الفصل العاشر، الجزء 7: فترة حكم الشيشكلي وسقوطه في شباط 1954

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الرابع
فترة حكم الشيشكلي

فور الإطاحة بالحكم المدني في الانقلاب الثاني الذي قام به العقيد الشيشكلي واعتقال أعضاء الحكومة وبعض السياسيين يوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1951، قدَّم رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي استقالته، احتجاجًا على تمرُّد عسكري من دون داعٍ معقول.

وقد أعلن قائد الانقلاب الشيشكلي على الشعب بيانًا عسكريًّا رقم 1 بأن المجلس الأعلى العسكري، بناء على استقالة رئيس الجمهورية وعدم وجود حكومة في البلاد، يأمر بأن يتولَّى رئيس الأركان العامة ورئيس المجلس العسكري الأعلى (أي الشيشكلي نفسه) مهام رئاسة الدولة كما يتولَّى كافة الصلاحيات الممنوحة للسلطات التنفيذية.

وتصدر المراسيم اعتبارًا من يوم 2 كانون الأول 1951 عن رئيس الأركان العامة رئيس المجلس العسكري الأعلى (البلاغ العسكري رقم 1 تاريخ 2/12/1951). وبتاريخ 3 كانون الأول 1951 أصدر العقيد أديب الشيشكلي الأمر العسكري رقم 2 خول بموجبه الزعيم فوزي سلو السلطتين التشريعية والتنفيذية وممارسة سلطات واختصاصات رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع الوطني» إلى أن تعود الحياة النيابية إلى البلاد، وخوله حق إصدار المراسيم التشريعية أيضًا.

وصدر أمر بحلِّ مجلس النواب (الذي كان في الأصل الجمعية التأسيسية) اعتبارًا من 2/12/1951، كما صدر أمر آخر بحلِّ جميع الأحزاب السياسية.

وظلَّ الزعيم سلو يحكم البلاد نيابة عن الشيشكلي حكمًا انفراديًّا، حتى 7 حزيران 1952 حين أصدر الزعيم سلو مرسومًا يتضمَّن تشكيل حكومة جديدة، أشغل هو فيها مناصب رئاسة الوزراء ووزارتي الدفاع والداخلية.. ودخل فيها العقيد الشيشكلي نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للدولة.

لكنه بقي رئيسًا للأركان العامة، لكي يظلّ قابضًا على زمام القوة العسكرية. ويغلب على هذه الوزارة أنها في أكثريتها خليط من التجار (سعيد الزعيم ومنير دياب وعبد الرحمن هنيدي) وجماعة الحزب القومي العربي (ظافر الرفاعي ومنير غنام) بالإضافة إلى ثلاثة من المستقلين لم يعرف عن أحدهم انه كان له نشاط سياسي سابق (مرشد خاطر وسامي طيارة وتوفيق هارون).

وقد أصبح هؤلاء الأشخاص نواة الحزب الجديد الوحيد الذي سمح الشيشكلي بإنشائه، وهو حزب التحرير الوطني. وكان رئيسه أديب الشيشكلي عمليًّا. وقد اعتمد في إنشائه على الأعضاء القدامى في الحزب القومي السوري (الاجتماعي) الذي كان هو نفسه عضوًا فيه. «وقد انضم إليهم زمرة لم تكن مخلصة له وللوطن الذي أنبتهم وأطعمهم»[1].

وفي 16 حزيران 1953 أمر «المجلس العسكري» دولة اللواء رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء. بإجراء استفتاء على دستور جديد قدمه هذا المجلس العسكري إلى الحكومة، وكذلك انتخاب رئيس للجمهورية.

وقد حدّدت الحكومة إجراء الاستفتاء على الدستور وانتخاب رئيس الجمهورية يوم 10 تموز 1953. واستنكر الشعب هذا الاستهتار بكرامته من قبل مجموعة من الوصوليين لا جذور لهم في البلاد، ولا يعرف أحد عن اتجاهاتهم شيئًا.. وقامت المظاهرات في بعض المدن لكنها قوبلت بالقمع الظالم.

وأذكر أنه تمَّ تفجير إحدى عشرة قنبلة في حلب وحدها، لمجرّد إزعاج السلطات وإشعارها أن الشعب غير موافق على ما تزمع القيام به.

وكان أحد اثنين أشرفا على عملية التفجير، المرحوم عبد الفتاح الزلط المحامي، وهو عضو بارز في الحزب العربي الاشتراكي الذي يرأسه الأستاذ أكرم الحوراني، وكان الآخر من جانبنا، وعلى مسؤوليته الشخصية.. والتلميح أحيانًا يفضح التصريح.

