الفصل الحادي عشر، الجزء 3: انتخاب شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية
الفرع الأول
انتخاب شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية
تنصُّ المادة 76 من دستور 1950 على ما يلي:
«ينتخب مجلس النواب رئيس الجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس القائم بمدة أكثرها شهر وأقلها خمسة عشر يومًا».
وبما أن المادة 73 تحدّد مدة ولاية الرئيس بخمس سنوات كاملة فإن مدة ولاية الرئيس الأتاسي تنتهي في 6 أيلول 1955. وعليه فقد تقرَّر إجراء انتخاب رئيس للجمهورية يوم 15 آب، توفيقًا لأحكام المادة 76 المشار إليها.
ولهذا الانتخاب قصة مثيرة جرت فصولها في كواليس المجلس.
فقد عقد اجتماع خاص لممثلي الأحزاب والكتل النيابية في إحدى قاعاته حضرتها مفوضًا عن حزب الشعب. وكان من الحضور الذين أذكرهم السادة صبري العسلي رئيس الوزراء (الحزب الوطني) وأكرم الحوراني وصلاح البيطار (حزب البعث) ومحمد المبارك (إخوان مسلمون) ومنير العجلاني (الكتلة الحرة ولها عشرة نواب) وخالد بكداش وعبد الباقي نظام الدين. وكان رأي المجتمعين متفقًا منذ البداية على ترشيح رشدي الكيخيا للرئاسة الأولى. فاقترحت كتابة وثيقة في هذا الشأن فكتبت، ووقع عليها المجتمعون بأنهم يوافقون على انتخاب رشدي الكيخيا رئيسًا للجمهورية ويلتزمون بهذا التوقيع.
وحملت الورقة إلى الكيخيا في فندق الأوريان بالاس الذي ينزل فيه في العادة بدمشق، فنظر فيها مليًّا، ثم رفع رأسه بأسى، وقال إنه يشكر إخوانه الذين كرموه بهذا التكليف الإجماعي، إلا أنه مع ذلك يعتذر عن عدم القبول ليس تهربًا من جسامة المسؤولية لكن الظروف غير مواتية.
وأنا أعرف ماذا يعني هذا القول.
إنه يعني أنه لا يريد أن يدخل في صراع مباشر مع الضباط المسيسين، الذين يمسكون بمقدرات القوات المسلحة متذرِّعين بعدم إلقاء البلاد في أحضان الأحلاف الأجنبية. وقد ذهبت كل المحاولات لثنيه عن اعتذاره أدراج الرياح.
وكان حزب الشعب ملتزمًا دومًا بعدم تسييس القوات المسلحة حتى لا تزج في صراع داخلي، قد يتحوَّل إلى تصادم بالسلاح.. وكان رشدي الكيخيا قانعًا بشكل جازم أنه لا جدوى ولا مصلحة للبلاد في إشعال نار العداوة بين المدنيين الساسة والمسيسين من العسكريين. وكان يرى في هؤلاء المسيسين من العسكريين موظفين خارجين على أحكام الدستور والقانون على السواء.. وهذا صحيح وتصرح به النصوص المكتوبة.
فالمادة الثلاثون من الدستور (دستور 1950) تنصُّ على ما يلي:
1. الدفاع عن الوطن وعن الدستور واجب مقدس على جميع المواطنين.
2. الجندية إجبارية وينظمها قانون خاص.
3. الجيش حارس الوطن وتنحصر مهمته في الدفاع عن حدود الوطن وسلامته.
وهذا نص يغني عن كل شرح، فهو يساوي في الواجبات العسكرية بين جميع المواطنين ويعتبر الجيش حارسًا للوطن، يحميه من كل عدوان عليه يأتيه من الخارج، أو من الداخل في حالة اندلاع خطر محلي. لكن مهمته لا تتجاوز الدفاع عن الوطن إلى ممارسة النشاط السياسي في الداخل أو التدخل في الشؤون العامة.
ولا أحد يمنع العسكري من أن يكون له رأي سياسي كما يحب ويهوى. لكن إذا أراد أن يدلي بدلوه في عمل سياسي، كالانتساب إلى حزب سياسي مثلًا، فهذا أيضًا من حقه لكن عليه أن يترك الجيش ويعود إلى الحياة المدنية.
والشعب هو الذي يشتري السلاح للجيش، وهو الذي يمده بالعناصر المقاتلة من أبنائه. وإذن فالسلاح والجنود أمانة في أيدي ضباطهم، يصونونهم ويدربونهم ويعدونهم ليوم الخطر ومجابهته، وليس لتوجيههم في الليل إلى بيوت رجال الحكم الذين انتخبهم الشعب بطوعه، ليزجوهم في المعتقلات ويضعوا أنفسهم على رأس السلطة.. وعندها يصرفهم الصراع على الحكم عن واجباتهم الأصلية.
