصل الحادي عشر، الجزء 2: انتخابات 1954 والنيابة الرابعة
وقد حدّدت الحكومة يوم 20 آب 1954 موعدًا لإجراء الانتخابات العامة في البلاد. لذلك استقالت حكومة صبري العسلي يوم 19 حزيران 1954 لإفساح المجال أمام حكومة حيادية أسندت رئاستها إلى الأستاذ سعيد الغزي.
والذين يعرفون بعض ما يجري خلف الستارة، يقولون إن الجيش طالب بإقالة حكومة العسلي هذه لأن النقاب كشف عن اجتماعه سرًّا في برمانا (لبنان) مع شخصيات عراقية بحضور ميخائيل ليان.
وشكل الغزي وزارة مصغرة مؤقتة وذات مهمة محدودة هي إجراء الانتخابات والإشراف على سلامتها. وقد اتخذ حزب الشعب قرارًا بمقاطعة هذه الانتخابات لأنه خشي عدم سلامتها. وبادر وزير الداخلية القاضي إسماعيل قولي إلى تأجيلها إلى يوم 10 أيلول من العام نفسه، على أمل معالجة الموقف العام.
وفعلًا أعطيت ضمانات رسمية بأن الانتخابات ستكون حرة. لهذا دعا رشدي الكيخيا مكتب الحزب إلى اجتماع عقد في بعلبك في تموز 1954 عرض فيه هذه الضمانات، فوافق أعضاء الحزب على الرجوع عن المقاطعة.
وأصدر حزب الشعب بيانًا هامًا بتاريخ 4 آب 1954 شرح فيه سياسته الدولية والعربية والداخلية، كما شجب عودة الضباط المسيسين إلى التدخل في السياسة، خلافًا لما وعد به قادة الجيش[1].
وقد جرت الانتخابات العامة في موعدها المحدّد لها، وأسفرت عن فوز قائمة حزب الشعب في حلب، حيث نجح الكيخيا والقدسي وقنبر والدواليبي وأنا.. من المسلمين ورزق الله الأنطاكي ورزق الله سالم وديكران جراجيان ولطيف غنيمة من المسيحيين.
وفاز من أعضاء حزب الشعب في دمشق رشاد جبري وعلي بوظو..
وفاز في حمص عدنان الأتاسي وفيضي الأتاسي وراتب الحسامي.
وفاز عدد من مرشحي الحزب في المحافظات الأخرى والأقضية بحيث أصبح عدد نواب الحزب 27 عضوًا.
وظفر الحزب الوطني بـ14 مقعدًا.
ونال حزب البعث العربي الاشتراكي 18 مقعدًا[2].
وجمع خالد العظم من حوله 38 نائبًا سموا أنفسهم الكتلة الديمقراطية. ومن الضروري قراءة أسماء أعضاء هذه الكتلة بدقة، للتعرف على القوة التي جمعت بين أناس من أقصى اليمين وآخرين من أقصى اليسار من دون أن تجمع بينهم عقيدة أو مبدأ.
ونجح خالد بكداش بمفرده عن الحزب الشيوعي في دمشق.
وتجمَّع الإسلاميون حول محمد المبارك، فأصبح للكتلة الإسلامية 6 نواب.
ويسترعي الانتباه أن حزب البعث حقَّق تقدمًا كبيرًا، إلا أنه بقي بعيدًا جدًّا عن تحقيق أكثرية نيابية.
وكان لا بدّ له، لإظهار قوته، أن يلوح بالقوة غير الظاهرة التي تشدُّ أزره ويهدّد بها في العادة.. وهي ضباطه «المسيسون».
ويوجد شبه إجماع في الرأي العام على أن أجهزة الدولة تدخلت في بعض المناطق تدخلًا فاضحًا وخاصة في مدينة دمشق، الأمر الذي مكن بعض المرشحين من نجاح لا يستحقونه.
وعلى إثر دعوة مجلس النواب الجديد إلى الانعقاد، دعا الرئيس هاشم الأتاسي إلى اجتماع جميع ممثلي الأحزاب والتكتلات السياسية لتبادل الرأي في تشكيل الوزارة الجديدة. واستقر رأيهم على أن يشكلها الأستاذ فارس الخوري. فكلفه رئيس الجمهورية بهذه المهمة، وشكلها من الحزب الوطني وحزب الشعب وبعض المستقلين، وصدرت مراسيمها في 29 تشرين الأول 1954.