وقد تداعى زعماء البلاد للوقوف في وجه الشيشكلي، فوجهوا إليه بصفته «رئيسًا للأركان العامة والمسؤول الأول عن الوضع الحالي»، متجاهلين بذلك رئيس الدولة، مذكرة بتاريخ 20/6/1953. جاء فيها ما يلي:

«إن بلادنا تدار اليوم بحكم الفرد إدارة مطلقة.. وأول مظهر من مظاهره فقدان الحريات العامة فقدانًا تامًا، أدَّى بالمواطنين إلى نوع من الكبت.. واستتبع ذلك شعور الناس بعدم سيادة القانون.

وقد عمد الحكم القائم إلى حل الأحزاب السياسية واستصفاء أموالها وإغلاق مكاتبها. لكنه هو نفسه يتعهَّد ويرعى حركة جديدة هي في حقيقتها وواقعها الحزب السياسي الأوحد في البلاد، الذي يعيش على أشلاء الحريات العامة والفردية.

يضاف إلى ذلك أن عددًا من المواطنين يزجّون في السجون من دون أن تعرف لهم تهمة.. ويهمّنا أن ننبِّه إلى أن دستور الأمة لا يوضع في دواوين الحكومة ومن قبل بعض موظفيها.

وعلى هذا فإن نشر الدستور على الطريقة التي تعتزمونها، لا يخرج البلاد من حكم الفرد، ولا يهيئ لها أسباب الانتقال إلى حكم الشورى السليم، وإنما هو حكم الفرد بأسلوب آخر.

وإن حقائق التاريخ القريب التي مرّت بنا تدعوكم أن تعيدوا إلى الأمة حقوقها في الحرية والسيادة».

وقد وقع على هذا البيان قائد الثورة السورية العام سلطان الأطرش وعدد كبير من رجال السياسة في البلاد من مختلف الأحزاب والاتجاهات.

وظفر هذا البيان بتأييد فخامة الرئيس الأتاسي على شكل تصريح مستقل أرفق ببيان السياسيين.

لكن لم تصدر عن الشيشكلي إشارة إلى أنه سوف يستجيب لرغبات الشعب. وعندها تحرَّك رشدي الكيخيا وراح يتصل بالقيادات السياسية للحصول على موافقتها على عقد مؤتمر عام يتمُّ فيه التنديد جهرة وعلنًا بحكم الفرد القائم. وقد كلفني بالسفر إلى اللاذقية وإدلب ودمشق للاتصال بالسياسيين فيها، وأخذ تواقيعهم بالموافقة على حضور مؤتمر يدعون إليه.

وتحدّد مكان المؤتمر في حمص، وفي بيت الرئيس الأتاسي، كما تحدّد تاريخه في 4 تموز 1953.. وحاول الشيشكلي منع عقد المؤتمر، فوضع على مداخل المدن حواجز من الشرطة العسكرية مهمتها إعادة المؤتمرين.. وقد أعادوني من منطقة سراقب إلى حلب، لكني عاودت المحاولة.. ووصلت إلى حمص مع بعض الزملاء.

ووجه زعماء البلاد إلى شعبهم قبل الاستفتاء على «دستور» الشيشكلي نداء «تاريخيًّا» ناشدوه فيه «عدم الوقوع في شرك الاستفتاء المنصوب لك والوقوف الموقف التي تمليه عليك كرامتك ووطنيتك وحريتك.. وأن تبرهن - أيها الشعب - للحكام الطغاة وللعالم أجمع أنك لا تساق إلى حتفك كالسائمة، وأن تعلم - أيها الشعب الكريم - أن يوم الاستفتاء هو يوم حزن عام في سورية، والواجب القومي يقتضيك أن تلزم فيه بيتك لا تبرحه وتعلن إضرابك العام الصامت مقاطعًا الاستفتاء المفروض والمزيف».

وقد عقد المؤتمر الوطني في حمص في موعده، ودام عدة أيام. وانتهى المؤتمرون فيه إلى توجيه بيان خطير إلى الشيشكلي والشعب طالبوا فيه بإنهاء هذا العهد الشاذ والرجوع إلى رغبات الشعب في استعادته حريته ومؤسساته السليمة.

ورغم كل ما وجهه القادة من تحذير مقترن بإعلان الشعب عن عدم رضاه عن سلوك أصحاب القوة، فقد ركب الشيشكلي رأسه وسار في طريقه الشائكة، وأعلن عن «تصويت» الشعب لدستوره، وعن انتخابه «رئيسًا للجمهورية».

