الملحق رقم 10، الجزء 2: في رثاء رشدي الكيخيا: زهير المارديني في النهار
توفي رشدي الكيخيا بعيدًا عن وطنه. لذلك، لم تقم له حفلات تأبينية في بلده ليوفيه أصحابه والمؤرّخون حقّه. ومع ذلك فَقَدْ أنصفه بعض الكتّاب.
وفيما يلي مقتطفات من بعض ما قيل فيه:
كتب الأستاذ زهير المارديني في جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 19 نيسان 1988 ما يلي:
رشدي كيخيا البليغ الصمت والاعتزال
ذهب دولة الرئيس رشدي كيخيا كومضة ضوء تتألق في السماء.
مثل هذه النجوم تظلُّ تومض مئات السنين الضوئية. حتى إن هوت.
الذين يتأمَّلون السماء يعرفون مواقعها.
ذهب في غياب كل أجهزة الإعلام العربية من دون استثناء. تسلَّل الخبر من أعمدة الوفيات إلى بعض مَن بقي لديهم ذاكرة بضمير حي وهؤلاء أضحوا قلة يعدون على أصابع اليد الواحدة! كنت أتصور أن مثل هذا الحدث - يا لغبائي - ستتوقَّف له أجهزة الإعلام لتذيعه وتغيِّر بعض برامجها.
إن مثل هذا الحدث يطالعنا في الصفحات الأولى التي طالما احتلَّت أخبار الفقيد صدورها ومانشيتاتها وعناوينها الرئيسية يوم كان يناضل ببسالة مدافعًا عن (الشرعية)، شرعية حكم الشعب بالشعب!
كنت أسعد أحيانًا وأنا أصغي إليه وهو يتحدَّث عن أهمية الشرعية في حكم البلدان المنبثقة من الشعب، والشعب وحده، وكان مبعث سعادتي أنني عشت في العصر الذي عاش فيه رشدي كيخيا وطنيًّا، ونائبًا، ورئيسًا للمجلس النيابي، ووزيرًا يعلمنا أن الانتخابات يجب أن تكون حرة!
وكنت أنتشي لهذا التزامن.
منذ أن بلغني نبأ وفاته (وحيدًا) في قبرص يوم الأحد 13/3/1988 وأنا أتحاشى الاقتراب من القلم خوفًا من حملة حجارة الرجم، فليسوا قلائل أولئك الذين حاربوا الرجل بضراوة لمجرّد أنه لم يتخلَّ ولو للحظة واحدة عن مقاومة أعداء (الحرية) الذين هم أصلًا أعداء (الشرعية)، لكن كان يقاوم بالأدوات الشرعية.
في العام الماضي سعيت إليه في فندقه بقبرص - ليماصول، كان كالعادة (وحده) وكان لقاءً صاخبًا مع تاريخ سورية المعاصر. كلام كثير قيل في هذا اللقاء يمكن أن يستغرق تدوينه صفحات. وقد لا يكون في كلام الحوار إضافات جديدة لهؤلاء الذين عاصروا تاريخ الرجل منذ أن انفصل عن (الكتلة الوطنية) وأسس مع بعض إخوانه (حزب الشعب) حتى نهايته (وحيدًا) في فندق قبرصي. وقد تكون في اللقاء أخبار مثيرة لم نكن نعرفها. لكنني كنت أتأمَّل الرجل الثمانيني الذي لا يتزحزح عن إيمانه بالشرعية قيد أنملة. نعم، كنت أتأمَّل رشدي كيخيا وأنا أحاول أن أنفذ إلى أغواره:
الملبس الأنيق، الوجه المرهق، النظرات المنطلقة إلى المجهول، الأمل الذي هدَّه اليأس، الصلابة القوية في سلاستها، الكلمات المتدفقة عن اقتناع بلا تزويق، الإصرار وبعناد على أن الوطن العربي سيظلُّ يتخبَّط في دياجير الظلمات وهو بعيد عن (الشرعية) التي تمثِّل وحدها طريق الإنقاذ، وما عدا ذلك هراء!
كنت أصغي بشوق إلى روايته العذبة عن أسباب تمسُّكه بالدعوة إلى الاتحاد العربي بدلًا من الدعوة إلى الوحدة، فقد كانت لدى الرجل أسبابه، أتراه كان على حق؟ كم مرة ذكر مناضل للتدليل على واقعه، وسبقت ذكره عبارة (الله يرحمه). كم مرة جاءت سيرة بعض السياسيين السوريين الذين أساؤوا إلى وطنهم، وكانت مواقفهم المعلنة تتعارض مع عهودهم التي ماتت بين الكواليس، وكان الرجل يردِّد: الله يسامحهم، لقد كانت عقولهم أقرب إلى جيوبهم.
كم مرة تآسينا على ما جرى ويجري. ولم نكن نملك إن كلمات الأسى، وقبضة من الأخبار المثيرة التي يجب أن تروى للتاريخ الذي فقد الذاكرة في وطننا العربي.
وخلال حواري مع الرجل كنت أتأمَّله: لا بيت، لا زوجة ولا ولد، وكل ما كان يطالب به متر واحد من التراب في حلب يدفن فيه.
بيته منذ عام الهزيمة الحزيرانية 1967 يوم خرج من سجن تدمر وجاء إلى بيروت، كان سريرًا في فندق، أو غرفة متواضعة وقلقًا لا يفارقه في حله وترحاله، وبقيت أتأمَّل الرجل.
لم أكن مؤيدًا لسياسته على طول الخط، ولست معارضًا له دائمًا. لكنني أضع كل أحلامي بين يديه. فجيلنا الدمشقي خاصة حمل الحجارة من معاقل الكتلة الوطنية وراح يقذف بها إلى مواقع الخارجين منها، وكان رشدي كيخيا أول الخوارج لقناعته بأن رجال الاستقلال قد تحوَّلوا إلى رجال كراسي.