وكان تكليف الأستاذ الخوري بتشكيل الوزارة غير منطقي، لأن الغاية منه كانت إيجاد تكتل وراءها يكفي لتقليم أظافر الحوراني وجماعته.. وكان رأيي أنا في اتجاه مخالف. لذلك غادرت دمشق بعد أن تأكَّدت أن الرياح أخذت تهبُّ في الاتجاه القلق واعتذرت عن عدم الدخول في التشكيلة الوزارية، لأن الظروف كانت تتطلَّب حلولًا أخرى.
والحقيقة أن الحوراني وجماعته جانب واحد من المشكلة الكبرى التي كانت تنيخ بكلكلها على البلاد. وقد ثبت أن الوزارة كانت هشة العظام، فلم تستطع الصمود في وجه التيارات الداخلية، المتمثلة بالضغط النيابي عليها، كما أنها لم تقو على مواجهة التيارات الخارجية التي كانت ترتسم على الأفق.. لذلك قدَّمت استقالتها، فكلَّف رئيس الجمهورية الأستاذ صبري العسلي برئاسة الوزارة، وصدرت مراسيم تشكيلها في 13 شباط 1955.
لكن لم يمضِ على تسلُّمها مقاليد السلطة سوى أيام، حتى تحرَّكت أميركا وقدَّمت إلى الحكومة السورية الجديدة في 26 شباط 1955 مذكرة «من أجل وصول دول المنطقة إلى أعلى درجة من درجات الاستقرار وتعزيز قدراتها لصد أي عدوان شيوعي وترحيبها بالاتفاق التركي العراقي».
وكان واضحًا لكل ذي بصر أن أميركا كانت تعمل آنذاك على إقامة سلسلة من الأحلاف العسكرية على طول حدود الاتحاد السوفياتي، من أجل تطويقه وحصر الخطر الشيوعي الذي كانت تخافه على نفسها، وتلوح به للدول التي تريد أن تدخلها في السلسلة الجهنمية.. وهكذا أقامت حلف شمال الأطلسي وحلف جنوب شرقي آسيا وحلف بغداد لموجهة حلف وارسو الذي انتظم الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الشعبية في شرقي أوروبا.
وقصتنا مع أميركا معروفة! فقد كانت تريد إدخال الدول العربية المواجهة لجنوب الاتحاد السوفياتي في حلف بغداد، وكانت تخوفنا بالخطر الشيوعي.. وكان القادة العرب يجيبونها، بأن الاتحاد السوفياتي لا يشكل خطرًا علينا، وإنما الخطر العظيم الماحق الذي يهدِّدنا هو الخطر الصهيوني.
وقد انحنى للتخويف الأميركي بعض زعماء دول المواجهة، مثل نوري السعيد في العراق وكميل شمعون رئيس جمهورية لبنان.. غير أن نظريتها فشلت في أن تجد لها مكانًا صالحًا في سورية، إذ إن الأحزاب السورية وقفت ضدها، وأعلنت لكل مَن يريد أن يسمع، أنه لا يجوز التذرُّع بخطر وهمي لصرف النظر عن الخطر الحقيقي.
وكان حلف بغداد قمة المناورات الغربية. فقد راوغ نوري السعيد كثيرًا من أجل إقامته، واحتج لمحاوريه ومنتقديه بأن البلاد العربية عاجزة عن الوقوف وحدها ضد المد الماركسي وأنه لا بدّ لها من الاعتماد على الغرب من أجل صده.
وقد استقالت هذه الوزارة، فشكل صبري العسلي وزارة جديدة بتاريخ 13 شباط 1955 على أنقاضها، وهو تكليف مستغرب، لأن العسلي حمل على الاستقالة من قبل بشيء من التهديد.
وتجدر الإشارة إلى أن عبد الناصر أخذ بنفسه مبادرة محاورة نوري السعيد لإفشال استرساله في التبعية الغربية، وأرسل له الصاغ صلاح سالم (وزير الإرشاد المصري)، فاجتمعا في مصيف سرسنك في شمال العراق في صيف 1954، بحضور الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله.. وكانت النظرية المقابلة التي عرضها عبد الناصر تقوم على مبدأ أن العرب قادرون على حماية أنفسهم إذا هم جمعوا شملهم وأقاموا بينهم حلفًا دفاعيًّا عربيًّا خالصًا.
