الفصل السابع، الجزء 1: النيابة الأولى: الوحدة العربية والإسكندرون ومياه حلب
انتخب رشدي الكيخيا عضوًا في مجلس النواب في انتخابات 30 تشرين الثاني 1936 على قائمة الكتلة الوطنية. وكان رحمه الله مؤمنًا بمبادئها التي كانت مبادئ كل الشعب السوري، وظلَّ على ولائه لها، طالما كان سعيها مركّزًا على استخلاص استقلال الوطن من فكيّ فرنسا الجشعة من جهة، وبناء دولة حرّة ديمقراطية على مرتكزات الدستور الجديد وقواعده العامة، ونشر المساواة التامة بين المواطنين، من دون أي تفريق أو تمييز بسبب العرق أو الأصل أو المعتقد من جهة ثانية.
ونحن إذا عدنا إلى مواقف رشدي الكيخيا أثناء هذه النيابة، لتسليط الضوء على فعالياته السياسية والاجتماعية، فإننا ملزمون بالبحث عنها في مذاكرات المجلس النيابي خاصة، باعتبارها المصدر الأمين والموثوق لكتابة التاريخ السياسي في غياب وثائق أكثر صحة. وهذا ما فعلناه، ليكون القول موثقًا بالمراجع الرسمية.. ولا يمكن أن تندرج هذه الفعاليات تحت بند واحد، لأن طبيعة العمل النيابي أن تعالج المواضيع العامة في أوقات متفرّقة ومناسبات مختلفة.
لكن على الرغم من هذا التنوُّع، فإن المرجع يظلُّ فيها واحدًا، وهو نفسية النائب الكيخيا التي تتفجَّر منها المياه الصافية لتروي الظمأ وتبعث في الأرض الحياة.
وقد استقرأت المحاضر التي تضمَّنت أقواله والمواضيع التي قيلت بشأنها فوجدتها تتناول المسائل التي كانت تشغل الشعب والساسة في تلك السنوات الملتهبة من تاريخنا القومي.. وسوف أستعرضها بإيجاز في الصفحات التالية، لكي أظهر لكل منصف ما كان يشغل بال هذا النائب الشاب المتحمس ويظفر باهتماماته، بحسب حدوثها في التسلسل الزمني.. وهو الأسلوب الذي يكشف أيضًا عن تطوُّر عقلية الإنسان مع تقدُّم السن وتفاعله مع أحداث الأيام وتصرُّفاتها.
1. شغلت فكرة الوحدة العربية حيزًا كبيرًا من تفكير رشدي الكيخيا، وظلَّت هذه القناعة الراسخة تحتلُّ سويداء قلبه إلى أن فارق الدنيا. وكان اهتمامه بها بدأ منذ بداية نيابته الأولى.
فحين عرضت على المجلس المعاهدة السورية العراقية الخاصة بشأن تنقُّل العشائر بين البلدين والموقعة بتاريخ 24/4/1937 من أجل التصديق عليها، أيَّدها الكيخيا بحرارة وألقى خطابًا في المجلس جاء فيه:
«إني أرجو حضرات النواب أن يوافقوا على هذه المعاهدة موافقة إجماعية كما فعل مجلس النواب العراقي، لكي نبرهن للملأ أجمع أن الأمة العربية كتلة واحدة لا فرق بين القطر العراقي أو الحجازي أو اليماني أو السوري. فإن كان في هذه المعاهدة شيء من الغبن لنا، فلسنا بخاسرين وليسوا بغانمين. وإني أرجو من حكومتنا الرشيدة أن تعمل بكل سرعة على عقد اتفاقات جديدة بيننا وبين الحكومات العربية الشقيقة الأخرى ليتمّ التعاون بيننا وبين سائر الأقطار العربية بشكل أكمل»[1].
وأول الغيث قطر ثم ينهمر..
