الملحق رقم 10، الجزء 6: في رثاء رشدي الكيخيا: غسان الإمام وزعماء في الفنادق
وكتب الأستاذ غسان الإمام في جريدة الشرق الوسط بتاريخ 12/4/1991 ما يلي:
زعماء في الفنادق
كان رشدي الكيخيا منذ أن انتخب نائبًا في برلمان الثلاثينيات ينزل في فندق «الأوريان» المطل على ساحة محطة الحجاز في دمشق.
وحول زعيم حلب صالة «الأوريان» إلى مضافة يستقبل فيها زواره من الكبار والأنصار طيلة 27 سنة. ولم يتزوج، ولم يغادر «الأوريان» وعندما سار زعماء ونواب سورية كلها إليه عام 1962 ليرجوه أن يصبح رئيسًا للجمهورية، اعتصم رشدي الكيخيا في صالة «الأوريان» قائلًا: «لقد وقعت ميثاق الوحدة ولن أصبح رئيسًا لجمهورية الانفصال».
ولم تعرف الطبقة السياسية السورية القديمة سياسيًّا وزعيمًا في نزاهة وكبرياء رشدي الكيخيا. لكنه كان قليل الكلام. كان الزعيم الذي قتله صمته وخوفه. كان من الصعب أن تعثر على فمه. فقد اختفى تمامًا تحت شاربه. وخسر العميد ريمون إده رئاسة لبنان بكثرة الكلام. وخسر رشدي الكيخيا رئاسة سورية بقلة الكلام.
كان فندق «الأوريان» مع رشدي الكيخيا. وكان فندق «أمية» ضده. فقد كان يضم خصومه السياسيين. وكان خصمه وصديقه النائب ثم الوزير ميخائيل اليان يأتي من حلب لينزل في الفندق المطل على ساحة الشهداء.
وكان ميخائيل اليان داهية في حرفة السياسة كان قليل الكلام في الفندق والبرلمان وكثير الشغب والحركة في الكواليس. كان ينافس رشدي الكيخيا في حلب، ويلتقي معه في السياسة الخارجية في دمشق. فقد كان كلاهما من أنصار الوحدة مع العراق، لكن الكيخيا أراد الوحدة بنزاهة وحياد صمته. فقد كان يعرف أن الوحدة مع عراق عبد الإله ونوري السعيد صعبة الهضم على السوريين. وعمل ميخائيل اليان للوحدة مع العراق في سره. فقد كان صديقًا لعبد الإله ونوري والإنجليز.
ثم تقطعت خيوط «لعبة الأمم» بميخائيل اليان فهرب من فندق «أمية» في الخمسينيات. وعاش متنقلًا بين فنادق العالم، ثم غلبه الحنين إلى حلب وسورية، فعاد ليعيش بالقرب منهما عبر الحدود في فندق صغير بميناء إسكندرونة الذي فقدته سورية عام 1939.
ومات ميخائيل اليان مجهولًا منذ عامين. فقد نسيه الناس والساسة، وأخطأت الصحف في كتابة اسمه.
وتشاء الصدف أن يموت قبله بقليل منافسه وصديقه رشدي الكيخيا. وقد عاش الكيخيا في مكان ليس ببعيد عن الإسكندرونة. عاش في كبرياء الصمت في قبرص وشاخ في صمت. وافتقر في صمت. ثم مرض وتألم في صمت.
عاش رشدي الكيخيا حياته السياسية في فندق. لكنه لم يمت مجهولًا في فندق. فقد تلقفته يدا أمير ممتاز لترعاه وتحتضنه في السعودية في أيامه الأخيرة.
كان رشدي الكيخيا نبيلًا في صداقته ونبيلًا في خصومته. وكانت يد الرحمة أسمى وأبل من أن تحاسبه في لحظة ضعفه عن ميوله وسياسته.
وكتب غسان الإمام مقالًا آخر قال فيه:
«وأحسب أن الحياة السياسية السورية، قلما عرفت سياسيًّا في نبل وكبرياء رشدي الكيخيا.
كان الرجل سياسيًّا تقليديًّا ويمارس السياسة بحكم موقع أسرته البرجوازية في حلب، ثاني أكبر المدن السورية. وعندما تآكلت البرجوازية السياسية التي قادت عبر «الكتلة الوطنية» كفاح سورية من أجل الاستقلال، شكل رشدي الكيخيا بعيد الاستقلال مع رفيق حياته الدكتور ناظم القدسي حزبًا سياسيًّا تقليديًّا كبيرًا باسم «حزب الشعب» استقطب فيه ساسة وزعماء من اليمين واليسار، ومن الريف والمدينة، ومن المثقفين التكنوقراط والعاديين أشباه المتعلمين. واستطاع به وعبر تحالفاته مع كتل أخرى أن يسيطر على المجالس النيابية السورية في معظم عقد الخمسينيات العاصف.