وهذا هو الاغتصاب للسلطة الذي يعاقب عليه قانون العقوبات (المواد 291 و292 و293 و294 و296 من قانون العقوبات).
كذلك فإن قانون العقوبات العسكري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 61 تاريخ 27/2/1950 ينص على منع انتساب العسكريين إلى الأحزاب السياسية وعدم المشاركة في الأعمال السياسية تحت طائلة العقوبات المنصوص عنها في المادة 147 وما يليها من القانون المذكور. وتستتبع عقوبات الأشغال الشاقة والاعتقال المنصوص عنها في هذه المواد، التجريد العسكري الذي يعني فقدان الرتبة والطرد من الجيش (المادة 165).
وتجدر الإشارة إلى أن هذه النصوص لا تزال نافذة، وقد عدلت مرة واحدة بالقانون رقم /152/ لعام 1959 في اتجاه التشديد (أيام الوحدة مع مصر). وفي حالة خروج العسكريين على أحكام القانون ودخولهم المعترك السياسي، فإن رأي رشدي الكيخيا أنه لا يجوز دخول معركة معهم، لأن الوضع على الحدود مع إسرائيل لا يسمح بمثل هذه اللعبة الخطرة.
ولهذا كان يفضل الابتعاد عن الصدام معهم.
وكان هذا رأينا أيضًا في مكتب الحزب.
وهذا موقف يتسم بالشجاعة القومية، لأنه يجنب الصراع المهلك بين جناحي البلد: العسكريين والمدنيين، ولا يتسم بالضعف أو التخاذل.. طالما أن عبء الحكم طريق لخدمة الوطن وليس لتحقيق المنافع الخاصة.
ومن هذا المنطلق نشب الخلاف بين حزب الشعب والأحزاب التي تتكئ على القوات المسلحة وتستمدُّ منها التأييد بسب ضعف رصيدها الشعبي.. ولم تعدم الساحة أشخاصًا لا يهمهم إلا أن يجلسوا على كراسي الحكم، بصرف النظر عن الشخص الذي يوصلهم إليها أو الظروف القاتمة التي يتحرَّكون فيها.
وبعد أن تأكَّد اعتذار الكيخيا عن عدم قبول ترشيح نفسه للرئاسة الأولى، لعدم جدوى هذا المنصب في بحران الازدواجية في الحكم، تحرَّك مرشحان بارزان هما شكري القوتلي وخالد العظم.
ولم أكن ميّالًا شخصيًّا إلى انتخاب الرئيس القوتلي، لعدة اعتبارات. فهو أخرج من الحكم بانقلاب عسكري.. وقد قابلت البلاد الإطاحة بحكمه من دون اكتراث إذا لم أقل بابتهاج. ثم إنه هو الذي سخر الدولة من أجل تعديل الدستور لإعادة انتخابه عام 1948. وكانت لنا في المجلس مع أعوانه تلك المعركة اليدوية المعروفة. وفوق ذلك، فإنه رجل ينظر إلى الماضي، إلى أمجاده، في حين أن الأوضاع العامة تتطلب رئيسًا ينظر إلى المستقبل، ويكون قادرًا على التكيف مع الأحداث، يلين حين تلين ويشتد حين تشتد. كما أنه يؤخذ عليه إقامته خارج البلاد أكثر من ست سنوات، أمضاها في مصر لاجئًا، فانقطعت الصلة بينه وبين ما حدث في البلاد من تغيرات اجتماعية واقتصادية على إثر عدة انقلابات عسكرية.
وكان المرشح الثاني خالد العظم. وهذا سياسي لا يحظى بتأييد جدِّي داخل المجلس. لكنه رشَّح نفسه وعينه على دعم الذين لا يحبُّون شكري القوتلي من الظاهرين والمستترين.. وقد وجد دعمًا سياسيًّا له في كتلة جمعيها من نواب متفرّقين، وأمدَّه أكرم الحوراني بتأييد 17 نائبًا، يضاف إليهم خالد بكداش «ثاني الخالدين» اللذين نجحا في انتخابات دمشق.. الباشا الأحمر والشيوعي المتأنق.. وقد وصف المؤلف الإنكليزي باتريك سيل العظم بأنه «رجل انتهازي»[1].
