الملحق رقم 10، الجزء 5: في رثاء رشدي الكيخيا: أكرم زعيتر يرثي الزعيم المثالي

اقرأ بالإنكليزية

وكتب الأستاذ أكرم زعيتر تاريخ 4/9/1988 ما يلي:

وقضى الزعيم المثالي رشدي الكيخيا

قال، وقد رآني مهمومًا ترين علي كآبة: «أي مقال تطالعنا به هذا الأسبوع؟» قلت: «كلمة رثاء أو سطور وفاء عن المرحوم رشدي الكيخيا» فقال، كأنّه يثرب علي: «لقد تتالت مقالاتك في الرثاء.. كأنّك وقف على ندب إخوانك الراحلين». وأراد أن يسترسل في الكلام ناقدًا أو ناصحًا، فقلت له: «اسمع ما قاله الشاعر الصديق الراحل أمين نخلة جوابًا عليك»:

قيل يأتي كل يوم برثاء
ويحهم لا يستطيبون الوفاء
بت من فقد أخلائي ومن
كثرة التوديع موصول البكاء
عبروا الجسر إلى الأخرى وقد
بعد الركب، وقد خف الحداء
كم خيال لهم في ناظري
بإزاء الليل قد راح وجاء
ربما أطبقت أجفاني لكي
أغمر الوهم وأستبقي اللقاء

وبعد فإن وفاة الزعيم السوري الحلبي الكبير رشدي الكيخيا في قبرص ودفنه فيها، قد ضاعف وقع النعي على عارفيه، بله أصدقائه وقادريه شدة، والحزن بلاغة.. وفي غمرة الأسى على الكبير الراحل، وتتالي الذكريات والخواطر لم يبرح الذهن أن وفاته ودفنه في غير البلد الذي أنجبه، وبعيدًا عن الوطن الذي نذر نفسه لخدمته، والرفاق الذين أحبوه وأخلصوا له حبه وإخلاصه لهم تومئ إلى المحنة التي ودع بها ذاك الرعيل من زعماء الوطنية هذه الدنيا! لقد بدا رشدي حياته العامة بانضمامه إلى تنظيم الكتلة الوطنية في سورية بزعامة المجاهد البطل إبراهيم هنانو الذي تحدَّثت في مقال لي في «الشرق الأوسط» لمناسبة الاحتفال بذكراه عن ثوراته على الفرنسيين في شمال سورية، وعن زعامته الفذة للحركة الوطنية.

وقد برز الشاب رشدي الكيخيا في صفوف الكتلة الوطنية تحت لواء هنانو واستقطبت مواهبه الكثيرين الذين رأوا يه المثال الحي لنقاوة الوجدان، وسلامة الفكر، وشرافة المسلك ورفاعة الذوق، حتى إنه كان ينجح في جميع الانتخابات النيابية عن مدينة حلب، ويتمتَّع باحترام جميع منافسيه وتقدير خصومه السياسيين. وكانت خطبه البرلمانية، ولا سيما وهو يقود المعارضة، تتَّسم بالرصانة وصدق اللهجة وعفّة اللسان ونزاهة النقد والإنصاف وبراعة التحليل المنطقي للقضايا المعروضة.

ولم يكن رشدي ذا دراسة جامعية عليا في القانون، لكنه كان يبز القانونيين نقاشًا في المواضيع القانونية، وهو من الأفذاذ الذين ثقفوا أنفسهم بالقراءة والبحث والدراسة.

ولأسباب انفصل عن الكتلة الوطنية وألف حزب الشعب وتزعمه وقد انضمَّت إليه جمهرة من الشباب والنواب والمثقفين، وكان هو قطب رحاه وعماد خيمته وحامل أعبائه المالية، وينفق عليه من رزقه الزراعي الوفير.

وتنافس الحزبان: الحزب الوطني وريث الكتلة الوطنية وحزب الشعب في استجلاب عطف الأمة وأشهد أنهما لم تجرهما الشهوة الحزبية إلى ما لا يجمل بهما من خصومة وإلى مواقف حزبية تضار المصلحة الوطنية، ولم يمكن الانتهازيين من ذوي الماضي الوصول من انتهاز الخلاف والتسرب في صفوفهما فكانا أشبه بحزبي العمال والمحافظين في بريطانيا. وقد ترفع رشدي في نضاله الحزبي عن السفاسف ثم إن ما عرفنا فيه من حرص على أداء واجباته الاجتماعية وصيانة علاقاته بكل مَن صادق أو راصف أو خاصم سياسيًّا، قد أعجز الأعاصير والتقلبات السياسية في سورية عن زعزعة مكانته، وعلى أنه كان ضد سيطرة العسكريين وخصمًا للانقلابات، فدخل وزعماء سورية من أقطاب الوطنيين السجن في عهد الشيشكلي فإنه احتفظ بمكانته، وإني لأذكر أن جمال عبد الناصر، وكان رئيسًا للوزارة المصرية وكان محمد نجيب رئيسًا لجمهوريتها، قد سألني في لقاء خاص عن زعماء سورية يومئذ، ولما ذكرت بينهم رشدي الكيخيا أشعرني أنه يعرف عن منزلته ومزاياه ما لا يحتاج معها إلى تعريف. ولما اشتد سلطان العسكريين في سورية وكما نعلم من قيام الوحدة بين سورية ومصر ثم الانفصال لم يكن من رشدي ما لا يجمل به وبمبدئه الوحدوي. ومما أذكر من مواقف رشدي الكيخيا ما يلي: حين قام حسني الزعيم بانقلابه المشؤوم سنة 1949 واعتقل الرئيس القوتلي، أدَّى تدخل بعض ذوي النفوذ في البلاد العربية لدى الزعيم إلى السماح للرئيس القوتلي بمغادرة السجن ومبارحة سورية بعد أن حصل على الاستقالة من الرئاسة، فوجَّه استقالته في سطرين إلى الشعب السوري من دون غيره. وبعد سنوات من ابتعاده عن سورية. وتبدل الحال وقيام حكم نيابي فيها وبرغبة ملحة من الشعب السوري. عاد القوتلي إلى دمشق عودة كريمة كفر في أثنائها الشعب السوري عما اجترحه الانقلابيون نحو رجل الاستقلال.

