الفصل السابع، الجزء 2: نظافة العهد الوطني واغتيال الشهبندر واستقالة الكيخيا من الكتلة
5. كان رشدي الكيخيا شديد الحرص على نظافة العهد الوطني، وكانت له في هذا المجال جولات مشهودة.. أجتزئ منها ما يلي:
أ. تقدَّم 41 نائبًا إلى المجلس باقتراح قانون يتضمَّن إعفاء «المزارعين المساكين» من بقايا الضرائب المترتبة عليهم بين أعوام 1928 حتى 1934، بحجّة سوء المواسم الزراعية.. وهي نغمة كنا نسمعها فيما بعد منهم ومن حلفائهم الأقربين. ولم يستطع رشدي أن يصبر على هذا النهب المتلبس عباءة التشريع وعقال الإرادة الشعبية، فوقف في وجه زملائه يصرخ[1]:
«أنا أستغرب جدًّا أن يتقدَّم واحد وأربعون نائبًا من نواب هذه الأمة بطلب إسقاط البقايا المدورة من السنين السابقة، مع أنكم تعلمون جميعًا الوضع العصيب الذي تجتازه الأمة، والأعباء الثقيلة الملقاة على عاتق الحكومة، وتعلمون أن جميع هذه البقايا قد جبيت من الفلاح الفقير ولم يبقَ عليه شيء منها لأن سياط الجند كانت تلهب ظهره، والجباة يتحكَّمون فيه تحكُّم السيد بعبده، فيحجزون أمتعة بيته ويبيعونها بالمزاد العلني. لذلك فإن الأشخاص الذين سيستفيدون من هذا الإسقاط، إذا أقرَّه المجلس، هم الذين كانوا في الدور الماضي يتنعَّمون بأموال الأمة ويحتكرون كل خيراتها. لذلك فأنا أقترح أن يردَّ المجلس هذا الطلب صيانة لأموال الأمة وتأديبًا لمثل أولئك الذين يأكلون أموال الفقراء ويتنعَّمون بنتائج كدهم..».
وقد أيَّده في هذا الموقف زميله نائب حلب عبد القادر السرميني الذي قال:
«إن عددًا من نواب المجلس السابق كانوا مدينين للدولة، وأصدروا قرارًا بإسقاط الديون المترتبة عليهم».
ب. أقرَّ المجلس النيابي تشكيل «لجنة تشريعية» من خبراء مختصِّين في التشريع لمساعدة الحكومة على تحديث القوانين وسنِّ القوانين الجديدة التي تحتاج إليها الدولة في مرحلة تنظيم الحياة العامة الاستقلالية. وكان سرور الكيخيا بهذه اللجنة كبيرًا، ظنًّا منه أن القوانين التي ستضعها سوف تدفع بالبلاد إلى طريق التقدُّم والخلاص من تشريع لم يعد قادرًا على مواكبة تطوُّر الشعوب الأخرى.
وراحت هذه اللجنة تمارس عملها بمراقبة عمل الحكومة. فثار عليها رئيس الوزراء جميل مردم وطالب أن يقتصر دورها على أن تظلَّ مجرّد لجنة استشارية، أي أنه أراد حرمانها من المبادهة في التعرُّف إلى حاجات البلاد.. ولم يكن هذا وضعًا مجديًا.
والذي يقرأ وقائع الجلسة السادسة بتاريخ 2 تشرين الثاني 1937 يجد أن أحدًا من النواب لم يقبل بأن إنشاء هذه اللجنة التي تتقاضى مكافآت جيدة (علاوة على رواتب أعضائها الذين كان الدكتور العجلاني واحدًا منهم)، إنما تمَّ من أجل تشريف أعضائها، بل إن الاتجاه كان إلى تحريك عجلة التقدُّم التشريعي ووضع القوانين التي تتمشَّى مع حاجات العصر.
وقد كان انتقاد الكيخيا لرئيس الوزراء لاذعًا، لأنه قاوم أعمال اللجنة وخشي أن تتمادى في مهمتها إلى حدٍّ لا يحبُّه لأوضاع الطبقة الحاكمة.
