الفصل الحادي عشر، الجزء 5: اغتيال العقيد عدنان المالكي

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الثالث
اغتيال العقيد عدنان المالكي

كان العقيد المالكي أحد ضباط الجيش اليساريين البارزين. وقد أسندت إليه وظيفة نائب رئيس الأركان العامة، وهي وظيفة رفيعة وحساسة. وبسبب ميله أو انتمائه إلى حزب الأستاذ الحوراني، اغتاله رقيب في الجيش اسمه يوسف عبد الرحيم من منتسبي الحزب القومي السوري، بينما كان يتفرج على مباراة كرة القدم في الملعب البلدي بدمشق يوم 22 نيسان 1955.

واتخذت الأوساط الموالية للعقيد المالكي في اغتياله ذريعة لتصفية قواعد الحزب القومي السوري والقضاء على قادته.

وقد صدرت أحكام بالإعدام على عدد من المشتركين في الجريمة.

وأقرأ في أوراقي الشخصية ما يلي:

«يوم 28 آب 1955 عقد اجتماع وزاري برئاسة الرئيس الأول شكري القوتلي. وكان واضحًا أن الرجل واقع في حيرة عظيمة، فأراد أن يعرف آراء وزرائه في مسألة التصديق على أحكام الإعدام أو عدم التصديق عليها. وكان البحث يدور حول ثمانية أحكام بالإعدام على ثمانية من الدروز وجهت إليهم تهم التعامل مع العدو وثلاثة من أعضاء الحزب القومي السوري لاشتراكهم في اغتيال المالكي. وقد انقسم مجلس الوزراء على نفسه.

فالبعثيون طالبوا بتنفيذ أحكام الإعدام بإصرار وخاصة إعدام القوميين السوريين..

ورشاد جبري ومجد الدين الجابري وقفا ضد التصديق على الأحكام.

وحين تكلَّمتُ في الموضوع، طالبت بعدم التسرع في أمر خطير كهذا.. وخاصة وأنا لم أقرأ الأوراق لأكوِّن رأيًا سليمًا.. وقد طلب إلي الرئيس أن أبقى لديه بعد انفضاض المجلس، فجلست معه ساعة.. وصارحته بأن هذا الموضوع حق شخصي من حقوقه الدستورية الذي تركه الدستور إلى ضميره ومطلق تقديره.. ولاحظت له بأن مجلس الوزراء كان منقسمًا على نفسه في هذا الموضوع. فمنهم من قال في الحزب القومي السوري ما لم يقله مالك في الخمر، ومنهم من يرى أن المحاكمة جرت من دون أن تتوفَّر فيها الضمانات المطلوبة.. لذلك يكون خيرًا له وراحة لضميره أن يستشير بعض كبار القضاة، لأنهم بعيدون عن السياسة سلبيًّا وإيجابيًّا.

وقد شكرني، وأشعرني تلميحًا أنه تبنَّى هذا الرأي. وبعد فترة وقع على مرسوم بإعدام اثنين من المشتركين في الجريمة مباشرة وهما بديع مخلوف والدبوسي، وأبدل الأشغال الشاقة المؤبدة بالإعدام على فؤاد جديد.

وقد كتب الأستاذ رياض المالكي قصة اغتيال أخيه، وبيَّن كيف أن السفارة المصرية هي التي أصرَّت على المرحوم بحضور مباراة كرة القدم بين الفريق المصري والفريق السوري، كما أنه اتهم رئيس الأركان العامة الزعيم شوكت شقير بضلوعه في المؤامرة، ومعه قادة الحزب السوري القومي، وذهب إلى أن الرئيس القوتلي استفاد كثيرًا من مقتل العقيد عدنان[1].

وقد استرعى انتباهي مقال كتبه الأستاذ خالد قطمة بعد إحدى وعشرين سنة من وقوع اغتيال المالكي[2] اتهم فيه «خصوم أكرم الحوراني العشرة في الجيش وقد ذكر منهم أكرم الديري وأحمد الحنيدي وطعمة العودة الله وأحمد عبد الكريم وعبد الحميد السراج ورئيس الأركان العامة شوكت شقير، بتدبير الاغتيال، كما أنه اتهم صراحة بالمساهمة في هذه الجريمة السفارة المصرية بدمشق».

وقد زعم الأستاذ قطمة أن هؤلاء الضباط ومعهم السفير المصري قرَّروا الخلاص من العقيد المالكي بحجّة أنه «كان يعارض توسُّع النفوذ المصري في سورية». لكن المعروف أن المرحوم المالكي كان متحمسًا للوحدة مع مصر وأنه كان متعاطفًا مع الأساتذة أكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح البيطار الذين كانوا يسيرون في مقدمة المطالبين بالاتحاد ثم الوحدة مع الشقيقة الكبرى مصر.

ومن المؤسف أن العقيد المالكي سقط مضرجًا بدمائه جرّاء إقحام القوات العسكرية في المشاحنات السياسية، فخسرته البلاد كما خسرت غيره من ضباط لامعين، ووجدت نفسها مرة بل مرات على كفِّ عفريت تترقب في هلع وقوع الانفجار الكبير.

ولم يحل دون اندلاع هذا الانفجار إلا قيام الوحدة مع مصر عام 1958.

وقد أقيم للعقيد تمثال كبير في أول الشارع الذي سُمِّي باسمه بدمشق.

الحواشي:

[1] في كتابه: «ذكريات على درب الكفاح والهزيمة»، دمشق 1972، الفصل التاسع، ص169-172.

[2] في جريدة الأنباء الكويتية في 24/4/1976. وكاتب المقال من قدماء منتسبي الحزب القومي السوري.