الفصل الحادي عشر، الجزء 4: فسخ نيابة نائبين

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الثاني
فسخ نيابة نائبين

في الانتخابات التي جرت عام 1954 نجح في اللاذقية السيدان أسعد هارون ونوفل إلياس. وقد كان هذا النجاح صدمة لأبناء هذه المدينة الطيِّبة، لأنهم لم يصوِّتوا لهما ولم يساندوا ترشيحهما، وإنما تدخَّلت القوى الضاغطة سرًّا وعلنًا وفرضتهما بالتزوير والإكراه.

ولم تكن حكومة سعيد الغزي، التي جيء بها بوصفها وزارة حيادية لتأمين سلامة الانتخابات، قادرة على الوقوف في وجه جماعة المكتب الثاني، فأغمضت عينيها على ما ارتكبه أنصار المرشحين المذكورين من أعمال غير مشروعة.

وكان العمود الفقري لعمليات التزوير شخصًا يدعى «أبو هاني» يملك مواعين وزوارق بخارية مخصصة لنقل البضائع الواردة على البواخر إلى سورية والمصدرة منها إلى البلاد الأجنبية.. وكان يتقاضى عمولات كبيرة وإتاوات ينتزعها بوسائل الضغط التي كانت تحت أمره. وقد أساء إلى الاقتصاد السوري بالإساءة إلى أصحاب البضائع السوريين وأصحاب البواخر الأجانب، لأنه كان يتحكم تحكمًا مطلقًا بتحديد الوقت الذي تفرغ فيه بضائع هذه أو تلك. ومن المؤكَّد أن الباخرة التي يتأخَّر تفريغ حمولتها، تتعرَّض إلى خسائر جسيمة، بسبب ما تتكبَّده من رسوم ونفقات التأخير في الميناء. كذلك فإن هناك بضائع معرضة بطبيعتها للتلف السريع. فإذا لم تفرغ بسرعة لحقت بأصحابها خسارات جسيمة. ومن أجل تفادي الخسائر ودفع الرسوم، كان أصحاب البضائع وأصحاب البواخر يهرعون إلى «أبو هاني» ليشتروا رضاه.. وبهذه الطريقة الملتوية حقَّق المذكور أرباحًا فاحشة وجنى لنفسه ثروة كبيرة.

وقد قامت ضده مظاهرات عمالية.. فلم يتورع عن إرسال زبانيته إلى التصدي لهم فضربوهم وأطلقوا عليهم النار خاصة يوم 21 نيسان 1954، لكسر شوكتهم ونشر الإرهاب في أوساطهم حتى يحبسوا أنفاسهم.

وكان لا بدّ له من حماية تحمى تجاوزاته، فوجد أن خير ما يفعله هو أن يخوض غمار المعترك السياسي، ويساند بعض المرشحين بأمواله وبأنصاره ورجاله، لكي يحولوا دون التعرُّض له في استغلاله المشؤوم. لكن نفوذه لم يكن قادرًا على أن يطال كل مناطق المدينة، لذلك عمل بالتنسيق مع أجهزة الأمن السياسي وعملائها وارتكبوا من الأفعال ما لا يستطيع أي تشريع جزائي أن يقف حيالها من دون حراك. وقد ثبت أنه سحب في أسبوع واحد من المصارف في هذه الفترة الانتخابية مبلغ /600000/ ليرة، (من عملة تلك الأيام) وهو مبلغ يكفي لتقويم عجز ما في ميزانية الدولة[1].. لذلك لم يكن مستغربًا أن يسفر التزوير والتلاعب عن نجاح المرشحين المذكورين.

وقد أحدث دستور 1950 أسلوبًا جديدًا وسليمًا للنظر في الطعن في سلامة الانتخابات، وهو تخويل المحكمة العليا الحق في النظر في الطعون والفصل فيها بصورة مبرمة، وتقرير صحتها أو بطلانها.

وقد كان الأسلوب السابق يكل إلى مجلس النواب نفسه هذا الحق. فكان المرشح المطعون في صحة انتخابه ينتظر تقرير مصيره بحسب ما يكون وضعه.. فإن كان من جماعة الأكثرية، كان ينام على حرير، وإن كان من خصومها فإن القلق يظلُّ يعضه بأنيابه حتى يفصل في أمره بتصويت المجلس.