ويتخذ هذا «الدستور» طابع الحكم الرئاسي. وهو يتألف من 129 مادة. وقد نصَّت المادة 181 منه على انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من قبل الشعب ولمدة خمس سنوات، وهو يستعين في ممارسة السلطة التنفيذية «بوزراء الدولة» هو يسميهم ويقيلهم (المادة 94).

وحين أصبح أديب الشيشكلي رئيسًا للجمهورية، شكل وزارة برئاسته من أنصاره. وقد دخلها من إخواننا الدكتور أنور إبراهيم باشا. ولست أعرف لهذا الاستيزار سببًا مقبولًا، فأنور رفيق دراستي الثانوية، وزميلي في جامعة باريس، وقد عشنا الحرب الثانية معًا وتخصَّصنا في دراسة القانون الجنائي. وكان يتَّصف بعفّة النفس والاعتداد بكرامته. فما الذي دفعه إلى مقاطعتنا والالتحاق بنظام مقيت؟

وقابلت البلاد الدستور و«الرئيس» بالإعراض التام والنفور.. وبدأت التحرُّكات الشعبية تتفاعل.

ففي بغداد، شكل اللاجئون السوريون «حكومة سورية الحرة» برئاسة العقيد محمد صفا بتاريخ 15/10/1953. وظني أن حكومة كهذه ليست من شأنها أن تقلق الشيشكلي، إلا إذا كانت تعتمد على دعم عراقي عربي.. لكن الذي أقلقه وهز أركان عهده ما قام في الداخل من مظاهرات صاخبة جرت في حلب وحمص خاصة واصطدام رجال الشرطة بالمتظاهرين وخاصة جحافل الطلبة.. وخشي الشيشكلي قيام حركات مسلحة في جبل الدروز، فبادر إلى إرسال قوات عسكرية كبيرة إلى هناك.. وبالفعل وقعت مصادمات دامية في عدة مناطق، غادر على أثرها سلطان الأطرش البلاد إلى الأردن مع عدد من رجاله.

وقد أتبع الشيشكلي هذه الأعمال، بإعلانه الأحكام العرفية في 27 كانون الثاني 1954، واعتقل 24 من السياسيين بينهم من حزب الشعب رشدي الكيخيا وعلي بوظو وشاكر العاص وفيضي الأتاسي ورزق الله أنطاكي، ومن البعثيين أكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح البيطار، ومن المستقلين منير العجلاني وحسن الأطرش وعبد الرحمن الكيالي وإحسان الجابري.. واعتقل صبري العسلي.

قيادة حزب الشعب على قبر هنانو 27 تشرين الثاني في عهد الشيشكلي - رشدي الكيخيا وناظم القدسي وخلفهما المحامي وجيه حلاج والنائب ديكران جراجيان وعبد الوهاب حومد والدكتور مصطفى عيسى ورشاد برمدا
قيادة حزب الشعب على قبر هنانو 27 تشرين الثاني في عهد الشيشكلي - رشدي الكيخيا وناظم القدسي وخلفهما المحامي وجيه حلاج والنائب ديكران جراجيان وعبد الوهاب حومد والدكتور مصطفى عيسى ورشاد برمدا

وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس الأتاسي في حمص، وعلى سلطان الأطرش في السويداء.

وقد فرضت الإقامة الجبرية في حلب على الدكتور ناظم القدسي وعليَّ وعلى عبد العزيز الحلاج.

وكان الشرطي الذي وضع على باب منزلي لمنعي من الخروج أو استقبال أحد متعاطفًا جدًّا معي.. فقد كنت أخرج ليلًا بموافقته إلى بيت الدكتور القدسي أو بيت الحلاج.. للمداولة في قضايا الساعة.

وقد نقل إلي المرحوم رشاد جبري رسالة، بشأن التحاقي بالقادة الموجودين خارج البلاد في الأزرق - الأردن - لكن نشاطًا من هذا النوع لا يستهويني ولا أحب أن أقول لماذا.. حتى لا أسيء إلى اجتهادات غيري.

وقد أخذت روائح انقلاب جديد تفوح في البلد.

من ذلك ما حدثني به المرحوم كامل هنانو في زيارته لي عن أن «حديث الانقلاب على كل لسان»، وما حدثني به الأستاذ ليون زمريا (من الحزب الوطني) - وقد ظلَّ طليقًا - عن «نزهات» له في السيارة مع العقيد فيصل الأتاسي، أحد كبار الضباط في قوة حلب.

وقال مرة: «استوى المخشخش».. وفهمت من هذا القول إن حركة عسكرية ضد العهد، أصبحت قاب قوسين أو أدنى.