وحين عقد حزب الشعب اجتماعًا لمكتبه لاختيار المرشح الذي سيدلي نوابه بأصواتهم لصالحه.. كانت المناقشة سهلة. فلم يرتفع صوت واحد يقول بانتخاب خالد العظم، حتى الذين لم يكونوا مع القوتلي حبسوا أنفاسهم، لأن المفاضلة بين المرشحين كانت محسومة بيننا لصالح القوتلي. فهو على كل حال صاحب ماض ناصع في ميدان الكفاح ضد المستعمر أيام الانتداب، ولم تلحق بسمعته ما يشوبها، سوى ما أخذناه عليه خلال رئاسته الثانية.
وقد وقف الضباط المسيسون في صف خصمه لدعم ترشيحه، بكل ما يستطيعون من تأثير. حتى إنهم لجأوا إلى الأسلوب النابي، فأرسلوا سيارتين عسكريتين وقفتا أمام البرلمان، ليردِّد ركابهما الضباط والجنود أبذأ الشتائم ضد القوتلي مما حرَّك العطف عليه والنفرة منهم. وهو منظر رأيته بعيني ولم أسمع عنه. وهكذا اتخذنا قرارنا بصورة جماعية بوجوب انتخابه.
واعتقد خالد العظم أن الذي تبنّى مقاومته في أوساط حزب الشعب هو رشدي الكيخيا ذاته.. ولذلك فإنه لم يغتفرها له.. ولو أنصف في تحليله للوضع السياسي إذ ذاك، لأدرك أن مقاومته كانت تعني في المقام الأول مقاومة الازدواجية في حكم البلاد.. التي وضع نفسه فيها واجهة للضباط المسيسين.. أقول واجهة، لأن أحدًا ما كان يصدق «يساريته» المزعومة.. وهو الذي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب.. وظلَّ رشدي الكيخيا يتذكَّر قصة تلك الورقة الصغيرة.. ففي إحدى جلسات مجلس الوزراء، في أواخر عهد الحناوي، وكان الجو مكهربًا، كتب العظم كلمة على ورقة صغيرة، وقذف بها إلى أكرم الحوراني، فالتقطها وقرأها ثم ألقاها في منفضة السكاير. وقد التقطها الكيخيا وقرأها، فإذا بها: لا تتعجل في قرارك. وبعد يومين فقط وقع انقلاب الشيشكلي.
وفي يوم 15 آب جرى الاقتراع على انتخاب رئيس البلاد، فأسفر عن فوز القوتلي بـ92 صوتًا وحصل العظم على 41 صوتًا، ووجد في الصندوق خمس أوراق بيضاء وورقتان باطلتان.. من أصل 139 نائبًا أدلوا بأصواتهم.
«وفي غمرة التهاني لوحظ أن ترحيب الرئيس القوتلي بوفد نواب حزب الشعب كان كبيرًا جدًّا. وقد أعرب لهم عن تقديره للشعور الكريم الذي أبداه حزبهم حياله.. وقد كان لهذا الحزب موقف محمود من انتخاب الرئيس القوتلي الذي أيَّد انتخابه بصراحة ووضوح، على الرغم من المغريات التي عرضتها عليه الجهات التي كانت تعارض انتخابه. لكن حزب الشعب رفض كل ذلك وبقي عند موقفه وقراره»[2].
وفور ظهور النتائج، أدرك بعض الوزراء أن كتلهم مجتمعة لا تحظى بتأييد المجلس النيابي، فبادر خالد العظم إلى تقديم استقالته من الوزارة وتبعه الدكتور وهيب الغانم وزير الصحة والإسعاف العام.. وهو من أقطاب البعث.
وأقسم الرئيس القوتلي القسم الدستوري في 6 أيلول 1955 في مجلس النواب، وتولَّى أعباء منصبه للمرة الثالثة رئيسًا للجمهورية السورية.. وكان يرافقه إلى المجلس هاشم الأتاسي الرئيس الذي انتهت رئاسته في هذا اليوم.
وقد حاول الرئيس القوتلي أن يشكل وزارة قومية، إلا أن البعثيين قرَّروا عدم الاشتراك في الحكم، وأذاعوا بيانًا قالوا فيه إن مقام الرئاسة الأولى غير مقتنع بالسياسة الخارجية التي قامت عليها حكومة الائتلاف (السابقة) وأنه ينظر إلى الأشخاص المسؤولين والسياسيين من خلال الاتجاه الذي ينحازون إليه والقوى التي تدعمهم، لا من خلال صفاتهم الشخصية ونياتهم..
