بين يدي هذه المذكرات - الجزء 1: صباح انقلاب 28 أيلول 1961 ولقاء عبد الناصر في مقر القيادة بالقاهرة

اقرأ بالإنكليزية

يوم 5 شباط من عام 1958، قامت أوّل وحدة في تاريخ العرب الحديث بين الدولتين العربيتين التقدّميتين، سورية ومصر، على أسس الرضا الكامل، والعزم على أنْ تكون نواة تجتذب إليها الأقطار العربيّة الأخرى، ببريقها وشموخها، إذا آنست هذه الأقطار، رغبة حرة في الاندماج بالدولة الوليدة..

غير أن بعض الضباط، وأكثرهم من مدينة دمشق، سددوا إلى هذه الوحدة ضربة مميتة، في ليلة غدر، يوم ٢٨ أيلول من عام ١٩٦١، متذرّعين بأخطاء، لابدّ من وقوعها في إقامة بنيان ضخم، وكان من واجب كل مواطن شريف أن يعمل على إصلاحها مع الزمن.

وكان ذلك ممكناً بالتأكيد، لأن أكثرها كان مجرد حساسيات شخصية. فالرجال الذين يخطئون، سيطويهم الموت ذات يوم.. وسوف يأتي من بعدهم خلفٌ يقومون بتقويم المعوج..

حين يشعر المرء بخلل يصيب الرؤية، فإنه لا يعمد إلى قلع العين، ولكنّه يداويها.

ووجد الإنقلابيون مساندة غير متوقعة، من عدّة جماعات، تضررت مصالحها المادية أيام الوحدة، أو هكذا قالت.. ومن هذه الجماعات، أشخاص، كنت أعمل وإياهم في الحقل العام، كان أقل ما يجب عليهم، أن يظلوا في بيوتهم، حتى لا يدمغوا أنفسهم بسبة «الانفصالية».

ولكن الثبات على المبدأ، فضيلة لا يتمتع بها كل إنسان، لأنّه كان لابد أن يسبب لصاحبه متاعب، لا تقوى الكثير من الكواهل على حملها.

صدق رسول الله Å، القائل: «القابض على دينه كالقابض على الجمر». وكما أخذت نفسي، في كتابيَّ السابِقَين، بالاستمساك بالأمانة وعدم الاندفاع وراء الهوى، فإنّي سأظلّ في هذا الكتاب على ما أخذت به نفسي في كتابة التاريخ السياسيّ، أميناً على الحقيقة، بعيداً عن الرغبة في الإيذاء أو التجريح، إلاّ حيث تتطلب الحقيقة ذلك.

وأنا أكتب هذه السطور، بعد أكثر من ثلث قرن على وقوع الجريمة التاريخية النكراء، وقد مات من «أبطالها» أكثرهم، وتشرّد بعضهم تحت كل كوكب، يلاحقهم شبح المأساة التي دفعوا إليها البلاد والعباد، لا تقبل منهم دعوة صالحة ولا يصح لهم الاستغفار..

وإني أرجو أن تنال الحقيقة حقّها من التكريم، وترفرف أكاليل الغار على الأخيار.

أمّا الذين ليسوا أخياراً ولا أبراراً، فإني لن أشتدّ عليهم، لأنّ الله سيحاسبهم على ما اجترحوا في حق بلادهم وأمّتهم من جرائم، ولكنّي سأذكر مُسِيئهم.. بإساءته. وهذا حقّ التاريخ عليّ.

المؤلف.

الخميس 28 أيلول 1961

نزلت من بيتي صباحاً، كعادتي في كل يوم، لأذهب إلى مكتبي.. كان بيتنا في بناية ضخمة، يملكها ثري كويتي، في شارع النيل (الجيزة) بالقاهرة وكان مكتبي في فندق هليوبوليس، الذي حوّلته الحكومة إلى قصر للحكومة المركزية الجديدة.

وكان عليّ أن أجتازَ كوبري الجلاء، فكوبري قصر النيل، مروراً بفندق هلتون، فشارع رمسيس، الذي ينتصب فيه تمثاله المهيب، فالعباسية، حيث يوجد بيت الرئيس جمال عبد الناصر، فمصر الجديدة.. لأصل إلى مكتبي.. وكنت أسمع من راديو السيارة مقتطفات من خطب سياسية سابقة للرئيس، أُلقيت في مناسبات معروفة.

