الملحق رقم 10، الجزء 3: في رثاء رشدي الكيخيا: معن بشور في السفير

اقرأ بالإنكليزية

وكتب الأستاذ معن بشور في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 19/3/1988 ما يلي:

رشدي الكيخيا: التقاعد في ذروة النفوذ

لعله من أبرز دروس التجربة السياسية العربية المعاصرة ضرورة احترام التواصل بين الأجيال المتعاقبة، والمراحل التاريخية المتلاحقة، واعتبار وطنية اليوم هي امتداد متطوِّر لوطنية الأمس، والانطلاق من أن شعبًا لا يعترف بماضيه القريب والبعيد هو عاجز عن صياغة المستقبل.

وعلى قاعدة هذا الدرس البليغ، نكتب اليوم عن رجل من رجالات الاستقلال ورعيله الأول في سورية ولبنان. حيث كانت معركة الاستقلال والجلاء معركة واحدة لا تتجزأ.. إنه رشدي الكيخيا الرجل الذي أتت إليه رئاسة جمهورية سورية غير مرة فرفضها، وكان آخر رفضه لها هو إبان عهد الانفصال حيث امتنع هذا «التقليدي» عن المشاركة في فولكلور الموسم الانفصالي برمته، واختار الانكفاء والانزواء، فجيء بأحد أقرب معاونيه وأبرز رفاقه المرحوم الدكتور ناظم القدسي رئيسًا للجمهورية في عهد امتلأ بالهزات والانقلابات حتى سقط قبل ربع قرن مع صبيحة الثامن من آذار.

ومن بين الساسة السوريين القدامى، وربما العرب، يبدو رشدي الكيخيا ظاهرة متميزة من نوعها، فقد اختار هذا الذي أصبح زعيم حلب من دون منازع (بعد رحيل إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري) الانسحاب من الحياة السياسية في سورية في أواسط الخمسينيات (رغم أنه كان زعيمًا للأغلبية النيابية فيها) لأنه رأى في الممارسات السياسية آنذاك ما يعكر صفوها الديمقراطي، وما يمنع تطوُّرها لكي تصبح سورية واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم.. فكان انسحابه آنذاك تعبيرًا راقيًا عن احترامه لنفسه كما كان يقال بلغة العصر آنذاك.

وقبل هذا الانسحاب، بل وفي أوج نفوذ حزبه وسيطرته على أكثرية مقاعد انتخابات الهيئة التأسيسية التي وضعت عام 1950 أول دستور عصري لسورية بعد الجلاء، فضل رشدي الكيخيا ترؤس الجمعية التشريعية التي تصيغ الدستور على رئاسة الجمهورية التي أخلى مقعدها آنذاك لشيخ جليل من شيوخ الاستقلال السوري هو المغفور له هاشم الأتاسي.

وحين أسس رشدي الكيخيا مع زملاء له (حزب الشعب) بعد الاستقلال، منفصلًا بذلك عن الحزب الوطني - حزب الحركة الوطنية السورية إبان الانتداب الفرنسي - ومعترضًا على انغماس بعض زعمائه في مفاسد الحكم، ومراذل السلطة، كان بذلك يرسي في السياسة السورية والعربية مدخلًا للتلازم بين الموقف الوطني الاستقلالي وبين التصرُّف السلوكي والأخلاقي، فلا يبرّر العداء للأجنبي الانزلاق في الانحراف الداخلي، كما لا تبرر الوطنية كحركة، الفساد كممارسة.

وعلى الرغم من عدم التزام العديد من أركان حزبه نفسه بهذه القاعدة (وهذا، كان سببًا من أسباب خيبته وإحباطه فيما بعد)، فإن تلك القاعدة قد شكلت أساس انطلاق الحركات الوطنية الحديثة التي شدَّدت على الترابط بين الغايات والوسائل، بين المسألة الوطنية والمسالة الاجتماعية.. ولهذا المعنى كان حزب الشعب الذي أسسه وترأسه رشدي الكيخيا هو حزب الانتقال لسورية الحديثة من عهد الوطنية القديمة ممثلة بالحزب الوطني إلى عهد القومية التقدمية المعاصرة ممثلة بحزب البعث بدءًا من أواخر الخمسينيات.. وهو الحزب الذي شارك في الحكم لأول مرة في سورية من خلال ائتلاف قصير العمر مع حزب الشعب بعد الانقلاب المعروف على حسني الزعيم في أواخر صيف 1949، وفي إطار التحضير لانتخابات الهيئة التأسيسية لسورية في خريف ذلك العام.

وعلى الرغم من أن (حزب الشعب) كان يصنف عادة بين الأحزاب اليمينية في سورية، فإن نظرة إلى أسماء بعض الذين اختارهم رشدي الكيخيا ليكونوا زملاء له في قائمته الانتخابية الناجحة كلها في حلب عام 1949، (كالدكتور معروف الدواليبي، والدكتور عبد الوهاب حومد)، وهم الذين أصبحوا نوابًا ووزراء وشخصيات بارزة في حياة سورية فيما بعد، تشير إلى أنهم لم يكونوا من أبناء «الذوات» أو العائلات المعروفة الموسرة، آنذاك بل كانوا عصاميين من أبناء الشعب العاديين إلى حد كبير.. انتزعوا مكانتهم بفضل علومهم وكفاءاتهم الشخصية.

وبهذا كان رشدي الكيخيا الذي مضى لملاقاة وجه ربه قبل أيام، لونًا خاصًا وطعمًا مميزًا في الحياة السياسية السورية، جعلاه مع المغفور له شكري القوتلي أحد شخصيتين اثنتين استثناهما قرار العزل الذي صدر بعد ثورة الثامن من آذار 1963 وشارك باتخاذه آنذاك البعثيون والناصريون ضد رجال العهود السابقة.

بل وبهذا المعنى كان للراحل الكبير في حياة سورية الأربعينيات والخمسينيات دور بارز وهام تجاوز بكثير حجم الاهتمام الإعلامي به، والأضواء الاستعراضية التي تسلط عادة على شخصيات بهذا المستوى.. فقد كان رشدي الكيخيا يفضِّل الصمت على الضجيج، والبساطة على البهرجة، والفعل المؤثر على الكلام الصاخب.

وإذا كان اسم رشدي الكيخيا اليوم لا يعني الكثير للعديد من الشباب العربي اليوم، فإنه بالنسبة إلى جيل سابق، لا سيما في حلب الشهباء والعديد من مدن سورية، كان واحدًا من أبرز رجالات الاستقلال في سورية، بل كان رمزًا يفرض الاحترام حتى على أشد خصومه الفكريين والسياسيين.

ومن هنا فلا بدّ من كلمة إنصاف في وداع رجل كبير.