2. وكان الذي هيمن على تفكيره كثيرًا هو مسألة إقرار المعاهدة السورية الفرنسية لعام 1936، التي كانت تمثِّل في نظره طريق الخلاص من العبودية. والواقع أنه ما كاد شمل المجلس النيابي يلتئم، حتى ظهرت المراوغة الفرنسية لكل عين ثاقبة، وذلك حين أخذ مجلس نواب فرنسا يماطل في إقرار المعاهدة التي وقَّعت عليها الحكومة الفرنسية، مع أنها كانت تتمتَّع فيه بأغلبية كافية.. وأخذت روائح التآمر العفنة على سورية تزكم أنوف نوابها الأحرار.
وكان الحدث الذي كشف التآمر علينا هو اقتطاع لواء الإسكندرون على ما فصَّلناه في الفصل السابق. وقد حذَّر رشدي الكيخيا المسؤولين من قبول أي تفريط بهذا اللواء.. ورفع صوته تحت قبّة البرلمان في جلسة 17 نيسان 1937 لكي يسمع كل مَن كانت له أذنان صوت ضمير الشعب السوري قائلًا:
«هذا اللواء لواؤنا ولا حياة لسورية من دونه من الوجهتين الاقتصادية والعسكرية. وأن الأمة لن ترضى عن أي حلٍّ لا يؤمِّن لها سيادتها التامة على هذه المنطقة السورية العربية. وإذا كانت الحلول ستأتي ضد رغائبنا استنادًا على ضعفنا وقوة الأتراك، فإننا سنستمدُّ من ضعفنا قوة للدفاع عن عرين العروبة المقدس. لقد ناضلنا عن بلادنا ثمانية عشر عامًا ونحن أقوياء في إيماننا وعقيدتنا، تؤيِّدنا في حقنا الشرائع الدولية»[2].
وقوبل خطابه بالتصفيق الحاد من جميع النواب على ما جاء في محضر الجلسة المذكورة. وكان لهذا الخطاب أثر بالغ في نفوس أعضاء الحكومة، حتى إن وزير الخارجية سعد الله الجابري انضمَّ إلى ما جاء فيه، وأيَّده بقوله:
«إن الحكومة تشاطركم هذا الاهتمام وإنها تولي هذه القضية كل ما لديها من قوة».
غير أنه تذكَّر أنه يتكلَّم كرجل مسؤول فخصَّ تركيا بكلمة لبقة قائلًا:
«وأما صلاتنا مع الجارة تركيا العزيزة فهي صلات صداقة وود ونريد أن نحتفظ بها هكذا دومًا»[3].
وكان هذا القول مجردّ مجاملة رسمية، لأن السياسة التركية ظلَّت تعادي المصالح السورية، من دون تفريق بين اتجاهات حكوماتها، خاصة الحكومة المتحرِّرة.
ومن أسف أن الدولة الفرنسية، تدعمها السياسة الإنكليزية، ضحَّت باللواء السوري على مذبح شبح الحرب الذي كان يلوح على أفق السياسة الدولية، بادئة باستحصال قرار من عصبة الأمم يمنح اللواء نظامًا خاصًّا.
وكانت ثورة رشدي الكيخيا على هذا التصرُّف الظالم شديدة عبَّر عنها في خطابه الذي ألقاه في مجلس النواب في جلسة 31 أيار 1937 قائلًا:
«إن قرار جمعية الأمم بالموافقة على النظام الخاص للواء قد حرمنا عمليًّا من أفضل بقعة من أراضي الدولة السورية. وقد سبق لنا أن قلنا مرارًا من فوق هذا المنبر بأننا لن نتنازل عن شبر واحد من أراضينا. لكن بما أن حكومتنا أوفدت ممثلين للمفاوضة مع فرنسا، فإني أرى ألَّا يتخذ المجلس أي تدبير من شأنه أن يعرقل عمل هذا الوفد. فإذا تمكَّن وفدنا من حصولنا على حقوقنا رضينا، وإلا فإننا كما دخلنا شرفاء إلى هذا المجلس سوف نخرج منه شرفاء أيضًا»[4].
لكن منطق القوة كان أكثر مضاء من منطق الحق.
ولقد ضاقت فرنسا ذرعًا بمجموعة النواب الأحرار، وبالحكم الوطني كله فراحت المفوضية الفرنسية في سورية تعمل في السر والعلن على إسقاط هذا النظام من أساسه. ومن أجل تحقيق هذه الغاية كان لا بدّ لها من طعنه في ظهره وإظهاره بمظهر العاجز عن صيانة الأمن وتأمين النظام.