لست أؤرخ لأحداث تلك المرحلة الخطرة الفاصلة في حياة سورية. فذلك حديث آخر. إنما ما يهمني هنا أسلوب رشدي الكيخيا في الممارسة السياسية. كان الرجل في صميم الحياة السياسية، وفي الوقت ذاته غريبًا عنها وعن «المؤسسة» التقليدية الحاكمة. لم يتقدَّم الصفوف ولم يحتكر لنفسه وهج الزعامة. بل لم يكن يملك مؤهلاتها من براعة في الخطابة وجاذبية الجماهير وشجاعة في إبداء الرأي لكن الحديث عن الرجل لا يكتمل إلا بلمحة سريعة عن عصره السياسي. فقد كان أقطاب حزب الشعب من مؤيدي الوحدة مع العراق من دون أن يحسبوا حسابًا كبيرًا للمعارضة السياسية والشعبية لهذا الاتجاه، لأن العراق آنذاك كان مكبلًا بنظام نوري السعيد وحلفه العسكري مع الغرب. ولا شك في أن رشدي الكيخيا كانت تراوده هذه المشاعر الوحدوية أيضًا. وكان يعتقد مصيبًا أو مخطئًا أن لا خلاص لسورية من الصراع الإقليمي عليها ولا نجاة لديمقراطيتها الوليدة من انتهاك الكتل العسكرية الداخلية إلا بهذه الوحدة.
لكن ديمقراطية رشدي الكيخيا تتجلَّى في أروع صورها برفضه الدائم تولي سلطة سياسية (باستثناء فترة قصيرة تولَّى خلالها وزارة الداخلية ورئاسة مجلس النواب) تنتهك دستوريًّا بتدخل العسكر في السياسة، وتتجلَّى برفضه أن يكون المشروع الوحدوي قسريًّا أو انقلابيًّا أو بتخطيط خارجي. وجاء نشر مذكرات ضباط المخابرات الغربيين ووثائق الأرشيف السري لوزارات خارجية الدول الكبرى بعد ثلاثين سنة لتبرئ ساحة الكيخيا من الظلم السياسي الذي تعرض له في عصره وهو صامت لا يدافع عن نفسه بكلمة واحدة. أظهرت الوثائق أن سفراء ورجال تلك الدول كانوا يشكون مر الشكوى من أن الكيخيا خلافًا لبعض أقطاب حزبه يرفض أي اتصال به بشأن التخطيط للوحدة مع عراق نوري السعيد أو ضمّ سورية للأحلاف العسكرية الغربية.
لم تتحقَّق وحدة سورية مع العراق. إنما قامت وحدة سورية مع مصر. ووقع النائب رشدي الكيخيا ميثاق الوحدة الدستوري. وعندما انهارت الوحدة سارت سورية كلها إلى رشدي الكيخيا تطالبه بأن يتولَّى رئاسة الجمهورية. ورفض الرجل بتواضع وأصرَّ على الرفض بنبل وهو يقول: «إن اليد التي وقعت على ميثاق الوحدة (مع مصر) لا يمكن أن توقع مراسيم الانفصال». كأنّه كان بذلك يضع خاتمة لحياته السياسية. كأنّه كان يعاقب نفسه مرتين، مرة لأنه قبل بالوحدة من دون أن ينتزع لشعبها ضمانة ديمقراطية، ومرة لأنه لا يريد أن يكون رئيسًا دستوريًّا لسلطة تنفيذية هي ألعوبة بأيدي القوى الخفية غير الدستورية التي عادت لتتدخل في تلك المرحلة باللعبة السياسية.
انتهت حياة رشدي الكيخيا السياسية عام 1963. لكنه عاش 25 سنة أخرى عرف خلالها المنفى والحرمان والمرض. وغالب كبرياءه وألمه بصمت ونبل، ورحل بصمت ونبل.
نعم. ربما لم يكن رشدي الكيخيا يملك الشجاعة السياسية. لكن رشدي الكيخيا كان ديمقراطيًّا. كان من طبقة سياسية ربما لم تملك نزاهته السياسية والوطنية المطلقة، لكنها مثله تربت تربية ديمقراطية. نعم كانت طبيعة الاحتلال الأجنبي وطبيعة العمل الديمقراطي تشجعان على إشاعة الفساد السياسي والإداري في المجتمع العربي، وربما كانت شرائح من الطبقة السياسية آنذاك متعاونة مع الاستعمار أو متهاونة في الكفاح ضده. لكن ما أريد أن أقوله هنا إن مفهوم دولة القانون والمؤسسات راح يغرس جذوره باكرًا ورويدًا رويدًا في المجتمع العربي الحديث. كان هناك تهيب من تجاوز القانون ومن التفرد باستخدام السلطة. كانت للفساد حدود في المجتمع العربي، كان الفساد شذوذًا واستثناء ولم يكن قاعدة عريضة للحياة السياسية والاجتماعية.