وجرت معركة انتخاب رئيس الجمهورية ورأى القوتلي وكثيرون من أنصاره أن ترشيحه للرئاسة يعد ما يوصف به ردّ الاعتبار له، وإن نجاحه هو فتوى نفض سورية يدها من الانقلاب واستنكارها الإساءة إلى رئيسها. لكن السيد خالد العظم الذي كان رئيس حكومة القوتلي حين وقع انقلاب الزعيم وزج معه في السجن. قد رشَّح نفسه لرئاسة الجمهورية، منافسًا للقوتلي وكان ذا نفوذ ومقدرة ومكانة وجنح العسكريون إلى تأييده وعملت تيارات عربية سياسية على نصرته والتف حوله بعض النواب. وهنا وقف رشدي الكيخيا وكتلته النيابية والمستقلون وفي مقدمتهم الدكتور منير العجلاني الموقف الشريف الجريء فأعلنوا تأييدهم للقوتلي مع أنهم لم تكن بينهم وبينه رابطة حزبية أو غير حزبية معتقدين أن في موقفهم هذا شجبًا للانقلابات. ودعمًا للحكم المدني، وتكريمًا لمَن قاد السفينة الوطنية نحو الاستقلال: وكان رشدي طوال عمله السياسي عازفًا عن المناصب وفي وقت ما لو شاء أن يكون رئيسًا للجمهورية للقي شبه إجماع من النواب عليه، وبموافقته اختير لها الدكتور ناظم القدسي الذي ظلَّ ولاؤه لأخيه الكيخيا مثاليًّا. وإليه أولًا أطال الله عمره، توجه اليوم التعزية عن غياب رشدي رحمه الله.

على أن رشدي العازف عن المناصب لم يتردَّد بعد الانقلاب الذي قام به سامي الحناوي على حسني الزعيم وضرب أشرف الأمثلة بإعلانه بأن مهمته قد انتهت. وأنه يسلم الحكم إلى ساسة سورية وزعمائها، (وهذه سابقة لم تتكرَّر إلا بموقف (سوار الذهب) في السودان بعد تخليصه من النميري). لم يتردَّد رشدي في تسلم وزارة الداخلية في الحكومة التي ألفها يومئذ كبير زعماء الوطنيين الرئيس الجليل هاشم الأتاسي، وقد أشرف رشدي على الانتخابات للمجلس النيابي فكانت مثالية في نزاهتها، ولم ينجح بعض أعضائها في المعركة أمام منافسيهم.

ولما كان رشدي من ممثلي الفكرة الاتحادية، فقد شنت بعض الجهات حملة على الوزارة الأتاسية وعلى الحناوي، لكنها لم توهنها فسارت بسورية إلى ما كان يعد أمنًا واستقرارًا. وقد انتخبت الكيخيا رئيسًا للمجلس النيابي، وظلَّ وفيًّا لمبادئه وفاء اتسمت به مسيرته العربية انتصارًا لقضية فلسطين وقضية الجلاء عن مصر وقضايا التحرير في الأقطار المغربية العربية.

ومما يستحق الذكر هنا في عرض مسيرة الراحل الكبير الإشارة إلى أنه قد صودرت أمواله المنقولة وغير المنقولة وما بقي من أراضيه الزراعية بعد الذي صودر منها بموجب نظام الإصلاح الزراعي الذي بدأ في عهد الوحدة، وتطوَّر في العهود الأخرى.. وانتقل رشدي إلى لبنان وسكن بيروت موفور الكرامة، مرموق المكانة، وبذلت مساع حميدة مع السلطات لإعادة ما صودر من أملاكه وأمواله إليه - وقد طلب إليه لتحقيق ذلك أن يقدِّم طلبًا يلتمس فيه الإفراج عن أملاكه وإعادتها إليه - لكنه بما عرف فيه من شمم وما أثر عنه من إباء رفض أن يقدِّم الالتماس المطلوب، فظلَّت أمواله مصادرة!

وقد ألحَّ عليه المرض فأجريت له عملية جراحية في مستشفى الملك خالد بالرياض ثم انتقل إلى قبرص.. وبعد مدة استفحل داؤه. وقد أخبرني صديقه الحميم الأستاذ معروف الدواليبي (رئيس وزراء سورية الأسبق) أن خطورة حاله الصحية بلغت الأمير عبد الله، ولي عهد المملكة العربية السعودية، فاتصل به هاتفيًّا إلى قبرص وعرض عليه أن يرسل إليه طائرة خاصة تنقله إلى المملكة للمعالجة. أو إلى أي بلد آخر للعناية ذاتها فأجابه أنه لا يقوى على النهوض معتذرًا شاكرًا. وبعد أيام توفاه الله في قبرص، وقيل إنه أوصى بألا يزعج أحد بنقل جثمانه منها وأن يدفن فيها.

رحم الله رشدي الكيخيا الذي عاش شريفًا أبيًّا. وجعله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.