ودخلت مبنى الوزارة، فأدّى لي التحية ضابط الحرس، على عادته، كما حيّاني رجال الشرطة والمخبرون المنتشرون بين المدخل والمصعد، بلطفهم العادي. ولم أشعر بأيّ شيء ينبئ عن وقوع حدث جسيم..

وبعد دقائق من جلوسي إلى مكتبي، دخل عليّ سكرتيري كمال الخوري، وهو سوري، انتقل معي من وزارة المالية بدمشق إلى وزارة التخطيط.. وكان موضع ثقتي، التي استحقّها بأمانته وانضباطه في عمله وكتمانه أسرار الوزارة، حتّى بعد استقالة الحكومة.. وكان أوّل عهدي به حين أبعدت مدير مكتب وزير المالية، في أول وزارة مالية تولّيتها عام ١٩٥٥ ونصحني بالسيد الخوري أحد الأصدقاء، فعيّنته في هذا المنصب. وكانت نصيحة نصوحاً..

وفاجأني كمال بقوله: إن الرئيس عبد الناصر يخطب الآن، وأن مجموعة صغيرة من الضباط السوريين، استولوا على الإذاعة إثر عصيان منظم بدمشق، وأضاف بأن الحالة غامضة هناك والموقف خطير..

وعَقَدت المفاجأة لساني.. وفتحتُ الراديو، وكان عبد الناصر يلقي خطاباً، يشرح فيه ما حدث في الصباح الكئيب..

ولم يتأخّر في الدخول عليّ الدكتور محمد شلبي، مدير مكتبي، وهو مصري، فأكّد وقوع عصيان مسلح في دمشق..

ورحت أتصل بزملائي الوزراء السوريين بالهاتف، يسأل أحدنا الآخر عمّا لديه من معلومات، وعن تحليله للوضع في «الإقليم الشمالي» ولم تخرج الآراء عن تكهّنات حول شخصيات القائمين بهذه الفعلة النكراء، وقد جبنت العصابة المتمردة عن التعريف بنفسها، مكتفية بتسمية «القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة»..

وفي تلك اللحظة، دقّ جرس الهاتف الخاص، وكان على الخط الأستاذ علي صبري، وزير شؤون رئاسة الجمهورية، وقد أبلغني رغبة الرئيس في الحضور فوراً إلى مقرّ «القيادة».. وهو المقرّ الذي احتلته حركة الضباط الأحرار عام ١٩٥٢ وجعلته مكاتب لها، بعد أن قضت على نظام الملك فاروق.

وكنّا نجتمع في العادة في مكتب الرئيس بقصر القبّة، أو في بيته بمنشية البكري.

والظّاهر أنّه اختار مقر القيادة لاجتماعنا، لأنّ الحدث الذي سنتحدّث به عسكريّ، ومقر القيادة مجهّز بوسائل اتصال أفضل..

وحين أُدخِلت إلى مكتب الرئيس وجدت إلى جانبه، نائبيه المصريين، عبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين.. ثم حضر نائب الرئيس السوري نور الدين كحالة.. أما نائب الرئيس السوري الآخر، عبد الحميد السراج، فكان قد قدم استقالته منذ أربعة أيام وغادر القاهرة إلى دمشق يوم الاثنين، أي منذ ثلاثة أيام فقط.. وأخذ الوزراء السوريون يتوافدون وحداناً، فيحيون الرئيس ونوابه، ويجلسون على مقاعد مصطفة على شكل بيضوي، دون أية مراسم أو شكليات.

وكيف وجدت عبد الناصر في هذا الوقت العصيب؟

كان متين الشكيمة، متماسك الأعصاب، وكان يبتسم ولكن المرارة كانت تعصف بحلقه.. غير أنه كان واثقاً بأن هذا العصيان ليس أكثر من عاصفة لن تلبث حتى تتبدد..

وأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض.

وكان في كل لحظة يرد على هاتف.. ويعطي توجيهاته.. غير أنه كان شديد الاهتمام بالهواتف التي ترده من المشير عبد الحكيم عامر، من دمشق.. ويترقبها..

وكان يلخص لنا كل المعلومات التي تصله، داخلياً ودولياً.. فنعلّق على ما نسمع، ونتبادل الآراء..

كان يعتذر إلينا، ويخرج إلى غرفة مجاورة، ليتصل بواسطة اللاسلكي بالمشير عامر، الذي تقيدت إقامته في مبنى الأركان العامة، في ساحة الأمويين بدمشق.. ثم يعود ليخبرنا بما يتيسر له من القول والمعلومات..