وأظهر نوري السعيد أنه أعجب بالفكرة وطلب مهلة قصيرة لدراستها. غير أنه ما لبث أن فاجأ الأمة العربية بقبوله بالانضمام إلى حلف بغداد، وأيَّد هذا «الانقلاب» بلاغ مشترك تركي - عراقي صدر في 12 كانون الثاني 1955، يتضمَّن الإعلان عن قرب التوقيع على معاهدة الحلف المذكور.
وكان وضع العراق وضعًا شاذًا، لأنه سوف يصير عضوًا في منظمتين مختلفتي الأهداف، الجامعة العربية من جهة، وحلف بغداد من جهة ثانية.
وفي تلك الفترة كانت مصر تخوض معركة سياسية كبرى من أجل الخلاص من قيود المعاهدة البريطانية المفروضة عليها، كما أنها كانت تمد يد العون لكل بلد عربي خاضع لاحتلال أجنبي، وخاصة القطر الجزائري.. وهما موقفان عدائيان تجاه بريطانيا في مصر وفرنسا في الجزائر.
لذلك أحست مصر أن الدول الاستعمارية تعمل على عزلها عن أمتها العربية، وعلى تقوية إسرائيل عدوتها اللدودة، وذلك بصرف الأنظار العربية نحو مواجهة خطر الشيوعية وترك الباب مفتوحًا أمام تدفق المال والسلاح على إسرائيل كي تتمكَّن من التصرُّف في المنطقة من دون خوف من محاسبة عربية.. وتحت ستار مقاومة الشيوعية الروسية.
ومن أجل مجابهة هذا الموقف المتردي، طلب عبد الناصر عقد جلسة عاجلة لمجلس الجامعة العربية. وتمَّ عقدها في 22 كانون الثاني 1955. وقد شرحت مصر موقفها فيه بقوة وتصميم، قائلة إن حلف بغداد لا يمكن أن يخدم قضايا العرب في شيء، بل إنه وسيلة أكيدة إلى تمزيقهم إلى دول متناحرة.. وقالت مصر: إن العرب قوة لا يستهان بها. فتعدادهم يزيد (آنذاك) عن خمسين مليونًا[3]، ومواقعهم الجغرافية في غاية الأهمية، وفي أيديهم سلاح البترول الذي يسيل له لعاب الغرب، ويقيم اقتصاد الشعوب ويقعده. يضاف إلى كل ذلك أن الاتحاد السوفياتي لم يتعرَّض مرة بأذى إلى أي من الشعوب العربية، بل إنه وقف دومًا في المحافل الدولية إلى جانب العرب وأيَّد دومًا قضاياهم العادلة، وخاصة القضية الفلسطينية[4].
وتكلَّم فاضل لجمالي (ممثل العراق في هذا الاجتماع) فقال إن بلده يخاف كثيرًا من الخطر الشيوعي، وأكَّد أن السياسة الأميركية تجاه العرب سوف تتغيَّر لصالحهم عما قريب، وذكر أن الرئيس أيزنهاور أكَّد له شخصيًّا أن بلاده لن تساعد الصهيونية بعد الآن[5].
وقد كتب أنطوني ناتنغ يقول إن فارس الخوري، المندوب السوري وكميل شمعون المندوب اللبناني كانا على نمط الجمالي، إلا أنهما كانا لا يتخذان موقفًا معلنًا بوضوح.. فهما مع الوحدة العربية، كمفهوم مثالي، إلا أنهما رفضا إدانة موقف نوري السعيد.
وفاجأ نوري السعيد الأمة العربية بتوقيعه على معاهدة حلف بغداد في 25 شباط 1955، وبذلك انضم إلى تحالف دول تركيا وإيران وباكستان. ولم يطل الأمر بإنكلترا، فقد أعلنت انضمامها إلى الموكب بتاريخ 4 نيسان 1955، ثم تبعتها أميركا في أعقاب الإعلان عن مبدأ أيزنهاور فيما بعد..
وعندها لم يجد عبد الناصر بدًا من مواجهة واقعه الأليم، وراحت سورية تنظر في أمرها، لأنها هي أيضًا أصبحت برفضها الانضمام إلى هذا الحلف المشؤوم معزولة في مواقعها الجغرافية.
وقد بدأ البلدان مصر وسورية حملة إعلامية مكثفة ضد حكومة العراق وكل مَن يساعد حلف بغداد.. وأعلنتا في 2 آذار 1955 رفضهما مبدأ الدخول في الأحلاف الأجنبية، وبخاصة حلف بغداد، وقرَّرتا أنهما ستدافعان عن نفسيهما ضد كل عدوان خارجي بكل الوسائل الخاصة المتاحة لهما، كما قرَّرتا إنشاء قيادة عسكرية مشتركة.
