الملحق رقم 6: مشروع الدكتور ناظم القدسي رئيس الوزراء ووزير الخارجية بشأن الوحدة العربية

اقرأ بالإنكليزية

نص المذكرة:

1. يتشرَّف رئيس مجلس وزراء سورية بتقديم هذه المذكرة باسم الحكومة السورية إلى الأمانة العامة للجامعة العربية وإلى أصحاب السمو الملكي والمقام الرفيع والفخامة والدولة والمعالي ممثلي الحكومات العربية السعودية والمصرية والعراقية والأردنية الهاشمية واللبنانية والمتوكلية اليمنية في اللجنة السياسية المنعقدة حاليًّا في القاهرة، ويرجو أن تكون في هذه اللجنة موضع الدرس والتوصيات لمجلس الجامعة كيما يتخذ هذا المجلس مقررات بشأن ما يرد فيها في اجتماعه المنتظر القريب.

2. إن خطورة الحالة الدولية واضحة لا تحتاج إلى بيان، وتتوالى الأحداث سراعًا بشكل تمثّل فيه الأخطار الداهمة للعيان، كل هذا والعرب بما هم فيه من تمزُّق وضعف وتفرُّق وتردُّد وتخلُّف وحيرة بما يدع أقطارهم وشعوبهم عرضة لمصائر يصعب على المرء تحديدها، ومما يجعل لهم شأنًا في الميزان الدولي سواء استمرَّت الحرب الباردة أو يوم تقع الواقعة أو يوم يسوى الحساب.

وقد ثبت أنه لم يعد للدول الصغيرة من ذكر، ولا بدّ لها من تكتل يربط بينها بصلات قانونية وثقى يتبين أثرها الفعّال في السلم ولا يشكُّ في صمودها في الحرب.

3. وإلى جانب هذه الأخطار التي تقلق العالم جميعًا، نجد الدول العربية بليت بخطر آخر وهو العدو اليهودي المقيم في صرة بلادنا والمتربص بنا شرًا والذي يزداد خطره كلما رست باخرة من المهاجرين اليهود على شواطئ فلسطين.

4. وتدلُّ الاعتبارات العسكرية أنه يتعذر في الوقت الحاضر لأكثر الدول العربية منفردة مجابهة هذا الخطر الصهيوني الذي كان ولما يزل همه الأكبر التفريق بين الدول العربية ومقابلتها واحدة بعد أخرى ليكتب له البقاء ثم التوسُّع، وأن الوسيلة الوحيدة حاليًّا لاتقاء شره هي إحاطته بسوار دفاعي من الشمال والشرق والجنوب.

وإن من أكبر النكبات التي نخشاها على العالم العربي من جرّاء إسرائيل هو الشطر بين عرب مصر وما جاورها في الغرب، وهم حوالي ستين مليونًا، وبين عرب المشرق وهم حوالي عشرين مليونًا من جهة أخرى، وأخطر سهم وجهه اليهود إلى العرب هو الفصل بين القسمين في مناوراتهم حول النقب وفي قتلهم لبرنادوت لصالحهم الأكيد.

5. ولنذكر أن اليهود يطلون على البحر الأبيض المتوسط وعلى البحر الأحمر وأن لهم من إمكانياتهم في تجهيز الأساطيل التجارية والحربية بما يعرض كل السواحل العربية المجاورة لأخطار في اقتصادياتهم أو في سلامتها وتدل مشاريعهم في العقبة خاصة على نوايا توسُّع كبير في تلك المياه.

6. إن هذه الأخطار من عالمية دولية أو صهيونية تتساوى تجاهها الدول العربية جميعًا عاجلًا أو آجلًا مهما اختلفت هذه الدول في مواقعها الجغرافية منها أو في عواملها المحلية، وهذه حقيقة يحسن التذكير بها إذ ليس الأمر أن تقوم بعض الدول العربية في إنقاذ شقيقاتها بل واقع الحال أن تتدبر الدول العربية جميعًا سلامتها، وتضمن وجودها. إن حوادث السنين الأخيرة إن في النطاق الدولي أو في فلسطين والنوايا المبيّتة للعالم العربي شواهد ناطقة على ما نقول.