غير أن العصيان العسكري أصبح واقعاً ملموساُ.. فمن الذين قاموا به؟ ذهبت أفكار بعضنا إلى أن عبد الحميد السراج، قد يكون هو المحرك للعصيان. ويعزى إلى السراج، أنه حين اختلف مع المشير عامر، الذي حضر إلى دمشق مزوّداً بصلاحيات رئيس الجمهورية، وأمر بإغلاق المعتقلات، ونقل ضبّاط مخابرات السراج إلى القاهرة، وقرّر عدم اعتقال أحد إلا بقرار قضائي، دعا الاتحاد القومي - الذي هو أمين سرّه العام - إلى اجتماع عُقِد برئاسته.. ونقل بعض الذين حضروا الاجتماع، بعض أحاديث السراج. وكان ممّا قاله لهم إنّه نائب لرئيس الجمهورية، ولكنّ صلاحياته انتُزِعت منه، فبقيَ بدون عمل، وهاجم تسلط المصريين على الحكم في سورية، وأنّه لا يمكن أن يقبل بهذا الوضع، ولا يستطيع أن يكون ضحيّة رخيصة مثل أكرم الحوراني..

ولكن الرئيس عبد الناصر الذي تلقى هذه الأنباء، لم يكترث بها فقد كان واثقاً أن تجريد السراج من صلاحيات اعتقال الناس إدارياً والتّجسس عليهم، وملاحقتهم على مجرد الشبهة، إنّما هو استجابة لرغبة عامة كان المواطنون يتحدثون بها، في السر أحياناً وفي المقاهي أحياناً أخرى.

ومما أذكره، أنني اختلفت مع السراج، حين وضعتُ الميزانيّة الأخيرة، حول عدد أفراد الشرطة الذين طلب إضافتهم إلى ملاك الداخلية، فقد طلب رواتب لألف وخمسمئة شرطي، ووافقت على 500 فقط، فقال: إذا وزعت هذا العدد على أقسام المحافظات، فإنّه لن يمثّل شيئاً في هيبة الأمن، وسأكون - كما قال - عاجزاً عن قمع أية مظاهرة يقوم بها أعداء النظام..!

وحين عرضت الأمر على الرئيس، وأخبرته بما تذرع به السراج من حجج لزيادة الألف وخمسمئة شرطي، تحسّباً لمظاهرات قد تقع، استغرب الرئيس هذه الحجة، وقال: «وهل يمكن أن تتحرك مظاهرات؟» ولماذا؟.. وكل ما نعمله إنّما يتم لصالح الشعب وبموافقته؟..

وكان الدكتور شوكت القنواتي، وزير الصحة، العائد من دمشق قد حدّثني بأنّه «يخشى من الحالة في سورية، وأنّه فضّل العودة بسرعة إلى القاهرة، خشية أن يحدث فيها أمر!».

وكان الأستاذ ثابت العريس، وزير الثقافة، قد ألمح إلى شيء من هذه الإشاعات، من التي عايشها في بلدنا حلب، بعد أن عاد منها منذ يومين. وأوعز الرئيس إلى معاونيه، فأحضروا لنا طعاماً للغداء بسيطاً، تناولنا ما استطاعت النفوس المكدودة أن تتناول في مثل هذه الأوقات الحزينة، وبقينا إلى جانبه طيلة ذلك النهار ومسائه..

وصدقاً لم نكن قانعين، بأن حركة انقلابية يمكن أن تقع بسهولة، وأن يكتب لها النجاح.. لأن القادرين على القيام بمثل هذه الحركة، يجب أن يكونوا ضباطاً مسيسين..

والذي عرفناه، أنّ الجيش تطهّر من ضباطه المسيسين.. فقد سرح بعضهم، ونقل بعضهم الآخر إلى وظائف مدنيّة، وأصبح جيشاً منضبطاً، لا يعرف إلا القيام بواجباته القومية الفنية.. وخاصة مواجهة إسرائيل..

وتبيّن أخيراً، أنّ العصيان من عمل ضبّاط من أبناء دمشق وحدها، وهم لا يجاوزون نسبة 01% من مجموع الضباط.. وقد ذكرهم الرئيس بأسمائهم في خطابه، وأبرزهم عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب المشير، وهو الذي أقنع المشير بإجراء عدد من المناقلات بين الضباط، استطاع بها أن يركز الضباط الشوام، في القوات الضاربة المعسكرة حول دمشق، وحول الأركان في داخلها، وحيدر الكزبري قائد حرس البادية (الهجانة) ومهيب الهندي، وموفق عصاصة وعبد الغني دهمان وهشام عبد ربه..