وحين عرض الطعن في انتخابات هذين النائبين على المحكمة العليا، قامت بتحقيق واسع، واستمعت إلى شهادات شهود واطلعت على تقارير رسمية.. وانتهت قناعها إلى أن هذه الانتخابات مشوبة بكثير من أعمال التزوير والإكراه والرشاوى، وأن أبا هاني صاحب المواعين متورط فيها إلى أذنيه، لذلك قرَّرت إبطال انتخابهما وإعادة عمليات الانتخاب.

ومن عجب أن أحدًا، لا من المزورين الضاغطين، رسميين وغير رسميين، ولا من المرشحين الذين ثبتت مسؤوليتهم الإجرامية، لم يُحَلْ إلى القضاء، ولم تقدم الحكومة على محاسبة واحد من الذين ثبتت مسؤوليتهم الجنائية.

ومع ذلك فقد كان إبطال نيابة المذكورين درسًا أخلاقيًّا بليغًا وعبرة لمَن شاء أن يعتبر.

لكن الدرس الأخلاقي غير كاف بذاته، فكان لا بدّ من أن تتحرَّك جماعة ما لفقء الدمل في هذه المدينة، وتنهي مهزلة أبي هاني من أساسها باقتلاع جذوره الضاربة بعيدًا في الأرض والبحر.

وقد وقر في أذهان نواب حزب الشعب أنه إذا بقيت هذه المواعين في ملكية هذا الشخص، فإن الفساد سوف يستمر. وكان أول من قرع ناقوس الخطر في مجلس النواب الأستاذ محمد الشواف من حزب الشعب، وذلك حين علق على برقيتين أرسلهما عمال المرفأ يشكون فيهما سوء أوضاعهم. وكان مما قاله:

«إن هؤلاء العمال البؤساء يعملون في اليوم الواحد ما لا يقل عن 15 ساعة. لكن عملهم في أكثر الأيام يتجاوز العشرين ساعة في اليوم. والعمل شاق. أما أجورهم فلا تتجاوز 4-5 ليرات يوميًّا. وقد طالبوا صاحب العمل أبا هاني أن يحدّد لهم مدة العمل بثماني ساعات في اليوم فرفض، فأضربوا، فأرسل إليهم رجاله الأخصاء الذين يقاسمونه أرباح المرفأ، وهم مدججون بالسلاح، وأخذوا يطلقون النار من مسدساتهم ورشاشاتهم، وبذلك خلقوا جوًا من الذعر في المدينة. وقد اشترك الشعب مع العمال في إضرابهم وخرجوا في مظاهرة صاخبة مطالبين بمعاقبة المجرمين الذين أطلقوا النار.»[2].

وأيَّده في موقفه هذا نائب اللاذقية حنا صوايا والأستاذ جميل العبد الله الذي علق على كلام الشواف «بأنه قال أقل من الحقيقة»..

وحين أنس الحزب إلى سلامة الأجواء، وأن ثمرة تأميم المرفأ لا بدّ من أن تؤتي أكلها، قدَّمت الحكومة، بمبادهة من وزير الداخلية أحمد قنبر، مشروع قانون يتضمَّن تأميم شركة أبي هاني بكل ما تملكه.. وكانت المفاجأة كبيرة في صفوف الذين يعارضون هذا الإجراء.. لكن الحكومة كانت مصممة على السير بالمشروع، فأحيل إلى اللجنة القضائية فأجازت النظر فيه، ثم أحيل إلى لجنة الأشغال (حسب العائدية أي الاختصاص) فنام فيها نومة أهل الكهف.. أي مدة أطول مما تسمح بها المادة 50 من النظام الداخلي. وحدثت المفاجأة الثانية: فقد طلب وزير الأشغال العامة فاخر الكيالي تأجيل النظر في مشروع القانون إلى الدورة القادمة.. وراح بعض النواب الذين يعارضون المشروع بتوجيه تساؤلات عن جدوى التأميم، وماذا يشمل، وهل الأسلوب الذي اتبع سليم.

وقد ردَّ عليهم النائب الشعبي رشاد جبري بأن التأميم يشمل جميع الأجهزة المستعملة وجميع وسائل النقل وغيرها من أدوات المشروع، مع المحافظة التامة على حقوق العمال.

وحاول خالد العظم أن يظفر بالتأجيل ولو لفترة مؤقتة، غير أن رشدي الكيخيا تصدى له ووقف في وجه كل محاولة من شأنها عرقلة إقرار القانون.

وحين وقف رئيف الملقي ضد التأميم وقال: «إنه مع التأميم وليس مع المصادرة.. وهذا المشروع مخالف للدستور وأطالب بتأجيل بحثه حتى لا يسلق سلقًا» شعرنا أن هناك مخططًا محبوكًا لإنقاذ أبي هاني وإبقاء سيطرته على خيرات المرفأ، وعندها تحرَّك أحمد قنبر ليحول دون استمرار المهزلة وتكلَّم باسم الحكومة فقال:

«يسعدني أنني وقفت منذ أربع سنوات على هذا المنبر، أدافع عن مشروع مماثل هو تأميم شركات الكهرباء والماء في أواخر كانون الثاني 1951. وقد كان النواب الذين تكلَّموا موافقين على المبدأ، شأنهم في ذلك شأن النواب الذين يوافقون اليوم على نفس المبدأ. والغريب حينئذ أن فريقًا من النواب الآن يطلبون تأجيل بحث الموضوع لأسباب هي نفس الأسباب التي تذرع بها النواب قبل 4 سنوات لتأجيل تأميم مماثل.. وأودُّ أن أؤكِّد أن الحكومة درست هذا المشروع منذ مدة طويلة وألفت فور وصولها إلى الحكم لجنة وزارية اجتمعت إلى مدير شركة المرفأ ومحاميها، ودرست الموضوع من جميع وجوهه وتقدَّمت إليكم بهذا المشروع. وهي مصرّة على إقراره».

وهنا قدَّم طلب باستعجال النظر. فاعترض حسين الشعباني على الاستعجال بقوله إن وزير الأشغال العامة فاخر الكيالي لم يطلب الاستعجال ولم يدافع عنه مع أنه صاحب الاختصاص الأصلي.

والحقيقة أن الكيالي وافق على الاستعجال ثم سافر على عجل إلى القاهرة، ومن هناك اتصل هاتفيًّا برئيس الحكومة طالبًا تأجيل دراسة المشروع. وشعرنا بأن الرائحة الكريهة أخذت تقطع الأنفاس، فتقدَّمت أنا والنواب رشاد جبري ورزق الله سالم وراتب الحسامي وبهجت نصور وإسبر اليازجي، وكلهم نواب من حزب الشعب بطلب جديد لاستعجال النظر وفقًا للمادة 92 من النظام الداخلي. وذلك بالتنسيق مع الحكومة.

وحين طرح مشروع الاستعجال على المجلس أقره. عندها بادر فاخر الكيالي إلى تقديم استقالته في جلسة 6 شباط 1955.. وقدَّم رئيس الوزارة في اليوم التالي استقالة الوزارة كلها. وتشكَّلت وزارة جديدة برئاسة صبري العسلي في 13 شباط 1955، استبعد منها حزب الشعب. وكان بين وزراء هذه الوزارة مأمون الكزبري ورئيف الملقي وفاخر الكيالي وليون زمريا.. ودخلها من البعثيين وهيب الغانم أيضًا.

ومع ذلك فقد ظلَّ حزب الشعب يتابع موضوع تأميم مواعين أبي هاني، وكان يتولَّى متابعته الأستاذ قنبر الذي طمأن المجلس بأن تنفيذ التأميم لن يتمَّ إلا بعد الانتخابات التكميلية.

وحين طرح مشروع هذا القانون على المجلس، أقره بالأكثرية.. وبذلك طويت هذه الصفحة السوداء من حياتنا العامة.

الحواشي:

[1] محضر جلسة مجلس النواب في 14 كانون الأول 1954، ص394.

[2] جلسة 26 تموز 1954، ص1189 وما يليها.