7. والمعروف أن عناصر القوة والاستعداد الحربي والإمكانات المادية هي وحدها التي تجعل للدول شأنًا في رقعة السياسة، ويتضح أن تركيا وإسرائيل وحدهما يدخلان في الوقت الحاضر بين الكتلتين العالميتين في حال الدفاع عن الشرق الأوسط وتحقيق الأمن فيه بالاستناد إلى جيوشهما، أما العرب في نظر قادة الحروب وأخصائييهم فكميًّا غير ذات شأن ولهذا لا تشحن إليهم الأسلحة ولا تحقق المساعدات التي طالما منينا بها واختصر آخر الأمر على مخابرات ودراسات وتسويفات لا طائل تحتها.

8. ونشير إلى أنه إذا ما ظلَّ العرب على حالهم، فليس الأمر في انحيازهم للكتلة الديمقراطية أو الشيوعية. فسواء انتصرت هذه أو تلك سيظلّون على بلواهم بالصهيونية وبالضغط الخارجي من الشرق أو الغرب. إن المهم هو إيجاد القوة أولًا ثم تقرير موقفنا على ضوء مصالحنا بثقة وإيمان قبل التطلُّع إلى هذا المعسكر أو ذاك، وقد دلَّت أعقاب الحرب الأخيرة للمتبصر أن الدول القوية تعامل وستعامل آخر الأمر خيرًا من الدول الضعيفة في قافلة الغالب.

9. لهذه الاعتبارات التي قدَّمنا بموجز عنها نرى لزامًا اقتراح مشروع عملي يشمل الدول العربية جميعًا ويكتل التوحيد في السياسة الخارجية وفي قوى الدفاع القومي والاقتصادي والمرافق الرئيسية، ويكون بنظر الرأي العام العربي وبنظر الكتل العالمية موضع اهتمام وأمل وخشية.

ويدلُّ التاريخ القريب أن هذه الوسيلة العلمية ثلاثة أشكال: أولها قيام الدول (المتحدة العربية) وهو المثل الأعلى لكل عربي. وقد أثبتت حوادث القرنين الماضيين صلاحه وتأثيره في أمم أوروبا وأميركا، وهو ليس بدعًا في تاريخ العرب فقد كانوا لاثني عشر قرنًا خلت دولة واحدة وهذه أقوى من الدول المتحدة.

أما الشكل الثاني وهو أقل أثرًا من الأول في نتائجه كما أثبت التاريخ، فهو الاتحاد بين الدول العربية. والشكل الثالث وهو أضعفها وهو الكونفدراسيون.

10. وإنّا إذ نتقدَّم بهذه الاقتراحات نعلن إيماننا بأرجحية الشكل الأول حتمًا، وإذا كنا أشرنا إلى الشكلين الثاني والثالث فذلك دفعًا لصعوبات وعقبات قد تعترض سبيل الأول أو تؤدِّي إلى البحث في الشكلين الآخرين، وإنا نرى بأن في سلوك هذا الطريق توخي المصلحة القومية ومصدر قوة ذات شأن لها كلمتها الأولى في الشرق الأوسط ورأي في الميزان الدولي، وهي تضمن لنا ولذرارينا سلامة الوطن واستمرار الأمل في هذه الظروف الدولية الخطيرة.

أما بقاء الصلات بين الدول العربية على ما هي عليه فلم يؤد إلى تقوية شأن العرب في الماضي القريب، وبالتالي لا ينتظر منه شيء كثير في الحاضر الخطير والمستقبل الداهم، ولا بدّ في نظرنا من الأخذ بالاقتراح السابق الذكر.

11. أما الطريق العملية لتحقيق ذلك فنقترح أن تبدأ اللجنة السياسية في اجتماعها الحاضر بإقرار الفكرة مبدئيًّا وإعلانها على الملأ أولًا، حتى يحيي آمال الشعوب العربية ويقوي عزمها في الداخل، ويوطد موقف العرب السياسي في الخارج، ثم نختار على الفور لجنة من جميع الدول مهمتها الاتصال السريع بأولي الأمر في عواصمهم وعرض الفكرة وتذليل العقبات، وتأليف وجهات النظر وتحضير النصوص والوثائق اللازمة للوضع الجديد على أسس قومية عملية منتجة، تقوم بدراستها بإمعان وتبصر وتقترح ما ينبغي إجراؤه وتشريعه في نصوص وأحكام على أن تنجز عملها في وقت قصير تحدِّده اللجنة السياسية مقدّمًا.