وقد استدعى المشير الوزراء الضبّاط الذين كانوا يومها في دمشق، إلى مكتبه في الأركان، وكان وصله بعد ثلث ساعة من خروجه من بيته الذي طوّقه جنود حيدر الكزبري وراحوا يمطرونه بالنار الكثيفة دون إنذار، حتى استسلم حرس المشير، وبعدها نزلوا من شارع عدنان المالكي إلى بناية الأركان العامة في ساحة الأمويين، فطوّقوها.. وكان قد وصلها قبل تطويقها وزراء الوحدة أكرم الديري وأحمد الحنيدي وجادو عز الدين وطعمة العودة الله، وهم من ضباط الجيش السابقين وقيل إن المشير ارتكب خطيئة قاتلة باستدعائهم إلى مكتبه، وكان عليه أن يوزّعهم على القطعات العسكرية في الحال، ليمنعوا قادتها من تأييد العصاة.. لذلك وقعوا معه في «الأسر».

وقد أعلن الرئيس في خطابه تسريحهم من الجيش وأحلّ الضباط وصف الذين هم تحت إمرتهم من طاعتهم وتنفيذ أوامرهم.. وأمر بالقبض عليهم ومقاومتهم..

وأخذَت بيانات العصاة تصل إلينا تباعاً بنصوصها الملتقطة من الإذاعة، وكان الرئيس يطلعنا على تطوّر مفاوضاتهم مع المشير.. وقد جاء في البلاغ رقم ١ ما يلي:

«لقد قام جيشكم للحفاظ على أرض الوطن وسلامته وحريته وكرامته، قام لإزالة الفساد والطغيان وردّ الحقوق الشرعية للشعب.. إننا طرقنا كل باب للإصلاح قبل أن ننفجر، فلم نجد إلا القوة سبيلاً لكي تعاد إلى الشعب حريّته وللجيش كرامته. ولن نرضى بعد اليوم لراية العروبة مقرّاً إلا هامات النصر. وهذه دماؤنا نكتب بها أنّنا وفينا العهد وأبينا العيش إلا كراماً. واللّه اكبر والعزة للعرب».

وشرح العصاة في بيانهم الثاني الأسباب التي تذرعوا بها لتغطية الجريمة الآثمة. ومما جاء فيه قولهم:

«إن الشعب العربي المكافح في سورية ومصر، يدعمه الجيش العربي فيهما، قد قام متّكلاً على الله العزيز القهّار بحركة عربية ثورية منظمة لمحو الانحراف والمنحرفين، أولئك الذين ضربوا الوحدة العربية المقدسة بالصميم. تلك الوحدة المقدّسة التي ضحّى الآباء والأجداد في كل قطر عربي بدمائهم وأرواحهم في سبيلها.. ولكن الطغمة المتحكمة خانت الأمانة وضربت بالوحدة عرض الحائط.. وراحت هذه الطغمة الفاسدة تفتّش عن الأساليب التي تكفل تحفية الشعب وإفقاره، كما راحت تصدر بين الحين والحين قرارات سمّتها ثورية.. في ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، كل ذلك ليخدعوا الكادحين من أبناء هذه الأمة، وخاصة العمال والفلاحين، عَصَبا الأمة.. ناهيك عن الخطة السافلة التي اتبعت في تصفية الجيش سياج الأمة.. وأبنائه وأبطاله الميامين، وهم في ريعان شبابهم.. كما راحت هذه الطغمة تبدد الأموال العامة باسم رواتب ورشوات لتشكك الأخ بأخيه والأب بابنه، ليسود الذعر والخنوع..

والشعب العربي الأبي يمد يده الشريفة ليتسلم حقه المقدس، ليعمل بكل إخلاص لدعم الوحدة العربية من الخليج حتى المحيط على أساس متين من التكافؤ والمساواة والحرية والإخاء..».

والذين تابعوا البلاغات العسكرية التي تذاع صبيحة كل انقلاب من الانقلابات العسكرية التي أذلت سورية وأضعفتها، أمام عدو العرب إسرائيل ومن يساندها من المستعمرين، لا يستغربون هذه الكليشهات المتكررة على الأسماع، والتي أصبحت تمجها الآذان وتستهجنها..