وانضمَّت السعودية إلى هذا الاتفاق المصري السوري بتاريخ 5 آذار 1955 فأصبح اتفاقًا ثلاثيًّا. وسبب دخول السعودية في هذا الاتفاق أنها وجدت فيه ما يخدم سياستها ويرضي عواطفها التي لا تستسيغ حكم الأسرتين الهاشميتين في بغداد والأردن.. فكيف إذا انضمَّت سورية إلى هذا التكتل؟..
ووقف مجلس النواب السوري مع حكومته الرافضة للأحلاف، فاتخذ قرارًا إجماعيًّا بتاريخ 29 آذار 1955 جاء فيه: «إن سورية ستقاوم بكل شدة أي ضغط أجنبي على سيادتها»..
ولم يعجب قيام هذا الميثاق الثلاثي الدول الغربية، لأنها خشيت منه أن يكون سببًا في الإطاحة بحكومة بغداد، فأسرعت تركيا إلى تقديم مذكرة إلى سورية بتاريخ 13 آذار 1955 هددت فيها بأنها لا تقبل أن يعزلها هذا الميثاق الثلاثي عن العالم العربي.. وأكَّدت أن وجود العراق في حلف مع تركيا من شأنه لجم مطامع إسرائيل، وهي القادرة على محو سورية من الخارطة «كما قالت الحكومة التركية».
ولم تنفع هذه المذكرة في تغيير الموقف السوري..
لذلك عمدت تركيا إلى حشد قوات كبيرة على الحدود السورية التركية لإرهاب الحكومة السورية والضغط عليها. غير أنها فشلت في ذلك، خاصة وأن الاتحاد السوفياتي وجه إلى تركيا إنذارًا شديدًا بعدم قيامها بأي عدوان على جارتها، وحرك قواته على الحدود السوفياتية التركية.
وفي هذه الأجواء المنذرة بكل خطر، كنا فعلًا نعيش على أعصابنا سواء أكنا أعضاء في الحكومة أو في مجلس النواب. وقد زاد الجو العام كهربة، قيام بعض الصحف بالتهجم على «أعداء الداخل» واتهام بعض الزعماء بالعمالة لمجرّد نشر البلبلة..
وكان طبيعيًّا جدًّا أن تفكِّر الدول العربية بالسعي الجاد إلى تقوية نفسها والدفاع عن سياستها.. والعمل السريع على الحصول على السلاح العصري.
وكان أول ما فعلته أنها اتجهت إلى الدول الغربية تطلب منها بيعها أسلحة دفاعية، كي لا تستفزها. وراحت تلك الدول تماطل وتناور وتستمهل لدراسة الطلبات وانتظار الظروف المواتية لتلبيتها.. وطالت الدراسة جدًّا، فاستقرت قناعة سورية أولًا ومصر ثانيًا على أنه لا بدّ لهما من الحصول على السلاح «من أي مصدر كان».
وبالفعل علمنا بأن صفقة كبرى عقدت مع تشيكوسلوفاكيا تدفق على أثرها السلاح «الاشتراكي» إلى العنابر السورية.. وكنت في غاية الانشراح حين جاءتني نسخة العقد باللغة الإنكليزية فوقعت عليها من دون أن أعرف تفاصيل ما بها، لأن الذي عرض علي من العقد هو صفحته الأخيرة التي يجب أن تحمل توقيعي.. كوزير للمالية.
وبعد ذلك التقى عبد الناصر في باندونغ ما بين 18-24 نيسان عام 1955 بشو ان لاي وزير خارجية الصين الشعبية الشهير، ووسطه في عقد صفقة سلاح مع الاتحاد السوفياتي. ونجحت المساعي، وأعلن عبد الناصر على الدنيا في أيلول من العام نفسه أنه حصل على السلاح السوفياتي.. فاستولى على الغرب ذهول عميق، لأنهم لم يكونوا يصدقون أن أحدًا يجرؤ على فعل ما فعلت الحكومتان السورية والمصرية.