وعقد اجتماع في القصر الجمهوري حضره ممثلو كتل المجلس، ما عدا البعثيين. ومثل حزب الشعب فيه رشدي الكيخيا وعلي بوظو.. وقد اقترح المجتمعون على رئيس الجمهورية تكليف الدكتور ناظم القدسي بتشكيل الحكومة الجديدة إلا أن القدسي رفض بقوة قبول المهمة. وكان هذا الرفض منسجمًا مع موقف رشدي الكيخيا الذي اعتذر عن ترشيح نفسه للرئاسة الأولى..
وأخيرًا استقر الرأي على تكليف الأستاذ سعيد الغزي (السياسي الهادئ المستقل) بتشكيل الوزارة، فشكلها يوم 13 أيلول 1955 من حزب الشعب والحزب الوطني وبعض المستقلين.
وقد تولَّيت فيها وزارة المالية. وتولَّى علي بوظو وزارة الداخلية ورزق الله الأنطاكي وزارة الاقتصاد الوطني ورشاد برمدا وزارة الدفاع.. ونالت ثقة المجلس بأغلبية 89 صوتًا ضد 31.
وقد علمت بنبأ اختياري لوزارة المالية وأنا في أوربا.. في مهمتين: الأولى رأست فيها الوفد السوري إلى المؤتمر الأول لمكافحة الجريمة الذي نظمته الأمم المتحدة في جنيف، والثانية مشاركة في الوفد النيابي السوري الذي كلف بزيارة الاتحاد السوفياتي وتشكوسلوفاكيا.
وكانت زيارتنا للبلدين الشرقيين غاية في الإثارة. لكني أمسك قلمي عن الخوض فيها، لأنني لا أكتب عن نفسي.
ومن أسف أن الأيام أثبتت صدق ما كنا نتوقعه للرئيس القوتلي. فقد بدأ عهده ضعيفًا أمام التسلط الذي كان يمارسه الضباط الساسة ومن كان يسير في فلكهم من المدنيين، وظلَّ هذا العهد ضعيفًا إلى أن بلغ نهايته بقيام الوحدة، التي أنقذته من الورطة التي وضع نفسه فيها.
وقد حاول الرئيس نفخ روح جديدة في أعصاب حكمه، بالتقريب بين الحزب الوطني وحزب الشعب أو حتى باندماجهما.
وتكلَّم الأستاذ أسعد الكوراني عن هذه المحاولة فقال:
«استدعاني الرئيس القوتلي أثناء زيارة له إلى حلب، كما استدعى الأستاذ عزت الصقال وأحمد خليل المدرس وبعض رجال الأحياء.. فلبيت الدعوة. وتكلَّم الرئيس فقال إن سبب دعوته لنا ترجع إلى أن الحكم في وضع سيئ بسبب سيطرة الجيش عليه، في اتجاه اشتراكي يهدِّد بانحراف يساري واسع. ولا يمكن الوقوف أمام هذا الوضع إلا باتفاق الحزب الوطني وحزب الشعب أو اندماجهما. وطلب منا أن نعمل على التوفيق بينهما».
ويضيف الأستاذ الكوراني «أنه وزملاؤه المذكورون زاروا رشدي الكيخيا فوافق على الفكرة بشروط، وزاروا ميخائيل ليان (الرئيس الفعلي للحزب الوطني) ففاجأهم بأنه عازم على العمل مع الاشتراكيين لأنهم هم القوة الفعالة، وعنده أمل بأن يسيطر عليهم».
وسوف تظهر الأيام أن هذا السياسي العتيق (اليان) إنما كان يخطط لشيء ويتظاهر بغيره. وما هي إلا سنة وبعض السنة إلا ويتقرَّر مصيره كسياسي غارق في المؤامرات ويغادر البلاد هاربًا إلى غير عودة.
وقد ذهب ولبر كرين ايغلاند، مسؤول المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط، في كتابه «حبال من رمال»[3] إلى أنه عمل شخصيًّا بموافقة السفير الأميركي في دمشق مستر «موز» ومسعى من السفير العراقي عبد الجليل الراوي على التقريب بين حزبي الشعب والوطني. وسأل رشدي الكيخيا في مقابلة معه عما تستطيع الولايات المتحدة أن تفعله لكي يضع الحزبان خلافاتهما جانبًا، لكن رشدي الكيخيا أجابه «بأن الأوان قد فات» وبالتالي خرج من المقابلة خائبًا مندهشًا.
فقد كان رشدي الكيخيا قانعًا أن الزمن أصبح للتقدُّم وليس لآراء «الرعيل الأول»، وإيحاءات «المخابرات الأميركية» وغيرها.
الحواشي:
[1] في كتابه: الصراع على سورية، ص330.
[2] نصوح بابيل، صحافة وسياسة، ص462.
[3] مطبعة دار طلاس، نقله إلى العربية الدكتور سهيل زكار، ص222.