وجاء النبأ اليقين حين طرق على باب بيتي المرحوم عبد الفتاح الزلط، صباح يوم 25 شباط 1954، وقال لي: «ينتظرونك في الأركان». وحين استوضحته الأمر، قال: قامت حركة في حلب بقيادة العقيد فيصل الأتاسي والنقيب مصطفى حمدون.. واستمعنا إلى بيان إذاعة حلب:

«هنا الرئيس مصطفى حمدون» (أي النقيب كما يسمَّى الآن)..

وفعلًا توجهنا إلى قيادة الجيش، الكائنة في الجميلية، وغير البعيدة عن بيتي.. وهناك رأيت العقيد الأتاسي وراء مكتبه، وأمامه يقف ضابط شاب في ثياب الميدان، عرفني عليه العقيد بقوله: هذا مصطفى حمدون.. وكان العقيد الأتاسي بادي القلق، لكن مصطفى حمدون كان في حالة متماسكة تمامًا.. على الرغم مما كان يكتنف الوضع من غموض.

وقد دعينا إلى اجتماع في حمص في أسرع وقت، لأن أنباء كانت تشي إلى أن الشيشكلي كان قادرًا على سحق الحركة..

وفي حمص، اصطحبني علي بوظو إلى مقر قيادة الموقع. وكان القائد هناك صديقه الحميم العميد محمود شوكت.. وبقينا عنده فترة طويلة لإقناعه بتأييد حركة حلب، إلا أنه كان متردِّدًا.. وكثير الاتصال بالهاتف.. وقد اتخذ الشيشكلي قرارًا صائبًا، فغادر البلاد، حتى لا يقع صدام مسلح بين قطعات الجيش.. وحدثني نائبه الزعيم شلاش أن الشيشكلي سلمه مبلغًا كبيرًا من المال كانت تبرعت به الحكومة السعودية للقوات المسلحة، ليسلمه إلى الحكومة السورية الجديدة.. وكان قادرًا على حمله معه، لأنه كان كمية من الأوراق النقدية في حقيبة سوداء.. لكنه لم يفعل[2].

وعلم العميد شوكت بالخبر، فاتصل بدمشق وأعلن انضمامه إلى الحركة، وهدد مأمون الكزبري الذي أصبح نائبًا لرئيس الجمهورية بوصفه رئيس مجلس النواب، بأنه سيشنقه إذا زحف على دمشق ووقع في يده.. وكنا جلوسًا في مكتبه نستمع إلى هذا التهديد الحازم.

وفي دمشق أرغم بعض الضباط الذين ارتبط بقاؤهم بعهد الشيشكلي رئيس الأركان العامة، الزعيم شوكت شقير، على السير من مقر رئاسة الأركان إلى مجلس النواب، كما أرغموا الكزبري على تولي رئاسة العهد تحت التهديد.

لكن، من الناحية العملية، انتهى عهد الشيشكلي، وتطاير أصحابه الكبار إلى ما وراء الحدود، وغادر مأمون الكزبري إلى لبنان يوم 27/2/1954 نجاة بنفسه. وحين وصلت أنباء «المغادرات» إلى ما وراء الحدود إلى أسماعنا، تمثِّل أحد إخواننا بقول الشاعر:

وفي الهيجاء ما جربت نفسي
ولكن في الهزيمة كالغزال

وما حدث بعد ذلك شرحه الأستاذ جلال السيد في حديث له في مجلس النواب بعد عودة الشرعية إلى البلاد قال:

«جاء رئيس الأركان العامة صبيحة الانقلاب إلى سجن المزة وأطلعنا على حقيقة الأمر وهزيمة الطاغية وإطلاق سراحنا، وقال إن الجيش كتلة واحدة وقد فوضني أن أبلغكم بأنه انسحب من ميدان السياسة نهائيًّا وعاد إلى ثكناته، وقال لي بأن أسلم الشؤون السياسية إلى أصحابها، أي إلينا نحن المعتقلين الذين نمثل الأحزاب السياسية والهيئات المستقلة التي وقعت على ميثاق حمص»[3].

الحواشي:

[1] من مقال افتتاحي في جريدة الأيام، لصاحبها الأستاذ نصوح بابيل، عدد 21، آذار 1954.

[2] أديب الشيشكلي من مواليد حماة عام 1909.
وقد اغتيل في البرازيل يوم 27 أيلول 1964، ونقل جثمانه إلى بلده، وألقي القبض على القاتل.

[3] محضر جلسة 17 آذار 1954.