وقد تذرَّعت في محاربتها الحكم الوطني بتحرُّك الفتن في سورية.. وكان أخطر هذه الفتن ثلاثًا:
أ. فقد تزعَّم في الحسكة المطران الآشوري حبي حركة انفصالية دنيئة، مع أن سورية كانت البلد المضياف الذي فتح ذراعيه لاستقبال الآشوريين الهاربين من قسوة حكامهم، كما سبق لها أن فتحتها لاستقبال قوافل الأرمن اللاجئين إليها من تركيا. وقد بدأت حركة العصيان الآشوري بقيام جماعة من العصاة بقيادة المتمرِّد إلياس مرشو باختطاف المحافظ الذي خرج من دير الزور إلى الحسكة.. وظلَّ مختفيًا أربعة أيام.
وقد ثارت ثائرة الكيخيا ضد هذا الفعل الإجرامي اللامسؤول، فوقف تحت قبّة البرلمان يقرع ناقوس الخطر ويطالب الحكومة بأن تقوم بواجبها القومي على أكمل وجوهه. ووجَّه إليها كلامًا لم يتمسَّك فيه بأهداب المجاملات المألوفة من نائب مناصر فقال لها:
«إن هذا الاعتداء الآثم لم يكن موجّهًا ضد المحافظ الذي يمثِّل الحكومة فقط، وإنما هو موجَّه ضد الشعب بأسره، لأن هذه الحكومة تمثِّل الشعب السوري. لذلك يجب عليها أن تضرب هؤلاء العصاة بيد من حديد لكي تجعلهم عبرة لمَن اعتبر.. فمنذ أمد قصير قام بعض الزعماء في الجزيرة، وعلى رأسهم سيادة المطران حبي بإثارة الشغب. وإني آسف أشدّ الأسف لأن الظروف القاهرة تضطرني إلى ذكر الأسماء.. فالمطران حبي قام بإثارة الناس على الحكومة وذهب مع الكردينال تبوني إلى باريس، وهناك أخذ يثير الشغب على الحكومة وعلى الشعب السوري بأسره. ومن أسف أن دعاية هذين الشخصين تقوم على زعم كاذب مفاده أن الأقليات في سورية غير محفوظة الحقوق، وأن الأكثرية تعتدي على الأقليات.. وطلبا من الحكومة الفرنسية أن تعمل على تعديل المعاهدة بشكل يحفظ لهذه الأقليات حقوقها».
وهنا تكلَّم نائب دمشق وأستاذنا في معهد الحقوق فائز الخوري فطالب بأن تتحمَّل الأكثرية كل عبء في سبيل القضية الوطنية وأن تبرهن على نضج سياسي.
وقد ردَّ عليه الكيخيا بقوله:
«إني أرجو من أخواني أبناء الطوائف الأخرى أن يقفوا من هذه الحوادث التي تشلُّ الحركة الوطنية موقفًا حازمًا، ويعلنوا احتجاجهم الصارخ في وجه أولئك الأشخاص المتمردين.
وإني أريد أن أعود قليلًا إلى التاريخ لأذكر حادثة وقعت منذ أمد قصير في العراق.. فنحن نذكر جيدًا أن الآشوريين ثاروا منذ سنوات على الحكومة العراقية.. وأن الذين حرَّكوهم هم رجال إنكلترا المحتلة.. وقد تمكَّن الجيش العراقي الباسل من القضاء على تلك الفتنة، ووقفت الحكومة البريطانية تتفرَّج على أولئك التعساء من دون أن تمدَّ إليهم يد المعونة بأي صورة، حتى إنها رفضت أن تقبلهم في بلادها أو في مستعمراتها»[5].
وأنهى خطابه موجهًا اللوم إلى فرنسا التي تعمل على إثارة الفتن في البلاد لاتخاذها ذريعة للنكول عن التزامها في إقرار المعاهدة، فقال يخاطبها:
«إذا كانت الدولة الفرنسية التي تعاقدت معنا قد ندمت على توقيعها على المعاهدة فلسنا بأقل منها ندمًا».