ولست أفهم فعلًا لماذا ينزعج الغرب من حصولنا على السلاح للدفاع عن أنفسنا! أفليس حق الدفاع عن النفس مبدأ مقررًا في التشريع الداخلي وفي القانون الدولي؟
أو لم تسلح فرنسا إسرائيل إلى أسنانها؟ ألم تفتح لها الدول الأخرى أبواب التسليح النووي، حتى اصبح لديها ترسانة مخيفة من القنابل الذرية من فئة هيروشيما؟ حتى السلاح التقليدي الحديث كان متوفرًا في أيدي الإسرائيليين بما يفيض عن حاجاتهم منه.. وقد شعرت إسرائيل بهذا التفوق، فأغراها أن تجربه، لعلها تستجر العرب إلى مواجهة لم يكونوا مستعدّين لها. ولتحقيق هذا الهدف أرسل بن غوريون ليلة 28 شباط 1955 قوة كبيرة إلى قطاع غزة تمكَّنت من تدمير مقر القيادة المصرية ومن قتل 38 شخصًا بينهم بعض المدنيين. وقد أتبعتها بعد سنة بغارة على غزة نفسها في نيسان 1956 قتل فيها 63 مصريًّا وفلسطينيًّا.
وقد أثبتت هذه الغارة ضعف وسائل المقاومة العربية، وبالتالي حاجة دول المواجهة إلى سلاح عصري متطوِّر تستطيع به ردع الغدر والصلف الإسرائيليين.
وهذا ما فعلته الدولتان المتحرِّرتان مصر وسورية.
لكن عوضًا عن أن تتفهم الولايات المتحدة الحاجات العربية إلى وسائل الدفاع عن النفس، لجأت إلى لي الأذرعة.. وتكسيرها عند الحاجة.. فأعلنت بأنها سحبت عرضها لمصر بمساعدتها في إنشاء السد العالي، فبادر الاتحاد السوفياتي بعرض مساعدة سخية لإنجاز هذا المشروع الحيوي لمصر، وقبلت مصر العرض. وها هو السد العالي يقف اليوم في وجه الفيضان ويختزن المياه التي يستخدمها القطر المصري عند الحاجة إليها.. كما تمَّ في الوقت نفسه عقد صفقة اقتصادية كبرى بين الاتحاد السوفياتي وبين الحكومة السورية، من أجل المساعدة في إنشاء سد الفرات ودراسة وتمويل بعض المشاريع الاقتصادية الكبرى.. ومن باب إحقاق الحق، فقد كان لمساعي حزب الشعب في هذا المجال أثر كبير في تشجيع الاتحاد السوفياتي على الإقدام على هذه الصفقة الكبيرة.. وكان الذي قاد المسيرة إلى عقد الاتفاقية الاقتصادية الكبرى مع الاتحاد السوفياتي عام 1957 هو خالد العظم، رئيس الوزراء في حكومة التجمُّع. وقد أيَّد حزب الشعب وجميع الكتل النيابية هذه الاتفاقية.
وكتب خالد العظم في مذكراته ما يلي:
«كان إنشاء سد الفرات أحد المشاريع المتفق عليها مع الاتحاد السوفياتي عام 1957 خلال زيارتي لموسكو.
غير أن المشروع لم يخرج إلى التنفيذ في عهد الوحدة، لأن الأميركيين كانوا يخشون امتداد النفوذ الروسي الشيوعي، فأقنعوا عبد الناصر بالاتفاق مع ألمانيا الغربية، وأبرم عبد اللطيف البغدادي اتفاقًا معها على قرض بمبلغ 500 مليون مارك يخصّص لإنشاء السد. وحين وقع الانفصال، أخذ الألمان يماطلون. ولما استلمت الحكم في فترة الانفصال عاودت الاتصال بالروس، فعرضوا علينا إنشاء سد ارتفاعه 40 مترًا لإرواء 100000 هكتار فقط. وحاولت إقناع الروس بزيادة المساعدة، لكني أخفقت»[6].
وقد تمَّ تنفيذ مشروع السد في عهد الحكومات البعثية التي تولَّت الحكم بعد انقلاب 8 آذار 1963 بمعاونة سخية من الاتحاد السوفياتي، ماليًّا وفنيًّا. وها هو سد الفرات يقف اليوم شامخًا في الشمال السوري يقوم بدوره الحيوي في إنعاش اقتصاد البلاد.
في ذلك الصيف من عام 1955، توجَّه وفد برلماني سوري إلى الاتحاد السوفياتي وكنت واحدًا من أعضائه. وكان يرأس الوفد الأستاذ رفيق بشور. وكثيرًا ما كنت أقوم بالترجمة بين المسؤولين السوفيات وبين الوفد، حين يكون المترجم السوفياتي مختصًّا بالترجمة الفرنسية.
