الفصل الحادي عشر، الجزء 8: مفاوضات شركة نفط العراق
الفرع السادس
مفاوضات شركة نفط العراق
تمرُّ عبر سورية من شرقها إلى الغرب أنابيب تحمل نفط العراق الخام إلى الساحل السوري في بانياس، ومن هناك ينتقل بالناقلات الكبيرة المتخصصة إلى أوربا وغيرها. وتتقاضى سورية لقاء مرور النفط عائدات بالعملة الصعبة من الشركة الإنكليزية التي تملك النفط والأنابيب. وقد كان المبلغ قليلًا نسبيًّا. فلما توليت وزارة المالية في حكومة الأستاذ سعيد الغزي (13 أيلول 1955-14 حزيران 1956)، وجهت رسالة إلى الشركة البريطانية أطلب منها فتح مفاوضات بيننا من أجل حصولنا على عائدات عادلة، وقلت في الرسالة إن أي اتفاق بيننا سوف يحدث أثره من تاريخ هذه الرسالة. والغاية من ذلك قطع الطريق على المناورات وإطالة المفاوضات، كسبًا للوقت. وقد احتجت الشركة على هذا التحديد، بحجّة أنها شركة مساهمة وأنها تصفي حساباتها مع عملائها ومساهميها عامًا فعامًا.
وصدر مرسوم جمهوري بتشكيل الوفد السوري برئاستي. وكان في الوفد الدكتور رزق الله الأنطاكي وزير الاقتصاد وبعض كبار موظفي الدولة: الدكتور عزة الطرابلسي حاكم المصرف المركزي والدكتور عدنان الفرا مدير المصرف المركزي والأستاذ رفيق السيوفي الأمين العام لوزارة المالية والدكتور حسني الصواف أمين عام وزارة الاقتصاد.
وبالإضافة إلى كفاءات أعضاء الوفد المشهود لهم بها، فإنهم كانوا يتمتَّعون بسمعة عطرة من حيث سلوكهم الوظيفي والشخصي، لذلك كان انطلاقنا في مفاوضتنا مع الإنكليز من أرض صلبة.. ومن برِّ آمن غير ملغوم.
وكان يرأس الجانب البريطاني المستر هيريج.. وهو طويل القامة معروقها.. ويتمتَّع بقدرة عجيبة على النقاش قل أن يوجد لها مثيل.
ولقد قلت له مرة ممازحًا.. «لقد علمتني ما هو الصبر».
وبسبب خطورة النتائج المترتبة على هذه المفاوضات قرَّرت أن أطلع عليها خطوة خطوة رشدي الكيخيا بوصفه رئيسًا للحزب، والأستاذ أكرم الحوراني، بوصفه زعيمًا بارزًا من زعماء المعارضة.
وكنت قانعًا أنه لو اعترض أحدهما على الاتفاق الذي توصلنا إليه، لما كنت وقعت عليه.
ومثل هذا المسلك مألوف في مثل هذه المباحثات التي يترتَّب عليها نفع كبير للبلد أو ضرر جسيم.. وخير لي أن أظفر بنصحهما وتأييدهما وأستفيد من ملاحظاتهما.. وهذا الاجتهاد من جانبي يتضمَّن حكمًا إشراكهما في المسؤولية وقد اعترضتنا في مفاوضتنا مشكلة كبرى، هي أن الشركة رفضت مبدأ حساب النقل من كركوك، حيث ينبع النفط. وأصرَّت على احتسابه من مرفأ البصرة حيث ينقل إلى السفن، أي أنها رفضت احتساب الأراضي العراقية في حساب العائدات.
وكان شعوري أن الشركة على حق في ادعائها هذا. لكن قبولنا به سوف يحرمنا من نسبة عائدات النقل بين كركوك والبصرة.
وقد أقر الزعيمان بسلامة منطق الشركة هذا.
وعرضت عليهما مسودة الاتفاق بعد ثلاثة أشهر من مفاوضات مضنية فعلًا فوافقا عليه. وهكذا كان.
ونتيجة لهذا الاتفاق قفزت عائداتنا السنوية من 13 مليون ليرة سورية إلى 65 مليون ترتفع حتى تصل 85 مليون. وعلاوة على ذلك حصلنا - بفضل الرسالة التي وجهتها إلى الشركة - على 85 مليون ليرة دفعة واحدة عن المفعول الرجعي للاتفاق.
وبذلك نكون قد ظفرنا بمبلغ كبير، نتقاضاه بالعملة الأجنبية (الإسترليني الإنكليزي).. وقبل أن آوي إلى فراشي ذلك اليوم اتصل بي رئيس الوزراء وأخبرني أن القوات المسلحة تطلب في الحال مبلغ 40 مليون إضافية. ولم يكن طلب أحلى إلى القلب من طلب تخصيص مبلغ كبير كهذا يتحوَّل إلى طائرات ومدافع تصد كيد العدو المتربص.
وقد دفعت الشركة، بموجب العقد ثلاثة ملايين ليرة إضافية، خصَّصناها للبلديات الفقيرة.. كما أنها مدَّت قساطل ماء من عين تقع على بعد عشرة كيلومترات عن تدمر، إلى هذه المدينة الأثرية.. وعبدت على حسابها طريق حمص - تدمر. ولم يخرج الصحفيون «من المولد بلا حمص» فنشرت صحفهم نصوص الاتفاقية على أيام طويلة مقابل أجور سخية.. كإعلانات مأجورة من الشركة الإنكليزية، فكانت لهم ليلة القدر.