وتجتمع اللجنة السياسية بعد ذلك فورًا في موعد يتفق عليه من الآن، لتنظر في مقترحات اللجنة المختصة وتوصي بها مجلس الجامعة - في برهة محدودة الأجل - ثم يدعى هذا المجلس فورًا لإقرار ما تمَّ عليه الوفاق.

12. ولما كانت الظروف الحاضرة لا تمهل ولا تغتفر التأجيل أو ضياع الأيام، فنرى إلى جانب ما تقدَّم ومنذ الآن أن يبرم الضمان الاجتماعي على أساس القيادة الموحدة وتدعي اللجنة أو اللجان العسكرية المختصة لتقوم بأعمالها، ولا سيما تنظيم القيادة في زمن السلم وتأمين التدريب العسكري العام في الأقطار العربية.

إن في هذا الجمع بين التحضير السياسي وتحقيق التنظيم العسكري ما يعيد إلى جماهير العرب ذلك الإيمان الذي سطروا بفضله أروع الأمجاد في تاريخهم، والذي يمكن أن ينقذهم من أخطار تداهمهم، فيخدمون أمتهم والإنسانية بوضعهم القوي النافع، وبمنعهم التطاحن بين الأقوياء على ما في أرضنا من ثروات دفينة وخيرات تتوقَّف المدنية الآلية على توفرها.

13. ومن الواضح أن قضية السلاح عقبة يتوقَّف حلها على تذليل قضايا معلقة، وهذا يتطلب بعض الوقت، لذا نرى أن تقوم الدول العربية فورًا بتمرين أكبر عدد ممكن من سكانها على الأسلحة الموجودة لديها وبطريقة سريعة وعملية، كما فعلت ألمانيا قبل السماح لها بالتسليح في سنتي 1930-1935 فإذا فعلت الدول العربية ذلك بجد وسرعة وهمة أيقنت حينذاك الدول المعنية بالأمر أن حياة جيدة وأسلوبًا نشيطًا بدأ العرب بسلوكه مما يمهِّد للعرب حل قضاياهم المعلقة على اختلافها لأن أهمية الدول تقاس دائمًا وخاصة في الظروف الحاضرة بما لديها من نظام وقوة أو على ما يمكن أن يكون لديها من قوة عسكرية في الوقت المناسب.

ونعتقد أن المهم إيجاد الرجال المدربين للدفاع عن أوطاننا، فإذا ما وجدوا سهل توفير الأسلحة والأعتدة اللازمة لمجموعاتهم.

14. وإننا لا نبالغ حين نقول أن فيما تقدَّم من مقترحات رغبة الأمة العربية الملحّة في مختلف أقطارها.

كما أنا نثق بأن ما نذهب إليه لا يتعدَّى الحقيقة، فسواء تطلَّعنا إلى ماضي الأمة العربية فيما سلف، أو إلى صميم الواقع فيما حضر نجد أن عوامل الوحدة كامنة موفورة راكدة تنتظر من قادة الشعوب شارة الهبوب لتقضي على شبح التفرقة الجاثم والذي لا جذور له ولا أسس في ضمائر الناس.

والغريب أن نرى في هذا العالم ولا سيما في غرب أوروبا أو في شرقها قيام اتحادات تجمع بين أمم متنافرة في أصولها وعروقها وتاريخها وتقاليدها تقف صفًا واحدًا وتوحد سياستها الخارجية وتشترك في قواها الدفاعية، وتناسق بين إمكاناتها الاقتصادية بينما تتفرَّق الدول العربية وقد جمع بينها الأصل والعرق واللغة والتاريخ والمعتقدات والمصلحة المشتركة أيضًا، بل نرى ما هو أغرب فيما يتعلَّق بألمانيا واليابان والحلفاء إذ يتصافى أعداء الأمس القريب في سبيل المصلحة المشتركة، وتتوحَّد الجيوش التي لما يمضِ سنون قليلة على قتالها الضاري وذلك لدفع الخطر الداهم، فما أحرى إخوان التاريخ والغد أن يتحدوا فيما بينهم.