وفيما يلي مقطع معبِّر من خطابه في هذه الجلسة:
«إذا كانت مهمة اللجنة التشريعية مقتصرة في مفهوم الحكومة على الاستشارة فقط، فأنا أقترح إلغاءها لأن الفائدة المتوخاة منها غير متحقِّقة. وإذا كنا نحن وافقنا على تشكيلها في الدورة الماضية فإنما فعلنا ذلك من أجل تهيئة القوانين والأنظمة الجديدة التي ليس لدى الدولة ما يماثلها. لكن الحكومة عدَّلت اقتراحاتها وصاغتها في قالب آخر مما أدَّى إلى ضياع قيمتها الأساسية.. لذلك نحن نرجو من الحكومة أن تطلق يد هذه اللجنة وتترك لها العمل لتضع القوانين اللازمة وتسدّ حاجات الشعب. وإذا كان عملها سيقتصر على الاستشارة فحسب، فنحن نطلب الاستغناء عنها وتوفير المال الطائل الذي تتقاضاه ليبقى للأمة التي هي في حاجة إليه.. فشعبنا فقير ولا يستطيع أن يدفع المال من دون أن يحصل على استفادة منه»[2].
ج. رأى فريق من النواب ضرورة زيادة رواتب الموظفين الصغار، فتقدَّموا باقتراح قانون من أجل تحقيق هذه الغاية. غير أن مجرّد اقتراح القانون لا يغني شيئًا عن مضمونه.. ذلك أن المسالة الشائكة في اقتراح القانون المتضمن نفقة، هي في إيجاد مورد يكفي لسداد هذه النفقة.
وقد تضاربت آراء النواب في طبيعة هذا المورد. فاقترح نائب دمشق فخري البارودي زيادة العشر الذي يؤخذ من المحاصيل الزراعية. لكن النواب المزارعين عارضوا هذا الاقتراح بشدّة، فانبرى لهم رشدي الكيخيا، وهو في حقيقته واحد منهم، ولامهم على هذه المعارضة قائلًا:
«إن ضريبة المزارع، وهي العشر، قد هبطت إلى ثلثها عمليًّا بعد سقوط الفرنك الفرنسي (الذي كانت العملة السورية مرتبطة به آنذاك)، لذلك فإن هذه الزيادة عادلة لأنها مخصَّصة لإنقاذ الموظف من محنته، ثم إنها زيادة غير فاحشة. أقول هذا بصراحة أمام المزارعين الذين أمثِّلهم وأمام غير المزارعين. وإني أعلم أن ما سوف يضاف على الضريبة ليس مما يستدعي الشكوى والنحيب».
وتجدر الإشارة إلى أن مبلغ الزيادة في الضريبة كان في حدود 250 ألف ليرة فقط. وقد اقترح فخري البارودي تأمين هذا المبلغ من إجراء يانصيب تجريه الدولة بين المواطنين.. فاستهجن رشدي الكيخيا هذا العبث وأصرَّ على زيادة الضريبة الزراعية، وطالب المجلس «بضرورة توزيع الضرائب في البلاد توزيعًا عادلًا والتخلُّص من الأنظمة المالية البالية»[3].
وقد غمز من قناة النائب نجيب البرازي، وهو مزارع كبير تحمَّس لزيادة الرواتب، لكنه لا يريد زيادة الضريبة المذكورة، موجّهًا إليه الكلام:
«إذا كنت تريد زيادة رواتب صغار الموظفين وترفض زيادة الضرائب على الزراعة، فمن أين تجيء بالمال؟»[4].
د. وقد ظلَّ رشدي الكيخيا طيلة هذه النيابة مواليًا لحكومة العهد الوطني مدافعًا عنها بكل قواه. ذلك أنه كان يجدها الأمل الذي تتعلَّق به البلاد لإنقاذ حقوقها من براثن الانتداب، وكان يخشى عليها أن تضعف أو تتصدَّع.
ففي جلسة الثقة التي طرحتها الحكومة على المجلس، تكلَّم الكيخيا فيها أصالة عن نفسه ونيابة عن «منظمة القمصان الحديدية والعباءات الحمر» مطمئنًا الحكومة إلى تأييده بقوله:
«إن الثقة التي تطلبونها اليوم منحكم إياها الشعب منذ أمد طويل لكنا سوف نجدِّدها لكم اليوم نيابة عن الأمة. وإني بصفتي نائبًا عن حلب، المدينة التي أخرجت نوابها بالتزكية، أقول لكم باسمي وباسم القمصان الحديدية والعباءات الحمراء، إننا نؤيِّدكم ونكون تحت أمركم».