وهذا كلام الأحرار في المواقف الحاسمة.
ب. كذلك تحرَّكت في حلب عقارب فتنة أخرى، تزعَّمها مسيحي حلبي اسمه عبود قنباز وأعطى لفتنته اسم «الشارة البيضاء».. مع أن بعض كبار رجال الحركة الوطنية كانوا من المسيحيين، ويكفي لإحناء كل رأس احترامًا أن أذكر بضعة أسماء مثل فارس الخوري وإدمون رباط ونعيم الأنطاكي رحمهم الله على ما قدَّموا للوطن من خدمات يمكن أن تسجّل لهم بمداد الذهب.
وسبب اندلاع الفتنة في حلب، هو إلقاء أقذار على كنيسة.. فاهتاجت المشاعر المسيحية ضد هذه الفعلة النكراء، وتحرَّك المأجورون بقيادة عبود قنباز لتحويل الحادثة إلى عدوان من جانب المسلمين على المقدسات المسيحية وراحوا يشيعون أن عملًا شائنًا كهذا لا يجعل المسيحيين آمنين على ممارسة شعائرهم.. وأدرك المسلمون ما يرمي إليه المتآمرون، فعملوا مع إخوانهم المسيحيين على تهدئة الأوضاع، وتمَّ القبض على الفاعلين وثبت للمحققين أنهم مسيحيون من أذناب الانتداب دفعهم إلى عملهم الدنيء رؤوس الفتنة.
وقد تمَّ القضاء بسرعة على هذه الفتنة التي عرفت باسم فتنة سوق الأحد، لأنها اندلعت في هذا السوق يوم 11/10/1936، بالموقف الحاسم الصلب الذي وقفه وزير الداخلية سعد الله الجابري، الذي كان يدعى بلقب «أسد الشمال»، وهو كذلك فعلًا، وقد أشاد الكيخيا بجرأته وحزمه، فخاطبه بقوله:
«إني أشكر وزير الداخلية والخارجية الذي استطاع أن يضرب على أيدي أولئك الخونة الذين عمدوا إلى إثارة الشغب في مدينة حلب معقل الوطنية المنيع وحارسة العهد الوطني الجديد..»[6].
وقد قتل في فتنة سوق الأحد اثنان من المسلمين وثلاثة من الأرمن[7].
ج. أما الفتنة الثالثة فهي التي تحرَّكت في جبل الدروز، وقام بها بعض الانفصاليين الجهلة بتحريض من السلطة الفرنسية. فقد أنزل هؤلاء العصاة العلم السوري أثناء زيارة المفوض السامي المسيو بيو إلى السويداء عن دار الحكومة (في السويداء) وأهانوه. وسوف يثبت المستقبل صدق ما ينسبه المؤرخون إلى المفوضين الفرنسيين من التآمر على وحدة سورية وخلق الفتن فيها من أجل هدف ثابت كانوا يسعون إليه وهو القضاء على معاهدة 1936 من أجل استمرار النفوذ الفرنسي وإنقاذ مراكز كبار موظفيه.. وقد حسبت فرنسا أن إيجاد شرخ في الوحدة الإسلامية المسيحية يحقِّق لها هذا الهدف.. لكن باستثناء القلة المارقة من المسيحيين والمسلمين أيضًا، لم تظفر السلطة بما خطَّطت له، وظلَّت وحدة المسيحيين والمسلمين صخرة صلبة لم تتفتَّت أبدًا، لأن الطرفين كانا قانعين بالعيش الكريم في وطنهم ووطن أجدادهم المشترك، على قاعدة ارتضاها الجميع، وهي أن الوطن للناس والدين لله.