وقد ألهمني الله أن أطلب إدخال فقرة في الاتفاق تشترط حساب عوائدنا على أساس ربطها بقاعدة الذهب. وقد بدا طلبي غريبًا في تلك الأيام التي كانت قوة الإسترليني فيها لا تقل متانة عن الذهب. ولم يبد المفاوض الإنكليزي ممانعة، لثقته التي لا حدود لها بقوة عملة بلاده.
وقد أثبتت الأيام سلامة حدسي في مستقبل حقنا وحفظه بدعمه بأسعار الذهب.. ونظرة في أسعار الإسترليني في السوق اليوم ومقارنتها بسعر الذهب تغني عن الشرح.
ولم أكن متنبئًا بالطبع، لكن الاحتياط واجب على كل مسؤول.
وكان أعضاء الوفد السوري كرماء مع دولتهم، فلم يطلبوا أي تعويض عن الساعات الإضافية التي قضوها في المفاوضات.. وكانت في الأصل لا تعدو أن تكون بضع مئات من الليرات لكل عضو.. وطلبت لهم من رئيس الوزراء أوسمة فوافق على ذلك. وتسلموها وهم سعداء بتكريم جهودهم.
وبالطبع فقد استثنيت نفسي من هذا التكريم.
وقد استدعاني فخامة الرئيس إلى مكتبه في اليوم الثاني، حين حدثوه عن طلب القوات المسلحة لمبلغ الأربعين مليونًا.. وبعد مدخل من الحديث بسيط سألني: هل يخبرك مفتشوك عن كيفية إنفاق ميزانية الجيش؟
وأجبته بأن مالية الجيش ذات طابع سري.. ونحن نخصِّص المبلغ في الميزانية ثم لا يعود لنا علاقة بطرق صرفه.. فاستغرب الوضع، وهو على صواب في استغرابه وقال:
لماذا لا نخضع ميزانية الجيش إلى أسلوب المراقبة المالية.. فقلت له، هذا هو الصواب والمتعارف عليه في البلاد الأخرى. وعلى أثر المحادثة طلب مني إعداد مشروع قانون.. بإخضاع ميزانية الجيش إلى إشراف وزارة المالية.
وودعته.. وبدأت بنزول السلم فإذا به يناديني.. فرجعت، فقال نرجئ هذا الموضوع إلى وقت آخر. فقلت نرجئه.. ونام الموضوع نومة أهل الكهف.
وفي أيام الوحدة طلب مني المشير عبد الحكيم عامر أن أحضر في القاهرة مناقشة ميزانية القوات المسلحة في الإقليمين.. فاستغربت ذلك لأنه تعامل غير مألوف لي.. واستغرب هو استغرابي.. وحضرت المناقشات التي كانت في الماضي سرية عن وزراء المالية السوريين.
وأدهشني أن وزارة المالية المصرية كانت تناقش القوات المسلحة على الكبيرة والصغيرة وتسأل عن وجه صرف هذا المبلغ أو ذاك، وهذا لازم، وهذا يمكن الاستغناء عنه، كما نفعل نحن مع دوائر وزارة الأوقاف مثلًا.
وناقشت في هذه الجلسة بنود ميزانية «الجيش الأول» - وهو الجيش السوري - وشعرت حقًّا أنني وزير للمالية، من حقه ومن واجبه أن يعرف أين وكيف تصرف أموال الشعب..
وفي هذه الفترة من المشادة مع بريطانيا (راعية حلف بغداد) عرفت أنه توجد في دولة الباكستان مطابع راقية لطباعة العملة الورقية. وكانت سورية تطبع عملتها في بريطانيا، وتدفع أجورًا عالية. وقدرت أن المصلحة العامة تقضي بالتوجُّه إلى بلد صديق لطبع عملتنا في مطابعه. وكانت الباكستان - ولا تزال - نصيرًا صادقًا للقضايا العربية، خاصة قضية فلسطين. وكان دافعي إلى هذا التحوُّل أن الجو السياسي كان مكفهرًا مع بريطانيا ويخشى أن يحدث مكروه للعملة السورية إذا تفاقم التوتر معها. ثم إن التوجه إلى الباكستان يخلصنا من وجه من وجوه التبعية للغرب، ويوفر على الدولة مبالغ طائلة من العملة الصعبة، كانت في مسيس الحاجة إلى توفيرها.
وقد بارك رشدي الكيخيا هذه الخطوة التحريرية وشجعني عليها..
وتمَّ طبع الأوراق من فئات خمس وعشر وخمس وعشرين وخمسين ومئة وخمسمئة ليرة وهي تحمل توقيعي.. ولا تزال هذه الفئات في التداول. لكن الجديد منها تحمل تواقيع جديدة أيضًا.. لمسؤولين جدد.
وأعترف أن نظري لم يقع في تلك السنوات (من الخمسينيات) على الورقة المالية الكبرى، لأن مرتب أستاذ جامعة من المرتبة الأولى والدرجة الأولى - أي أعلى مراتب الأستاذية - كان في حدود 600 ليرة في الشهر. وكان ينعم بها بمستوى عال من المعيشة.
لذلك فإني (في أواخر التسعينيات) أستغرب سقوط «كرامة» هذه الورقة، لأنها لا تكفي ثمنًا لوجبة طعام في مطعم متوسط.
ومن طريف ما حدث لي، أنني كنت احتفظت بواحدة من كل ورقة نقد تحمل توقيعي كذكرى لي وللأسرة. غير أنني وجدتها لقطة أيام الانفصال فصرفتها. وبعد سنوات، وقد تحسنت الأحوال، حاولت الحصول على هذه الأوراق، فوجدتُ أنها سحبت من التداول، كما أخبرني المصرف المركزي أنه لا يحتفظ بنماذج من «الأوراق القديمة».