وحين عرّض أحد النواب بأحد أعضاء الحكومة دافع الكيخيا عنه قائلًا:
«إن مجلسنا منح الحق للحكومة بإصدار المراسيم التشريعية. ونحن نثق بحكومتنا الموقرة كل الثقة ونشاطرها المسؤوليات الكبرى والأعمال العظمى التي أخذت على عاتقها القيام بها»[5].
وكثيرًا ما ناشد المعارضة في المجلس أن تتفهَّم وضع البلاد فلا تشتدُّ في مواقفها المناوئة للحكومة حتى لا تضعفها أمام الداخل وأمام الفرنسيين. ومن هذه المناشدات خطابه في جلسة 16 كانون الثاني 1939 الذي جاء فيه: «إني أرجو ألَّا تكون المعارضة ضد هذه الحكومة وضد الكتلة الوطنية وضد المجلس النيابي خاصة وإن هذا المجلس قد برهن عن إخلاص ووطنية صحيحة»[6].
لكن هذا الولاء للقادة الذين كانوا يحكمون البلاد من أجل إيصالها إلى جنّة الحرية والاستقلال أخذ يهتزُّ مع مرور الأيام.
فقد فشلت الكتلة الوطنية في حمل فرنسا على تصديق المعاهدة السورية الفرنسية وبذلك اهتزَّت قاعدتها السياسية في الحكم، وهي انتزاع الاستقلال وإنهاء سبة الانتداب.
ورغم ذلك فقد ظلَّ رجالها يعتبرون أنفسهم أصحاب حق في إدارة البلاد وتمثيلها، وكانوا يضيقون ذرعًا بكل شخص يوجِّه إليهم نقدًا أو يعارضهم في تفرُّدهم بالسلطة. وهذا سعد الله الجابري رئيس مجلس الوزراء، المشهود له بوطنيته ونظافته، يتَّهم المعارضين بالخيانة. فقد نقل عنه الأستاذ نصوح بابيل قوله:
«قاطعوا الخائن وارجموه.. وتأكَّدوا أنه لا توجد في البلاد أحزاب غير الكتلة الوطنية. إن مصلحة الوطن تقضي بأن تقاوم كل حزبية وكل عمل من شأنه أن يشوِّش على هذا الدور الإنشائي»[7].
ويرى بعض الباحثين، أن قيام معارضة في وجه الكتلة الوطنية، إنما بدأ منذ تمَّ عقد المعاهدة السورية الفرنسية لعام 1936. فقد وجد بعض الساسة، وعلى رأسهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ومنير العجلاني، أن في هذه المعاهدة تفريطًا في حقوق البلاد، وطالبوا بالتخلِّي عنها، الأمر الذي حمل رجال الكتلة الوطنية على مهاجمتهم بعنف. وقد أدَّى هذا العنف إلى انتشار كراهية شديدة في بعض أوساط الشعب ضد المعارضين، كان من نتائجه اغتيال الدكتور الشهبندر في عيادته يوم 7 تموز 1940.
وللذكرى أقول إن الدكتور عبد الرحمن الشهبندر اشترك في ثورة 1925، فلما قضى الفرنسيون عليها غادر البلاد واستقرَّ في مصر، غير أنه عاد إلى دمشق عام 1938، وباشر نشاطًا سياسيًّا ملحوظًا مع عدد من الساسة الناقمين على سياسة جميل مردم.
وقد اتجهت أصابع الاتهام إلى رجال الكتلة الوطنية.. لكن حين جرت محاكمتهم أمام مجلس عدلي (أي محكمة جزائية استثنائية) برئاسة قاض فرنسي وعضوية قاض فرنسي وثلاثة قضاة سوريين تقرَّرت براءة الكتلويين (الفارين) سعد الله الجابري ولطفي الحفار وجميل مردم، وصدر الحكم بإعدام خمسة متهمين وبالأشغال الشاقة على أربعة.. وتمَّ تنفيذ حكم الإعدام في المحكومين كما صدر[8].