بعد اختياره بيروت مقرًّا دائمًا لسكن الرجل بادرته بنشر سلسلة مقالات وطالبته عبرها أن يلم شمل الفرقاء المشرّدين وهو القادر ليعيد إلى القضية العربية (شرعيتها). كانت كلمات المقالات قاسية العبارة، عنيفة الأسلوب، لهدم جدار الصمت الذي يحتمي وراءه. قلت له وبصراحة إنه ليس هناك من يستطيع لململة الأشلاء والقتال بها سواه. فأنت رشدي كيخيا الذي قدت مع إخوانك معركة الاستقلال، ومعركة الجلاء، وناضلت لترسيخ القواعد الديمقراطية، ودافعت عن أهمية اتحاد الدول العربية لمقاومة الصهيونية، وكنت مع الوحدة (من بعيد لبعيد) وحين دعوك لقيادة مسيرة الانفصال قلت عبارتك التاريخية: «لن أتعاون مع الذين مزقوا الوحدة وطعنوا النضال العربي من الخلف» لم تترك هذه المقالات أي أثر سلبي في نفس الرجل، وحين قابلته في قبرص قال لي:
لقد قرأت نصف مقالاتك، أما النصف الثاني فلم أفهمه. صدقني، وعرفت لماذا لا يريد رشدي كيخيا أن يفهم ما عنيته في نصف مقالاتي.
ما أقسى أن تؤسس حزبًا شعبيًّا في سورية لديه أكثرية نيابية.
وما أصعب أن تكون زعيمًا لكتلة برلمانية معظم أعضائها من حملة الدكتوراه. ومع ذلك بقيت أتأمَّل الرجل وهو يتحدَّث في قبرص. الحديث طويل طويل. والقضية القومية لم تمت.. حتى لو على سرير مرض عضال طويل.
والشعب باق وإن غادره رشدي كيخيا.
من الأمثلة الحبشية: (تستطيع أن تسرق بقرة الأخرس). وهذا المثل ينطبق في سورية على رشدي كيخيا، رفيق ناظم القدسي. فقد سرقوا منه كل شيء. سرقوا منه الشعب، وسرقوا منه الزعامة، وسرقوا منه حتى أمواله الخاصة نفسها.
لا لأنه أخرس، بل لأنه ظن بأن المبدأ القويم لا يحتاج إلى دعاية، ولا يحتاج إلى مجهود لنشره بين الناس، بل يكفي لتطلقه ليدخل كل بيت، ويسكن كل قلب. وأن الزعامة هي أن تترفع عن دعوة الناس إلى الاعتراف بزعامتك، وعن الطواف في المدن والقرى لجمع الأنصار والإقناع، ويكفي أن تقبع في بيتك ليأتيك الناس أفواجًا من كل فج عميق.
يقول ديزرائيلي:
«إن حبل السياسة أدق من الشعرة وأحد من السيف. والذين لعبوا عليه سقطوا جميعًا من فوقه، بعضهم سقط بعد الخطوة الأولى، وبعضهم سقط بعد الخطوة الثانية أو الثالثة، وبعضهم استطاع أن يخطو فوقه خمس خطوت كاملات ثم سقط».
ورشدي كيخيا ظلَّ طوال حياته يؤمن بمبادئه إلى أقصى حدود الإيمان. لكن قوة المبدأ ليس في الإيمان به بل في العمل له. ولأن رشدي كيخيا لم يعمل لمبادئه إلا في حدود ضيقة أفقدت حزبه التماسك، فتاه مع التائهين في أدغال السياسة السورية. لذلك بقي رشدي كيخيا وحده على الحبل لأن السياسة في سورية يجب أن تمنح مكانًا للمثل العليا.
فقد كان رشدي كيخيا وهو على الحبل بليغًا إذا صمت، بليغًا إذا اعتزل.
كانوا، إذا ما قالوا شيئًا في المجلس النيابي. يقولون: قال!
وكان وهو نائب عادلًا كالمستحيل الرابع. وكان وهو وزيرًا للداخلية متقشفًا بلا حدود، ولا حساب.
كان أسطورة في النقاء في عالم سياسي آسن، وملحمة من الترفع في عالم من الانحناءات. فلا شيء يغري هامته، ولا شيء يقوض هامته. حين عرضوا عليه رئاسة الجمهورية على طبق من التأييد الكامل ابتسم وقال: حين أجد إلى جانبي من يؤمن معي بأن الشرعية الشعبية هي الأساس في الحكم فإن أي رجل من هؤلاء يصلح ليكون رئيسًا للجمهورية.
وبعد، كل هذا لا ينفي أن رشدي كيخيا أسس حزب الشعب ورأس الجمعية التأسيسية التي انقلبت مجلسًا نيابيًّا، وهو نائب حلب منذ العام 1936 وبقي نائبًا ما ظلَّت الانتخابات حرّة.
إن كل الذين عرفوه عن قرب عرفوا فيه التهذيب، فلم تصدر عنه كلمة نابية ضد خصومه السياسيين، نجح وهو ابن البيت الكبير معارضًا في المجالس النيابية نجاحًا مدهشًا لأنه عرف كيف يجمع حملة الدكتوراه في حزمة واحدة، وعرف كيف يطلقهم ضد خصومه. وأجرى وهو وزير للداخلية في وزارة فخامة هاشم أتاسي أنزه انتخابات في سورية عام 1949، واستقال يوم الانتخابات لكي لا يقال إنه تدخل لصالح أركان حزبه.
زهير المارديني