والذي يدقق في هذا البيان الثاني، يجد أن أصحابه يأخذون على حكم الوحدة ثلاثة أخطاء هي:

1 - أنه «ضرب» الوحدة العربية المقدسة في الصميم. ووجه التجنّي في هذا «الخطأ» أن الذين قاموا «بثورتهم» على حكم الوحدة، هم الذين قاموا بذبح وحدة كانت قائمة، وكرّسوا انفصالاً ليس له مبرر أخلاقي، بين إقليمين توحدا، وأصبحا نواة واقعية لوحدة عربية أكبر.

وفور الإعلان المذهل عن قيام صرح الوحدة السورية المصرية عام 1958 سارعت اليمن إلى الانضمام إلى اتحاد معهما أصبح ثلاثياً.. وكاد العراق يصبح الدولة الرابعة، لولا أن سيطر الشيوعيون على مقدراته بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم وراحوا يناوئون الجمهورية العربية العداء، بسبب من إقليميتهم المتجذّرة، واستلهاماً لموقف الاتحاد السوفييتي آنذاك، الذي لم يكن راضياً عن الوحدة المذكورة.

2 - والخطأ الثاني، هو صدور مجموعة القوانين الاشتراكية، في يوليو/تموز 1961، والتي تمّ بموجبها تأميم ثلاث شركات تأميماً كاملاً، وتأميم بعض الشركات تأميماً جزئياً، وبذلك أصبح للدولة إشراف فعلي على توجيه الاقتصاد الوطني لصالح مجموع الشعب، وبخاصة العمال الذين أصبح لهم نصيب في الربح المتحقق للشركة التي يعملون فيها، وصان التشريع العمالي حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية المشروعة.

وحين أسفر النظام الانقلابي عن وجهه، وأخذ يعبث بحقوق العمال والفلاحين، ظهر له أن الكتلة الشعبية التي طعنها في مكتسباتها أقوى عوداً منه..

وأذكر أن الرئيس عبد الناصر، قال لي مرة: وماذا يريد الرأسماليون الجشعون أكثر من أن الوحدة حقنت دماءهم، وحافظت لهم على ثرواتهم؟..

وهو في هذا القول، يشير إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الوحدة، والذي كان يتّجه في انحدار عنيد، نحو نظام اشتراكي متطرّف! وكان يكفي فيه الفريق عفيف البزرة وصحبه من الضباط اليساريين، أن يذيعوا بلاغاً قصيراً يقولون فيه أن سورية أصبحت «جمهورية شعبية» حتى تفقد الطبقة المترفة كل امتيازاتها وتصبح حياتها مهددة..

3 - والخطأ الثالث، أن عهد الوحدة عمل على تصفية الجيش السوري.. «سياج الأمة وأبنائه وأبطاله الميامين».

وكل مواطن مهما كان اتجاهه يُقدِّر ويُجِل دور الجيش في حماية الوطن والدفاع عن حرماته..

ولكن الذي يؤسف له أن السياسة تغلغلت في أدمغة فريق - هو الأقل عدداً، ولكنّه الأكثر تصميماً - من ضباطه، فشكّلوا في داخل الجيش، كتلاً متناحرة، ظلّت سنوات عديدة تهدد حياتهم الشخصية، وحياة البلاد.. وكان كل انقلاب يسرح أكبر عدد من الضباط الذين يخشى تحرّكهم ضدّه، حتّى نزف دم الجيش، إلى درجة أن رئيس أركانه، اعترف، في صيف عام 1956، وفي مجلس ضمّ رئيس جمهورية مصر عبد الناصر، ورئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي، بأنّ هذا الجيش لا يستطيع أن يصمد أكثر من أربع ساعات.. وكانت المناسبة تقييم إمكانية صمود الجيش السوري، فيما إذا هاجمت إسرائيل مصر.

وحين وقعت أحداث قطنا، قبيل الوحدة، وطوقت المدفعية المعسكرات، بادرت الدبابات إلى تطويق المدفعية، وتحركت قطعات من الجبهة، لتطوق القطعات المتصارعة، بمساعدة الطيران، وعندها شعر الضباط المسيسون بالمصير القاتم الذي يتهددهم ويتهدد البلاد، وراحوا يترامون على عبد الناصر، ليقبل بقيام وحدة فورية. وقد اشترط عليهم شرطين: