الفصل الحادي عشر، الجزء 7: إحراق المدارس الفرنسية في حلب
الفرع الخامس
إحراق المدارس الفرنسية في حلب
خصّصت هذا البحث لهذه الجريمة، لأنها كادت تنقلب إلى فتنة عمياء لولا حكمة الشعب الحلبي، مسيحييه ومسلميه، ومبادرة الحكومة الحازمة، لوقف تفاقم الشر.
ففي 26 تموز 1956، أمم جمال عبد الناصر قناة السويس ووضع يد مصر عليها، لتعود خيراتها بركة وخصبًا على شعب مصر.
وكانت فرنسا أسرع من غيرها في فهم مغزى هذه اللطمة، لأنها حسبت أن عبد الناصر، إذا ظفر بهذه اللقمة الكبيرة وتمكَّن من ابتلاعها، فإنه سوف يتفرغ لمسالة تحرير الجزائر والمغرب العربي بكامله.. وإذن فلا بدّ لها أن تشمر عن ساعديها، وتعمل بسرعة حتى لا تسبقها الأحداث.
وجاءتها المناسبة الأولى بسرعة.
فقد تلقَّت مخابراتها نبًا مثيرًا، في منتصف شهر تشرين الثاني 1956 بأن طائرة مغربية تتجه من المغرب إلى تونس، وعلى متنها خمسة من قادة جبهة التحرير الجزائرية، كانوا في ضيافة ملك المغرب. فقرَّرت أن تضرب هذه الجبهة ضربة موجعة، وربما قاضية، فأرسلت طائراتها المطاردة لاعتراض الطائرة المدنية وأرغمتها على الهبوط في مطار الجزائر واعتقلت ركابها الثائرين.. وقد أرسل السيد أحمد توفيق المدني من القاهرة برقية إلى المسؤولين العرب يخبرهم بما فعلته فرنسا ويستجير بهم، باسم جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني الجزائري، أن يعملوا ما في وسعهم لإنقاذ القادة المخطوفين.
ووصلت من السيد المدني برقية استغاثة إلى رئيس مجلس النواب السوري مؤرخة في 25 تشرين الأول 1956 وتليت في جلسة المجلس المنعقدة في نفس هذا اليوم.
وفي الحال اشتعل المجلس حماسًا وتنديدًا بهذه الفعلة الشائنة، وتحرَّكت النخوة العربية في رؤوس أعضائه، فتباروا في إعلان التأييد لثورة الجزائر، والتنديد بما قامت به الحكومة الفرنسية من عمل معدود في القانون الدولي من أعمال القرصنة الجوية.
وكانت الحكومة السورية حكومة قومية، يرأسها صبري العسلي، ويمثل حزب الشعب فيها أحمد قنبر على رأس وزارة الداخلية ورشاد جبري وزيرًا للزراعة وأنا وزيرًا للمعارف. وكان يمثل حزب البعث صلاح البيطار وزيرًا للخارجية وخليل كلاس وزيرًا للاقتصاد الوطني. وكان يمثل الحزب الوطني صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء ومجد الدين الجابري وزيرًا للأشغال العامة ومحمد العايش وزير دولة كما كان عبد الباقي نظام الدين يمثل جماعة خالد العظم، ومصطفى الزرقا يمثِّل الإخوان المسلمين، وكان عبد الحسيب رسلان على رأس وزارة الدفاع، من المستقلين.
وأشهد أن جميع الوزراء كانوا يعملون في انسجام تام، لأنهم كانوا يقدرون الظروف العصيبة التي كانت تنيخ بكلكلها على سورية وعلى المنطقة.. وكان المجلس متعاطفًا مع الحكومة، فقد كانت جميع كتله وأحزابه ممثلة فيها. واتجهت أنظار الوزراء والنواب، إلى موقع اليسار من القاعة حيث وقف النائب رشدي الكيخيا خطيبًا، يصب جام غضبه على جريمة العصر وينتقد الموقف الغادر الذي انحدرت إليه حكومة دولة مُعَظَّمة لتخطف ثوارًا، ذنبهم أنهم قرَّروا تحرير بلدهم من ربقتها.
وفيما يلي جانب مما قاله:
«إن موضوع الجزائر ليس بالموضوع الطارئ، فالثورة الجزائرية قد مضى عليها ما يقرب من سنتين، وإخواننا في الجزائر يعانون المشقات في حربهم مع فرنسا. فهم يضطهدون وتسلب أموالهم وتهدم بيوتهم، والعالم ينظر إلى هذه المآسي والجرائم التي ترتكب تحت سمعه وبصره وهو لاهٍ عن كل هذه الأمور، كأنّ الأمور لا تعنيه. لذلك يجب علينا كعرب أن نمد يد المساعدة لإخواننا الذين يكافحون الاستعمار في الجزائر وغيرها من البلاد العربية المستعمرة وأن نمدهم بالمال والسلاح والرجال. وأن المعونة التي قدَّمتها سورية لا تعتبر إلا أشياء تافهة لا نستحقُّ عليها الشكر. ولا يمكنني أن أقول بحال من الأحوال إن العالم العربي قد قام بواجبه حيال الأجزاء المستعمرة منه.
وأودُّ أن أذكِّركم بأن هذا المجلس الكريم كان اتخذ قرارًا بمقاطعة فرنسا اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا. فلو تبنت الجامعة العربية هذا القرار ونفذته الدول العربية، لما رأينا فرنسا تقدم اليوم على اختطاف فريق من العرب المناضلين، ولا كان في إمكانها أن تتحدَّى شعور العالم العربي بأجمعه. فالمعونة التي نقدِّمها لإخواننا المناضلين في شتّى الأقطار العربية بكلامنا وحده ليست بالمعونة التي نشكر عليها، وكلنا نعلم أن بعض الدول العربية في الوقت الحاضر تعجُّ خزائنها بالأموال التي تصرف في سبيل أمور لسنا في حاجة قصوى إليها، وعلينا أن نطالب تلك الحكومات التي تستغلُّ البترول العربي أن تقدِّم أقصى ما يمكنها من الأموال. وإن انفراد سورية بمنع تصدير جزء من محاصيلها[1] لا يمكن أن يؤدِّي إلى تحقيق الغرض المطلوب الذي نتوخاه، فعلى العرب أن يقاطعوها جميعًا. وكذلك يجب على الجامعة العربية أن تتحرَّك. وعليها أن تعلم أن العرب أخذوا يتأففون من تقاعسها..».
وطالب الكيخيا لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب أن تقوم بواجبها وأن تنعقد في الحال. وقد استجاب المجلس إلى هذا الطلب الكريم، فانسحبت اللجنة المذكورة. وبعد أن تذاكرت في الأمر مليًّا، عادت بالتقرير التالي: «إن لجنة الشؤون الخارجية، توصي بإجماع آراء أعضائها المجلس الكريم بالموافقة على القرارات التالية»:
1. استنكار مجلس النواب حادث اختطاف الزعماء الجزائريين.
2. تكليف الحكومة أن تبادر فورًا إلى دعوة الحكومات العربية لتخصيص مبلغ لا يقل عن خمسين مليون ليرة سورية (من ليرات تلك الأيام) لنصرة إخواننا العرب في المغرب العربي ومدهم بما يحتاجونه لممارسة حقهم وتقرير مصيرهم.
3. تكليف الحكومة الاتصال فورًا بالحكومات العربية لتهيئة اجتماع على مستوى عال من المسؤولين العرب بمن فيهم المسؤولون في تونس ومراكش (المغرب) وممثلو الجزائر لإقرار الخطط الواجب إتباعها لمساعدة الجزائر في بلوغ أهدافها في الحرية والاستقلال.
4. تكليف الحكومة الاتصال فورًا بالحكومات العربية لإقرار مقاطعة فرنسا اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا.
5. إبلاغ حكومتي تونس ومراكش بتأييد سورية لموقفهما السليم في الأحداث الأخيرة.
وكنت أنا مقرّر هذه اللجنة.
وقد وافق مجلس النواب بالإجماع وسط حماس شديد على هذه التوصيات، لأن أعضاءه كانوا متحمسين جدًّا لنضال الجزائريين، وتقديم كل وسيلة من وسائل العون لهم.
وأنا أعرف شخصيًّا قصة الباخرة التي أغرقت في البحر الأبيض وحمولة السلاح التي كانت تنقله إلى الجزائر، من العتاد السوري[2].
وفور اتخاذ القرار الإجماعي، وقف رئيس الوزراء صبري العسلي، وأعلن موافقة الحكومة على العمل من أجل تنفيذ توصيات المجلس، وأضاف «بأن الحكومة كلها تشارك المجلس الكريم في كل آرائه التي أعرب عنها في هذه الجلسة».
وفي صبيحة اليوم التالي لموقف ممثلي البلاد المشرف، تداعت البلاد كلها، بوحي من ضمير أبنائها، إلى إضراب عام في جميع المدن السورية تمَّ تنفيذه بشكل إجماعي يوم 27 من تشرين الأول 1956 وقامت فيها مظاهرات سلمية لتأييد الجزائر أعلنت فيها جميع الهيئات عن عظيم سخطها على الاستعمار الفرنسي، وانتهت مظاهر التأييد من دون أن يحدث حادث واحد يعكِّر الوجه الرائع للإجماع الوطني.
غير أن الذي لم يكن في الحسبان هو الذي وقع في مدينة حلب في اليوم التالي. فقد صدرت جريدة «التربية» - وهي جريدة ضعيفة في مادتها وإخراجها وتعمل مع الاتجاه الحوراني في حلب - وعلى صفحتها الأولى عناوين مثيرة بالأحرف الكبيرة عن وقوع أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في دمشق وغيرها من البلاد السورية.. وكان هذا اختلاقًا شائنًا منها، لأن التضامن كان كبيرًا بين الشعب والحكومة في ذلك اليوم المجيد العربي السمات. وتحرَّكت تظاهرات كانت قريبة من المركز الثقافي الفرنسي ومدرسة الفرانسيسكان الفرنسية نحو هذه المراكز (بحلب). وتأكَّد في التحقيق أن بعض «المتظاهرين كانوا يحملون أوعية من المواد المشتعلة، مما يقطع بأن الأمر إنما دبر بليل، وليس وليد اندفاعات بريئة، وصبوها على المبنيين، فاندلعت فيهما النار. وتجاوز الفاعلون حرق الأبنية إلى الاعتداء بالضرب على الراهبات، اللواتي نذرن أنفسهنَّ للعبادة وتخلَّين عن الدنيا ورغباتها.. وقد تأكَّد أن الفاعلين كانوا يعملون على إشعال فتنة طائفية، لأن الأمر تعدَّى حرق الأبنية «الفرنسية» إلى الاعتداء على دار للعبادة، وضرب الراهبات فيها».
ولما وصلتني أنباء هذه الجريمة المدبرة، انتقلت إلى مكتب زميلي وزير الداخلية الأستاذ أحمد قنبر. وقد كان واقفًا أمام مكتبه وبيده الهاتف يعطي أوامره إلى محافظ حلب. وفي حضوري وبصوت قاطع أعطاه أمرًا بإطلاق النار على الفاعلين إن لم يكفوا عن عملهم، بعد إنذارهم. غير أن المحافظ خانته أعصابه. فهو من القضاة المحترمين، أخذ إلى منصب محافظ حلب لسمعته القضائية الطيبة. فهو إذن بعيد عن مواجهة المواقف الإدارية الصعبة. لذلك انتقلنا إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء المقابل لمكتب أحمد قنبر في السراي القديمة، على ضفاف بردى، وهناك تمَّ الاتفاق على اتخاذ إجراءات حازمة:
أقيل محافظ حلب بدري الجراح وعين بدلًا عنه سعيد السيد محافظ حمص، وكلف بالالتحاق فورًا بعمله.
وأعلنت الأحكام العرفية في حلب في الحال.
وتمَّ انتداب ثلاثة وزراء، أحمد قنبر (وزير الداخلية) ومجد الدين الجابري وكلاهما حلبيان وخليل الكلاس وزير الاقتصاد البعثي، للسفر إلى حلب والعمل على قمع الفتنة فيها وإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية.
واتخذ رئيس الوزراء قرارًا بوصفه الحاكم العرفي بتأليف محكمة عسكرية من عدد من الضباط، سافرت إلى حلب بالطائرة في الحال.
وقد اقترح وزير الداخلية على أعضاء المحكمة العسكرية أن تبدأ التحقيق مع صاحب جريدة التربية، لمعرفة مصدره ودافعيه إلى وضع العناوين المثيرة عن القتلى والجرحى في دمشق وغيرها.. وإشعال الفتنة.. مع أن كل ما كتبه غير صحيح.
واتخذت بعض الأوساط السياسية، التي كانت تحارب حزب الشعب، هذا الحادث الإجرامي مناسبة لاتهام الحزب، وفي مقدمة أعضائه أحمد قنبر، بأنهم ضالعون في هذه العملية.. بل ذهبت بعض الصحف «الصادقة والشريفة» إلى الربط بين عملية العدوان الطائفي في حلب، والهجوم الثلاثي الإجرامي على قناة السويس.
وكانت أراجيف فظيعة، أحببت أن أعقد لها هذا البحث، حتى يتضح الحق أمام الباحثين في خفايا السياسة المعاصرة.
وفي الجلسة التي عقدها مجلس النواب، يوم 29 تشرين الأول 1956 (أي اليوم التالي للفتنة)، تكلَّم عدد كبير من النواب حول هذا الموضوع.
وأودُّ أن أنقل أجزاء من أقوال بعض النواب، من اتجاهات مختلفة، تاركًا لمَن يودُّ التوسُّع أن يعود إلى محضر هذه الجلسة في مذاكرات مجلس النواب. وحين أعطيت الكلمة لرشدي الكيخيا قال:
«في الجلسة الماضية تعهَّد رئيس الوزراء بأن الحكومة تتحمَّل كامل المسؤوليات المترتبة عليها، وهي تحرص على فرض النظام في كافة المدن السورية.. غير أن الحوادث المؤسفة التي وقعت في حلب كادت تجرُّ البلاد إلى فتنة عمياء تسيء إلى سمعتها وإلى كرامة الدستور وهيبة القانون وإلى كرامة المجلس والحكومة في آن واحد. وكنا نعتقد أن الحكومة اتخذت جميع التدابير المانعة لاتقاء مثل هذه الأمور. لكن ما حدث في حلب أعطانا الدليل على أن الأمر لم يكن كما تصورناه. والآن تلوك الألسنة شائعات كثيرة حول هذا الموضوع، فالبعض يتهم حزبًا من الأحزاب والبعض الآخر يتهم فردًا من الأفراد. ونحن لا نريد أن نتهم أحدًا قبل أن يجري التحقيق.. لذا نرجو من دولة رئيس مجلس الوزراء ومن الحكومة اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تزيل الغموض عن هذا الموضوع لكي نعلم من هم أولئك الجناة الذي ارتكبوا هذه الجرائم.
والذي نرجوه من الحكومة هو عدم التلكؤ في كشف النقاب عن الفاعلين الأصليين الذين دفعوا فريقًا من أفراد الشعب لارتكاب أفعال كادت تجر البلاد إلى فتنة عمياء نحن لا نرضاها، لأننا نريد أن يبقى الشعب السوري متكافلًا متضامنًا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا..».
وقد أجابه رئيس مجلس الوزراء صبري العسلي قائلًا:
«يؤسف الحكومة كل الأسف ويحز في نفسها ألمًا أن تكون نتيجة التظاهرات والإضرابات في حلب هذا العمل الإجرامي الهدام من بعض الذين لا يحبون النظام والانتظام. وهذا أمر يستنكره المجلس ويستنكره كل مواطن محب لبلاده. وعلى هذا الأساس أعلنت حالة الطوارئ بحلب وذهب إليها ثلاثة وزراء للإشراف على التحقيق الذي جرى. وقد وجه مجلس الوزراء، الوزراء المكلفين بالإشراف على التحقيق جملة وتفصيلًا أن يكونوا باحثين بالجد اللازم عن المباشرين والمتسبِّبين والمتدخلين سواء كانوا رسميين أو من المواطنين، لأن هذا أمر جلل وكبير جدًّا. والآن يوجد في السجون سبعون شخصًا رهن التحقيق».
وتكلَّم عبد الكريم زهور (نائب حماة) فاتهم الدول الاستعمارية وإسرائيل والأنتليجانس سرفيس البريطانية.
ونقر نوفل إلياس على وتر الطائفية البغيض.. لكنه تعثر كثيرًا!.. وتكلَّم فيصل العسلي محملًا الحكومة المسؤولية، لأن مجلس النواب نبهها إلى ضرورة اتخاذ الاحتياطات الضرورية.
وحين أعطاني رئيس المجلس الكلام (وأنا عضو في الوزارة ووزير للمعارف حرصت أن أتكلَّم عن حادث جلل وقع في بلدي) قلت:
«إني لا أستطيع أن أتخيَّل أن ما جرى كان القصد منه الإضرار بكنيسة أو بأحد المسيحيين. والذي أقدره أن هذه الاندفاعات الشعبية القوية إنما انبعثت من قلوب عربية أصابتها الطعنة من الفعلة الفرنسية الشنعاء، فأراد المتظاهرون أن يعبروا عن احتجاجهم كما احتجَّ العالم العربي بأسره. وقد تعرضوا لبعض الأبنية التي يملكها الفرنسيون. وقد أيَّدت التحقيقات التي وصلتنا حتى الآن، أنه لا يوجد استغلال سياسي. وأنا قانع بأن إخواننا المسيحيين قانعون بأن الغضب الشعبي لم يكن أبدًا موجهًا إليهم، لأنهم واثقون من أنه ليس حركة طائفية ذميمة».
وطالبتُ بإرجاء البحث في هذا الموضوع إلى أن تنتهي التحقيقات الجارية. وقد أيَّدني المرحوم الكيخيا بتأجيل البحث..
ووافق المجلس على هذا التأجيل.
وقد وضعت الحكومة مشروع قانون بتخصيص مئتي ألف ليرة لإصلاح الأضرار التي أصابت المدارس الفرنسية، وتمَّت الموافقة عليه في جلسة 16 تشرين الثاني 1956.
وفي هذه الجلسة طالب أكرم الحوراني ورشاد برمدا بكشف التحقيق الجاري.. ورد عليهما رئيس الوزراء بقوله:
«إن هذا الحادث لم يكن إلا عملًا إجراميًّا قام به بعض السذج البسطاء بالاشتراك مع بعض الغوغاء الذين لا يستطيعون أن يقدروا النتيجة الحتمية لمثل هذا العمل الإجرامي.. وقد انتهى التحقيق أول أمس وسيرفع مع الأوراق إلى المحكمة المختصة لمعاقبة المجرمين على ما ارتكبته أيديهم الخبيثة..
وقد عوقب المسؤولون الرسميون: فأقيل المحافظ (بدري الجراح) ونقل رئيس الشعبة السياسية. وفي نيتنا إحالة المسؤولين الرسميين إلى مجلس التأديب».
وفي الحال تكلَّم رشدي الكيخيا فقال:
«بلغني أن هناك من يتهم وزير الداخلية بالتقصير ويطلب إحالته إلى المحكمة. وقد رفع التقرير بهذا المعنى إلى دولة رئيس الوزراء.. فماذا جرى في هذا الموضوع؟».
ورد رئيس مجلس الوزراء بما يلي:
«نحن نقول واضحًا وصريحًا أن وزير الداخلية لم يكن مسؤولًا عن كل ما نسب إليه، لأنني كنت مشرفًا على سائر الإجراءات التي اتخذها معاليه. وقد سبق له أن أعطى الأوامر المشدَّدة بإطلاق النار على أولئك المهاجمين. لكن بعض الموظفين تراخوا في إجراء وإنفاذ هذه الأوامر، مما دعانا لأن نتخذ في حقهم الإجراءات المسلكية اللازمة».
وعاد رشدي الكيخيا وسأل رئيس الوزراء عما فعلته اللجنة الوزارية في حلب، فأجاب: بأن وزير الاقتصاد خليل كلاس، أحد الثلاثة، قال في تقريره إلى مجلس الوزراء، إننا استمعنا إلى بعض المسؤولين في حلب، وكان ممكنًا أن نتابع التحقيق، إلا أن رئيس مجلس الوزراء استدعانا، فور توجيه الإنذار البريطاني الفرنسي إلى مصر، فعدنا لمواجهة الأوضاع الخطيرة المستجدة.. وقد جاء في تقرير اللجنة الثلاثية أن هناك تقصيرًا من بعض الموظفين.. وقد تمَّت معاقبتهم..

وقد رغب المرحوم إحسان الجابري (المجاهد القديم ونائب حلب) في إلقاء الضوء على تقرير كتبه المحافظ المقال، جاء فيه: إنه أعطى الأوامر بإطلاق النار بحسب الأوامر التي تلقاها من وزير الداخلية، لكن الموظفين تقاعسوا عن التنفيذ.. ذهابًا من هؤلاء الموظفين إلى أنهم كانوا يتلقون أوامر شفهية من رؤسائهم الكبار، غير أن هؤلاء كانوا يتنصَّلون فيما بعد من أوامرهم.. ويلقون التبعات على عاتق الصغار المنفذين.
إلى هنا، وأنا مؤلف هذا الكتاب، شاهد على صحة ما قاله رئيس الوزراء والنواب، خاصة وأن وزير الداخلية أصدر أوامره في حضوري.
ومن مدة قريبة، سلمني الأستاذ أحمد قنبر رسالة خطية قال فيها إنه اعتقل في سجن تدمر العسكري ما بين 16 آب 1966 و7 حزيران 1967 مع عدد من السياسيين من مختلف الاتجاهات والأحزاب السابقة وبعض البعثيين المعارضين لنظام الحكم. وهناك توثقت الصلات الإنسانية والودية بينه وبين أحد المعتقلين البعثيين. وقد أسر له هذا الجار في المهجع، بأنه سمع من ضابط «بعثي» كان يعمل في المخابرات العسكرية بحلب في تلك الفترة، بأنه هو الذي رتب أمر إحراق المدارس المسيحية لإحراج حزب الشعب وتشويه سمعة أحمد قنبر.
وكان رشدي الكيخيا، المعتقل أيضًا، على علم بهذا الحديث.
ومما يثلج الصدر ويبهج النفس أن إخواننا المسيحيين في حلب خاصة قابلوا بالازدراء كل الإشاعات التي روجها أصحاب الضمائر المريضة!..
وأثبتت الوحدة الوطنية أنها صخرة تتحطَّم عليها مؤامرات الضالّين المضلِّين.
الحواشي:
[1] قرَّرت سورية منع تصدير الحبوب إلى فرنسا، على الرغم من أنها كانت في حاجة إلى هذا التصدير.
[2] فقد زارنا وفد من الثوار الجزائريين برئاسة أحمد بن بللا (الذي أصبح رئيسًا للجمهورية الجزائرية المستقلة) وتفاوضنا معه، وقدمنا له ما كان في استطاعة البلاد أن تقدمه. ويومها كنت وزيرًا للمالية التي تدفع المعونات.