وقد أحنق مسلك فرنسا النائب رشدي الكيخيا، خاصة حين ألقى «سفيرها» في سورية خطابًا هدَّد به الشعب السوري تهديدًا بشعًا، فردَّ عليه الكيخيا في المجلس النيابي، على الرغم من أنه كان في عداد مؤيدي الحكومة، ردًّا اتسم بمشاعر الكرامة العليا، فقال:
«أيها السادة إن فرنسا تفاجئنا بموقفها بأنها تريد أن تعود بنا إلى السياسة التي اتبعها الجنرال غورو، سياسة البطش والفتح، وإلى سياسة التجزئة التي طبَّقها هذا الجنرال. إنها تريد أن تعود بنا إلى الكونفدرالية التي جاء ويغن بها. تريد أن تعود بنا إلى سياسة المطل والتسويف التي مشى عليها بونسو.
إن سفير فرنسا الأخير يقول في خطابه إن دولته قوية. ومَن ينكر على فرنسا قوتها خاصة بالنسبة إلى هذه البلاد الصغيرة المجرّدة من السلاح.
لقد كنا نودُّ أن يوجِّه السفير هذه الكلمات إلى شعب قوي مسلح. أما أن تقال لنا فإنها لا تشرِّف فرنسا. كنا نريد أن يقولها للجيش التركي الذي احتلَّ إسكندرون.. أن يقولها لذلك الجندي التركي الذي صرع ضابطًا فرنسيًّا بالرصاص على قارعة الطريق من دون أن يحرِّك الجيش الفرنسي ساكنًا.. كنا نريد أن يقولها لألمانيا عندما عمدت إلى ضربهم في وسط أوروبا.
ويقول السفير: إن فرنسا سخيّة! فأين هذا السخاء؟ أهو في تجارتنا التي أفلست منذ دخل الفرنسيون هذه البلاد؟ أم في الزراعة التي بارت وأصبح الفلاح السوري يشكو الجوع بعد أن كان في بحبوحة من العيش؟ أم في الثروة العظيمة التي كانت هنا عقب الحرب (العالمية الأولى) فتقلَّصت وذابت كما يذوب الملح في الماء؟ أم في هذه العهود المتكرِّرة والوعود الخلاّبة التي منونا بها ثم نكثوا بعهودهم من دون حياء أو خجل؟».
لكن فرنسا صمَّت أذنيها عن سماع أي كلمة حق! ولم يمهلها القدر أكثر من سنتين، فقد منيت بأعظم هزيمة في تاريخها أمام زحف الجحافل الألمانية عام 1940.
ومن أجل الإحاطة بكل الملابسات، أنقل ما كتبه الدكتور بشير العظمة[8] عن تحرُّك يهودي سوري، هو إلياهو ساسون. فقد اجتمع عام 1937، بالسيد شكري القوتلي، زعيم الكتلة الوطنية ووزير الدفاع في حكومة مردم لتسهيل توقيع المعاهدة الفرنسية السورية المذكورة، مقابل تغاضي السوريين عن قيام الوطن القومي الصهيوني في فلسطين. ويقول العظمة إن القوتلي رفض هذا العرض، الذي لم نسمع به من قبل، لكنه ليس بمستغرب.
وهذا القول يفضح الدور الصهيوني في عرقلة تصديق فرنسا على تلك المعاهدة.
3. واهتمَّ رشدي الكيخيا بصورة خاصة بموضوع الأوقاف الإسلامية، التي كانت في وضع يتردَّى يومًا بعد يوم. وقد أثار موضوعها عدة مرات في المجلس النيابي ومما قاله:
«إن هذه الأوقاف أصبحت مع الأسف مرتعًا خصبًا لفئة كبيرة من الناس حتى كاد يقضى عليها قضاءً مبرمًا، وأرى من الضروري أن تسلَّم هذه الأوقاف لأصحابها لكي يديروها بأنفسهم بشكل يتفق مع مصلحة الفقير، إسوة بأوقاف الطوائف الأخرى. ولهذا يجب مراجعة العقود التي تمَّت باسم التحكير تارة والاستبدال تارة أخرى، لأنها كلها مبنيّة على التواطؤ والاختلاس..»[9]. ومعلوم أن الشريعة الإسلامية قبلت بنظام الوقف لمصلحة المسلمين عامة.