ويظلُّ السؤال مطروحًا على الضمائر: مَن كان وراء اغتيال الدكتور الشهبندر؟ لقد طرحت هذا السؤال، في جلسة مسائية من عادتنا أن نعقدها أسبوعيًّا، مع بعض قضاة تلك الأيام. وكان ذلك يوم 1/11/1992.. فلم يستطع أحد منهم أن يجزم بشيء..
قال القاضي الأستاذ نصوح الأيوبي، إنه كان معاونًا للنائب العام. وحضر إلى موقع الجثة، وباشر التحقيق الأولي.. لكن النائب العام نصحه بالابتعاد عن «هذه القضية القذرة».
وقال القاضي عبد الجواد السرميني، إنه كان يحضر محكمة المتهمين، كفرد عادي من الناس.. وقد لفت انتباهه وجود الشيخ مكي الكتاني بين المشاهدين، ولاحظ مدى تأثيره على جميع المتهمين، الذين بقوا رابطي الجأش.
وذكر القاضي ماجد الغزي، بأن أول مَن كُلِّف بالتحقيق في هذه القضية هو قاضي التحقيق فلاديمير سبع (من القضاة السوريين) وهو حسن السمعة غير أنه استبعد عنها، وسُلِّمت إلى قاض فرنسي اسمه كويتو، شهدوا له بالنزاهة أيضًا.
ولم يقطع أحد برأي عن المحرضين.. وخاصة فيما يخصُّ رجال الكتلة الوطنية.. لكن الذي قيل إن المتهمين كانوا من المتدينين وكانوا يتبعون دروس الكتاني ويتأثَّرون به.. ومن المحتمل أن يكونوا أخذوا على الشهبندر آراءه في موضوع الدين، التي نشرها في كتابه «علم الاجتماع» الذي قام بتدريسه في معهد الحقوق.
غير أن الحاضرين من تلامذة الشهبندر في معهد الحقوق المذكور، أكَّدوا أنه ليس في هذه الآراء ما يؤذي مشاعر المسلمين.. وهي آراء مألوفة في الدراسات الاجتماعية.
وإذن - وهذا رأي غالبيتهم - فصاحب المصلحة هم الفرنسيون، الذين حقَّقوا لأنفسهم كسبًا كبيرًا من وراء الاغتيال، هو ضرب السوريين بعضهم ببعض ونشر نيران الفتنة في البلاد.
على أن يد الاستخبارات البريطانية لم تبرأ أيضًا.. وهي أكثر مهارة من الاستخبارات الفرنسية.
ويبقى السؤال قائمًا: مَن قتل الشهبندر؟
الفرضية المرجحة، هي أن القتلة كانوا متدينين، وليس معقولًا أبدًا أن يكونوا على صلة بجهة أجنبية، تكلِّفهم مباشرة بالقتل، فيقبلون مخالفة أمر الله.. فيبوؤون بغضبه وينالون عقابًا صارمًا في الدنيا.
فلا بدّ إذن من جهة استغلَّت هذه العاطفة، فكانوا ضحية خبثها! وهذه الجهة هي الحلقة المفقودة في هذه الجريمة.
على أنه لا بدّ من القول إن الشهبندر وقف في الحرب العالمية الثانية إلى جانب فرنسا وإنكلترا: معللًا موقفه «بأنهما ديمقراطيتان»، وألقى سلسلة من الخطابات لدعم مجهودهما. ومما قاله في إحدى خطبه: «إذا كانت الديمقراطية كفرًا»، فأنا كافر. «ومعروف أن عواطف الناس كانت إجمالًا» مع ألمانيا، بسبب عدائها للدولتين المستعمرتين.
إضافة إلى ذلك، فقد كان الشهبندر صريح الدعوة إلى سفور المرأة المسلمة.
وقد اسْتُغِلَّ هذان الموقفان ضده أقبح استغلال[9].
ويذهب الأستاذ أسعد الكوراني إلى أن الكتلة الوطنية أخذت تتفتَّت بسبب استئثار رجالها بالسلطة وبسبب معارضة الدكتور شهبندر «الذي أخذ يعمل مع أناس في ماضيهم شبهات كثيرة»[10].
