الملحق رقم 5: كتاب من ميشيل عفلق لدولة الزعيم
(عن جريدة الأيام، 13 حزيران 1949)
سيدي دولة الزعيم
إن هذه التجربة الأخيرة القاسية قد علَّمتني أشياء ونبَّهتني إلى أخطاء كثيرة. لقد انتبهت إلى أننا - بحكم العادة - بقينا نستعمل أسلوبًا لم يعد يصلح في عهد الإنشاء والعمل الإيجابي. والحق أننا في قلوبنا وعقولنا أردنا هذا الانقلاب منذ الساعة الأولى ولا نزال نريده، ونعتبر أن واجبنا هو في خدمته وتأييده. لكن الأسلوب الذي اعتدناه طيلة سنين عديدة من المعارضة للانتداب والعهد السابق هو الذي بقيت آثاره في نفوسنا وبعض تصرُّفاتنا، وهو الذي أخفى عنكم يا دولة الزعيم حقيقتنا وأظهرنا بمظهر المعارض لعهد وضعنا فيه كل آمالنا وصمَّمنا على خدمته بتفان وإخلاص.
سيدي دولة الزعيم: إنني قانع كل القناعة بأن هذا العهد الذي ترعونه وتنشئونه يمثل أعظم الآمال وإمكانيات التقدُّم والمجد لبلادنا، فإذا شئتم فسنكون في عداد الجنود البنائين، وإذا رغبتم في أن نلزم الحياد والصمت فنحن مستعدّون لذلك.
إن هذه المجموعة من الشباب التي يضمها البعث العربي قد عملت كثيرًا في الماضي لتكون قدوة في النزاهة والوطنية الصادقة، وإن ماضيها ليشفع لها عندكم، يا سيدي، لكي تعذروا ما ظهر منها من تسرع بريء، وإن وراء مظهرها النزق نفوسًا صافية ومؤهلات ثمينة للخدمة العامة، ما أجدر عهدكم أن يفسح لها مجال التفتح والإنتاج. أما أنا يا سيدي الزعيم فقد اخترت أن أنسحب نهائيًّا من كل عمل سياسي، بعد أن انتبهت بمناسبة سجني إلى أخطاء في أورثتني إياها سنين طويلة من النضال القومي ضد الاستعمار والعهد السابق، وأعتقد أن مهمتي قد انتهت، وأن أسلوبي لم يعد يصلح لعهد جديد، وأن بلادي لن تجد من عملي السياسي أي نفع بعد اليوم.
سيدي دولة الزعيم: أنتم اليوم بمكان الأب لأبناء البلاد، ولا يمكن أن تحملوا حقدًا لأبنائكم. ولقد كان لنا في هذه التجربة تنبيه كاف ومفيد، فاتركوا لنا المجال كي نصحح أخطاءنا ونقدِّم لكم البراهين على وفائنا وولائنا.
11 حزيران 1949
ميشيل عفلق