وقد سجَّلت على ورقة من أوراقي موجز الزيارة التي قمنا بها في الكرملين إلى رئيس الوزراء الماريشال بولغانين، وحضر المقابلة مولوتوف وزير الخارجية:
موسكو، يوم الجمعة 29 تموز 1955.
«الساعة الرابعة ذهبنا إلى الكرملين..
وقد تكلَّمت نيابة عن الوفد.. ومما قلته للماريشال بولغانين:
إننا نود أن نطلعكم على أهدافنا القومية، وهي تتلخص في الآتي:
أولًا: نحن في سورية نريد الوحدة العربية الشاملة، المبرأة من ضغط الاستعمار ونفوذه. وسورية تتعرَّض اليوم إلى ضغط استعماري شديد.
ثانيًا: ليس لنا عدو يمثل خطرًا داهمًا علينا أكبر من خطر إسرائيل. إنها دولة فاشية أقامها الاستعمار لتكون له بمثابة حاملة طائرات يقفز منها على المواقع العربية.
ثالثًا: إننا ننظر إلى الاتحاد السوفياتي كدولة صديقة تقف إلى جانب القضايا العربية العادلة، ونطمع في مساعداته غير المشروطة.
وتكلَّم المارشال بولغانين، فرحب بالوفد ترحيبًا حارًّا، وأشاد بالموقف السوري القوي.. وتناول سياسة بلاده العربية مطولًا. ومما قاله إن الاتحاد السوفياتي أيَّد القضايا العربية العادلة باستمرار. وهو عازم على متابعة هذه السياسة. كذلك فإنه لن يسمح لأي دولة بالعدوان على دولة أخرى» وحين ضغطت تركيا على سورية تدخل الاتحاد السوفياتي فورًا وهدد بنقل القضية إلى مجلس الأمن.. لكنه لم يعدنا بأية مساندة عسكرية مباشرة. ومع ذلك فقد خرجنا من الجلسة ونحن واثقون بأننا لسنا وحدنا في مواجهة مشاكلنا الخارجية.
وفي فترة هذه النيابة تتابعت الأحداث بصورة مذهلة. وفيما يلي إيجاز لأبرزها على الساحتين الداخلية والدولية.
الحواشي:
[1] انظر نص هذا البيان في الملحق رقم 7.
[2] انظر أسماء هؤلاء النواب ومناطقهم في كتاب الأستاذ جورج صدقني وعنوانه: دورات مجلس الحزب 1947-1957، ص91.
ويذكر هذا المؤلف أن جلال السيد، أحد مؤسسي الحزب، استقال منه بتاريخ 21 آب 1955 واستقال في إثره فهد الدندل ودحام الدندل (عن البوكمال).
[3] كان تعداد مصر حين أطيح بالنظام الملكي 1952 نحوًا من 16 مليونًا، فأصبح عام 2000 أكثر من خمسة وستين مليونًا. وكان تعداد سورية في تلك الفترة أقل من 4 ملايين، فأصبح اليوم أكثر من 17 مليونًا.. وتتحدَّث بعض الإحصاءات عن أن عدد أبناء الأمة العربية يزيد عن 200 مليون عربي. وتشير إحصاءات عالمية إلى أن سكان سورية يتضاعفون مرة كل 22 سنة، في حين أن دولًا متطوِّرة كالسويد تحتاج إلى قرنين من الزمن حتى يتضاعف عدد سكانها. وواضح أننا نعاني انفجارًا سكانيًّا، لا يمكن أن تستقيم معه أية برامج تنموية سليمة.
[4] للذكرى نقول، إن الاتحاد السوفياتي اقترع في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 إلى جانب قيام إسرائيل، وبادر إلى الاعتراف بها فورًا بعد اعتراف أميركا. ويعلل بعض المؤلفين هذا الموقف العدائي تجاه العرب، بأن الدول العربية في تلك الأيام كانت في نظره دولًا «رجعية» تسير في ركاب الدول الاستعمارية.. وهو يتصرَّف لمصلحة قضاياه السياسية، مبدًا ومآلًا.
[5] يراجع كتاب أنطوني ناتنغ وعنوانه «عبد الناصر» القاهرة 1985، ص116.
[6] ج3، ص40.