كذلك تسلَّل الخلاف إلى صفوف قادة الكتلة الوطنية أنفسهم، فأخذ جميل مردم رئيس الوزراء في تلك الفترة من الحكم الوطني، يتصرَّف تصرُّفًا شخصيًّا مخالفًا لآراء إخوانه، فقد كانت الحكومة السورية تفاوض الفرنسيين على استلام المؤسسات التي كانت تديرها فرنسا في سورية، وكان وزير المالية المرحوم شكري القوتلي منهمكًا في مفاوضتهم من أجل استلام المصرف السوري لكي يجعل منه نواة المصرف المركزي المقبل. لكنه سافر إلى الحج قبل أن ينجز هذه الاتفاقية. وهنا نشط رئيس الوزارة جميل مردم وسارع إلى استئناف المفاوضة باعتباره وزيرًا للمالية بالوكالة خلال فترة غياب الوزير الأصيل، ووافق على ملاحق المعاهدة بشأن استلام المصرف السوري خلافًا لما أوصى به الوزير الأصيل. وحين عاد القوتلي وعلم بما تمَّ في غيابه وأن العمل الذي أقدم عليه مردم ضار بمصلحة سورية، قدَّم استقالته من الحكومة ولزم بيته، وادَّعى بأنه استقال لأسباب صحية حتى لا يضعف الصف الوطني. وقد جاءت هذه الاستقالة ضربة مؤلمة للصف الوطني، لأنها عمَّقت انشقاقًا بدأت أنباؤه تنتشر في الناس، بين رجال الكتلة الوطنية.
وعن أنباء تصرُّفات فاسدة واستغلالية نسبت إلى بعض القادة الوطنيين، نستشهد بما قاله بعض الذين كتبوا عن تلك المرحلة، ومنهم مَن كان في الصف الأول من العمل الوطني الكتلوي.
فقد كتب الدكتور عبد الرحمن الكيالي وزير المعارف في هذه الوزارة ما يلي:
«كان جميل مردم يصرُّ على السفر إلى باريس لوحده بحجّة العمل على إقناع الفرنسيين بالتصديق على المعاهدة. إلا أن رئيس الجمهورية (هاشم الأتاسي) كان يرفض الموافقة على هذا السفر. وكان لطفي الحفار يتذمَّر كثيرًا من أعمال جميل مردم. ولما أقرَّ جميل مردم ملاحق المعاهدة المعدلة وهو في باريس، غضب عليه الرئيس واتهمه بالخيانة، وطلب من الكتلة الوطنية إقالة الوزارة».
وسارع شكري القوتلي إلى الاستقالة[11].
ولكي يقطع مجلس النواب الطريق على تصرُّف رئيس الوزراء، اتخذ قرارًا جاء فيه:
«إن مجلس النواب يتمسَّك بالمعاهدة السورية الفرنسية التي صدَّقت عليها سورية. وإذا كان من حق البرلمان الفرنسي أن يرفض التحالف مع سورية، فإنه لا يحقُّ له أن ينكر عليها حقها الطبيعي بالاستقلال المعترف لها به في نفس ميثاق عصبة الأمم. وإن مجلس النواب يسجِّل تصريح رئيس الوزراء السيد جميل مردم بك بأنه يعدُّ نفسه في حل من جميع الاتفاقات والعقود التي يمكن أن يكون وقعها، ويعتبرها لغوًا»[12].
وكان هذا قرارًا مؤلمًا لكن الموضوع الذي اتخذ من أجله، يستحقُّ هذه اللطمة.
وكتب يوسف الحكيم يقول:
«إن بعض رجال الحكم جنوا من مهام مناصبهم، هم وذووهم، ثروات لفتت إليهم الأنظار»[13].
وكتب المرحوم نصوح بابيل شيخ الصحافة في تلك الأيام وصاحب جريدة الأيام المعروفة ما يلي:
«وفتحت الحكومة السورية باب التوظيف على مصراعيه، فبدأت بتعيين الأقرباء والأنصار، من دون مراعاة لمؤهلاتهم واستعدادهم للوظائف التي عهد بها إليهم، وبذلك أثارت أطماع الشباب المثقفين فراحوا يكيدون للعهد»[14].
واتهم حسن الحكيم رئيس الوزراء الأسبق رجال العهد الوطني بأنهم «ساروا على سياسة حزبية عمياء وتصرُّفات خرقاء، طبعت العهد بطابع الاستئثار والفوضى والاستغلال وإرضاء الشهوات»، كما اتهمهم بلجوئهم في المرحلة الاستقلالية اللاحقة إلى أساليب وأفكار رجعية قوامها العائلية والمحسوبية والرأسمالية والإقطاعية[15].