وأخيرًا نرى أن الاتحادات الكبرى في كل أصقاع الأرض في أميركا شماليها وجنوبيها، وفي المنطقة الأطلسية وفي شرق أوروبا وفي الشرق الأقصى متعددة الأشكال، وهذه الأحلاف وحدها قادرة على الوقوف.

15. على أنه إذا صممنا على قيام أحد أشكال الاتحاد الثلاثة فعلينا أن نشير بوضوح إلى أن في الدول العربية أوضاعًا في طراز الحكم يقضي منطق الواقع إحلالها الاعتبار الأول، لكن يمكن التوفيق بينها وبين ما نذهب إليه في المراحل الأولى حتى تنسجم هذه الأوضاع مع الشكل الجديد.

وفي التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل حافظت فيه دول أو دويلات أو إيالات على بعض أوضاعها الخاصة واشتركت اشتراكًا وثيقًا في المرافق الرئيسية، فانسجمت هذه الأوضاع بتؤدة ووفاق في إطار الوحدة القومية المشتركة التي آلت في النهاية على هذه الأوضاع بالخير العميم.

16. كما نجد من الواجب الإشارة إلى أن تفاوت الدول العربية في عدد سكانها حقيقة راهنة يقتضي منطق الواقع أيضًا أن تؤخذ بعين الاعتبار حين تشكيل المجلس والهيئات المشرفة على الاتحاد.

17. أما الاعتبارات التي طالما قيل أنها تقف في طريق الوحدة أو الاتحاد، فإن في التطوُّرات الاجتماعية وفي الانقلابات الدولية من بطيئة هادئة أو مداهمة صاخبة، ما لا تقف أمامه كل اعتبارات مبنية على المقياس المحلي الصرف ومن الواجب أن نتدبَّرها في حينه قبل أن يفلت الزمام ويفوت الأوان.

وقد يرى البعض فيما تنطوي عليه هذه المذكرة من المقترحات ضربًا من المشاريع البعيدة التحقيق أو الخيالية لكننا في يقيننا أن بقاء العرب على ما هم فيه تجاه الظروف الدولية الخطيرة هو الأقرب إلى الخيال والأبعد عن التحقيق.

18. وفي رأينا الصريح أن الدول العربية ستكون عرضة لتطوُّرات لا يمكن تجنُّبها ومن الخير أن نسعى إلى الاتحاد أحرارًا وأن يكون لصالحنا، من صنع أيدينا وفي اندفاع الأمة العربية وحماسها بدلًا من أن تفرض علينا أشكال أخرى في ظروف قاهرة، وتكون علينا ولأعادينا وأن تذوق الشعوب العربية في طريقها الأهوال.

19. إن الوعي القومي يسبق السياسة في العالم العربي، وهذا الوعي لن يغتفر التمادي في سياسة جرت عليه نكبة فلسطين وقد تجر أدهى منها في قطر بعد آخر، ومن الحكمة أن نستمع لإرادة الشعوب وهي منقادة واثقة قبل أن تدخل فيها فوضى النزعات مستفيدة من خيبتها في الحاضر ويأسها في المستقبل.

20. ولقد خيَّبت الجامعة العربية آمال العرب، وكانت إسرافًا في المظاهر والأقوال وجدبًا في النتائج والأفعال، وعرف الجميع أن الروح السائدة فيها لا تساير واقع العصر وسرعة الزمن وخطورة الأحداث ووثبة إرادة الشعوب لأنها لم تسلك الطريق الإنشائي في أي حقل من الدفاع والاقتصاد أو الثقافة والاجتماع ولم يشعر الفرد العربي بوجودها لأنها لم تؤمن له حاجة أو تحيي له أملًا بالتطوُّر والتقدُّم.

21. وهذا الاجتماع الحاضر للجنة السياسية ولمجلس الجامعة من بعده هو القول الفصل في حياة الجامعة في نظر العرب جميعًا، كما أن الأحداث الدولية في هذه الظروف هي القول الفصل بين السلم والحرب وبين الكتلتين المتطاحنتين، فإما أن تندثر الجامعة العربية في عقيدة الأمة إذا استمر فيها الجدل والتعليق والتأجيل والتحويل إلى اللجان والحكومات أو أن تبعث إذا أقرت ما يطمئن إليه الرأي العام.

القاهرة: 23/1/1951