والوقف في اللغة يعني الحبس. وهو يعني في الشرع حبس الأصل وتسبيل الثمرة، وبتعبير أوضح هو حبس المال وصرف منافعه في سبيل الله. وفي الحديث الشريف كما رواه ابن ماجة: «إن ما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشره أو ولدًا صالحًا تركه أو مصحفًا ورثه أو مسجدًا بناه أو بيتًا لابن السبيل بناه أو نهرًا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وفي حياته تلحقه من بعد موته».
وإلى جانب الوقف الخيري المشار إليه، يوجد وقف ذري، ويعني وقف عين أو منفعة على الأحفاد والأقارب ومن بعدهم إلى الفقراء.
ويرى بعض الفقهاء أن الوقف الذري يزيد في أيام تسلُّط سلطان جائر على الحكم فيعمد إلى مصادرة أموال الناس عدوانًا على الحقوق. وفي مثل هذه الظروف من الخوف يجنح أصحاب المال إلى وقف أموالهم على ذرّيتهم لإنقاذها. «وإذا لزم الوقف فإنه لا يجوز بيعه ولا هبته ولا التصرُّف فيه بأي شيء يزيل وقفيته»[10].
وقد صدر عندنا قانون حل الوقف الذري وأعاد الأموال إلى مستحقيها.
وقوبل هذا القانون بمظاهر البهجة، لأنه أنهى مرحلة فساد ظلَّت تنخر جسم المسلمين من أصحاب الاستحقاق أجيالًا عديدة، فكان صوت رشدي الكيخيا نذيرًا للمتواطئين المختلسين وبشيرًا لأصحاب الحقوق المهضومة.
4. اهتمَّ رشدي الكيخيا كثيرًا بموضوع ماء الشرب في بلده حلب، وكان مؤازره في مسعاه رفيق نضاله الدكتور ناظم القدسي. وبذلك التقت جهودهما مع جهود زملائهما النواب والوزراء الحلبيين. وقد تقدَّم القدسي ذات يوم باقتراح طالب فيه بتخصيص مبلغ عشرة آلاف ليرة سورية من أجل تحسين أداء قناة حيلان التي كانت تغذِّي المدينة بماء الشفة، غير أن وزير المالية إذ ذاك السيد شكري القوتلي عارض هذا التخصيص بحجةّ أن حالة الميزانية لا تسمح به.. وتكلَّم الكيخيا قائلًا: «إن المياه الموجودة في حلب غير صالحة للشرب لأن نصفها ملوّث، ومعظم سكان حلب يشربونها ملوّثة بسبب الفقر، أو تحت وطأة الاضطرار»[11].
وأيَّد الوزير لطفي الحفار الاقتراح، وعلَّق عليه بقوله: «إن حلب مغدورة جدًّا من هذه الناحية.. »، ولم يجد وزير المالية ما يردّ به فأعلن عن موافقته على تخصيص المبلغ.
وكان هذا الجدل مقدّمة لفتح الأبواب بعد سنوات، أمام مشروع الفرات العظيم الذي أنقذ المدينة من الظمأ.. وسوف يكون الكيخيا فارس الحلبة، الوفي لبلده.
ولنا عودة مطوّلة إلى هذا الموضوع.
الحواشي:
[1] جلسة 26/10/1937، ص24.
[2] مذاكرات مجلس النواب الدورة الثانية الجلسة الأولى، ص29.
[3] نفس الجلسة، ص36.
[4] عن محضر الجلسة 22.
[5] الجلسة 26 تاريخ 27/12/1937، محضر مذاكرات مجلس النواب، ص488.
[6] جلسة 26/10/1937، ص25.
[7] الدكتور عبد الرحمن الكيالي، المراحل، ج4، ص311.
[8] جيل الهزيمة، مذكرات بين الوحدة والانفصال، دار رياض الريس، لندن 1991، ص171.
وكان بشير العظمة وزيرًا في وزارة الوحدة، ثم أيَّد الانفصال وشكَّل وزارة انفصالية عام 1962، فلما قضى على الانفصال عوقب العظمة بعزله سياسيًّا عام 1963.
[9] الجلسة الثامنة في 31/12/1936، ص208.
[10] الأستاذ السيد سابق، فقه السنة، ج3، ص522.
[11] جلسة 30 أيار 1937، ص1059.