وكتب الدكتور ذوقان قرقوط كتابة أشدّ وأقسى عن مفاسد الحكم[16].
وقد أرغمت حكومة جميل مردم على الاستقالة تحت ضغط المظاهرات الشعبية فكلّف رئيس الجمهورية السيد لطفي الحفار بتشكيل حكومة جديدة، فلم ينجح.. فاستقال رئيس الجمهورية وشكَّل المسيو بيو المفوض السامي حكومة المديرين بالقرار 145 ل.ر تاريخ 8 تموز 1939. وبذلك انتهى هذا الشوط من الحكم الوطني بوضع الفرنسيين يدهم على مقاليد الحكم مباشرة. وساعدهم على الاستمرار في هذا الوضع اندلاع الحرب العالمية الثانية. ولست في صدد محاكمة رجال الكتلة الوطنية على ضياع الفرص التي سنحت فلم يحسنوا استغلالها، لأن سوء نيّة الحكومة الفرنسية لعب الدور الأكبر في فشل الدور الوطني. ومع ذلك فإنهم يتحمَّلون قسطًا كبيرًا من المؤاخذة على تصرُّفاتهم السيئة.
وعلى الرغم من انضباطه في سلوكه الملتزم بالكتلة الوطنية، فإن رشدي الكيخيا نبَّه مرارًا رجال الحكم إلى عدم الخروج على القواعد المقبولة في إدارة شؤون الدولة، لكنهم أصبحوا في وادٍ والناصحون في وادٍ آخر.
وقد حدث مرة أن تظاهر طلاب دمشق ضد الحكومة، فضاقت ذرعًا بهم، وأطلقت عليهم رجال شرطتها ومعهم بعض «القبضايات»، فضربوهم واعتقلوا عددًا منهم حتى أرغموهم على التفرُّق بالقوة.
ولم يترك رشدي الكيخيا هذه المناسبة الأليمة تمرُّ من دون أن يقرع ناقوس الخطر، فقال للحكومة في قاعة مجلس النواب:
«إن طلاب دمشق أرادوا الخروج بمظاهرة تطوف شوارعها احتجاجًا على عدم استقرار السياسة في البلاد وعلى عدم تصديق المعاهدة، فتصدَّى لهم رجال الشرطة يرافقهم بعض الأشخاص غير الرسميين بعصيهم وسكاكينهم، وهاجموهم واعتدوا عليهم بالضرب وأصابوا بعضهم بجراح بليغة.. وهذا عمل يستنكره كل مَن عنده ذرّة من الوطنية، لأن الطلاب أولادنا وموضع ثقتنا واعتزازنا وقد تحمَّلوا السجون والإهانات في زمن السلبية.. وأول ما يجب على الحكومة عمله هو معاقبة المعتدين ورجال الشرطة الذين رافقوهم»[17].
بل إنه عارض قرارًا اتخذه رئيس الجمهورية نفسه بإعادة مشروع قانون إلى المجلس النيابي ليعيد النظر فيه مرة ثانية. وهو حق دستوري له.
وكان هذا المشروع الذي وافق عليه المجلس يساوي في الضريبة بين الأبنية الحجرية (الغالبة في حلب مثلًا) والأبنية الترابية (الموجودة في المدن الأخرى وفي حلب نفسها). وكان من رأي الرئيس وجوب فرض نسبة أعلى من الضريبة على المساكن المبنية من حجر. غير أن الكيخيا كان يرى في هذا التفريق إضرارًا بالمساواة بين المواطنين، طالما أن الضريبة تفرض على أساس القيمة المالية للعقار. وقد اتهمه بعض النواب بالنزعة الإقليمية، فقال: «إنني أترفَّع عن المستوى الذي ينزل إليه البعض في إثارة النعرات الطائفية والإقليمية التي لا تزال تنخر كالسوسة في جسم هذه الأمة، وإني أصرُّ على طلبي بأن يقرَّ المجلس القانون الذي سبق أن وافق عليه لأنه حق وعادل»[18].
ولم تمنعه الاعتبارات الحزبية من التزام جانب العدل والمصلحة العامة والوقوف في وجه رئيس الجمهورية الذي كان رئيسًا للكتلة الوطنية والرمز المضيء في معركة الكفاح من أجل استخلاص الحقوق القومية.
وهكذا يتصرَّف الأحرار حين تستقرّ قناعاتهم النبيلة على قواعد العدل. وللإعراب عن عدم رضاه على مسيرة الحكم الذي أخذ ينحرف عن الخطِّ السوي، وقناعته بأن أي محاولة لتقويمه لم تعد مجدية، اتخذ رشدي الكيخيا قراره النهائي، الذي أعلنه في جلسة موسعة لقادة الكتلة الوطنية، عقدت في منتصف عام 1939 في قرية قدسيا (إلى جانب دمر في دمشق)، وهو انسحابه من الكتلة الوطنية.
ووقع هذا القرار على رؤوس المجتمعين وقوع الصاعقة، وجرت محاولات ملحّة لثنيه عن قراره، إلا أن رشدي الكيخيا ليس من الرجال الذين يتخذون القرارات المصيرية بخفّة وتحت وطأة الانفعالات، لذلك لم تنفع معه الوساطات ولا التهديدات المبطنة وغير المبطنة.
وقد استقال معه صديقه ورفيق دربه الدكتور ناظم القدسي وبعض الأعضاء الآخرين.
والدكتور القدسي شاب مثقف عاد من سويسرا وهو يحمل درجة الدكتوراه في الحقوق. وهو من أبناء الطبقة الأرستقراطية الحلبية، غير أنه تأثَّر بما تعلَّمه وشاهده في ديار الغرب، فانتهى إلى أن الوضع الاجتماعي في البلاد لا يمكن أن يسهل تقدُّمها وتطوُّرها في عالم سبقنا بأشواط طويلة، ولا بدّ من إنهاء هذا التفاوت الطبقي الذي هو من مخلفات القرون الوسطى.
وقد أعرب عن هذه القناعات بصراحة فذكر في مذكراته المسجلة على أشرطة ما يلي:
«كنت ضد العائلية وضد القبلية. وقد هنّأني إبراهيم هنانو على سلوكي هذا، وقال لي: أنت مشكور لأنك فتحت فتحًا جديدًا بالتخلِّي عن العشائرية والقبلية».
ولم ينهِ رشدي الكيخيا نشاطه السياسي، لكن الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في أيلول 1939 ضيَّقت إمكانات هذا النشاط العلني، غير أنه وصديقه القدسي انصرفا إلى إقامة دعائم شعبية، سوف يعتمدان عليها في المستقبل القريب.
الحواشي:
[1] جلسة 30 أيار 1937، ص1059.
[2] جلسة 2 تشرين الثاني 1937، ص112.
[3] جلسة 24 أيار 1938، ص313.
[4] جلسة 31 أيار 1938، ص446.
[5] جلسة 30 أيار 1937، ص990.
[6] ص155 من المحضر.
[7] نصوح بابيل، صحافة وسياسة، ص122 وما يليها.
[8] انظر تفاصيل هذه الجريمة في كتاب الأستاذ بابيل المشار إليه ص122-142 والأستاذ بابيل شهبندري معتدل.
[9] للتوسُّع في دراسة آراء الشهبندر ودوافع القتلة، انظر كتاب الدكتور عبد الله حنا وعنوانه: عبد الرحمن الشهبندر، مطبعة الأهالي، دمشق 1989.
وانظر أيضًا كتاب الدكتورة سلمى مردم بك، الذي سمته «أوراق جميل مردم بك»، وهو والدها، بيروت 1994، ص103 وما يليها.
ويكاد صاحب الأوراق يلقي بالتهمة على «استغلال التعصب الديني»، ص107.
[10] في بحثه عن رشدي الكيخيا، ص3. وهو مخطوط من 30 صفحة سلّمت إليّ صورة عنه.
[11] المراحل ج4، ص440.
[12] 31 كانون الأول 1938، ص292.
[13] المذاكرات، ج4، ص440.
[14] في كتابه: صحافة وسياسة، ص18.
[15] في كتابه: خبراتي في الحكم، طبع عام 1978، ص93.
[16] في كتابه: تطور الحركة الوطنية في سورية 1920-1939، ص175.
[17] جلسة 14 كانون الثاني 1939، ص138.
[18] جلسة 24 أيار 1938، ص313.